أو (^١) رؤيةِ نفسه فيه، أو مَنٍّ به (^٢)، أو يطلب من العباد تعظيمه به، أو يستشرف بقلبه لمن يعظِّمه عليه، أو يُعادي من لا يعظمة عليه، ويرى أنه قد بخسه حقه، وأنه قد استهان بحرمته = فهذا أيُّ شيء يُكَفِّر؟!
ومحبطاتُ الأعمال ومفسداتُها أكثر من أن تحصر، وليس الشأن في العمل، إنما الشأن في حفظ العمل مما يفسده ويحبطه.
فالرياء -وإن دَقَّ- محبطٌ للعمل، وهو أبواب كثيرة لا تحصر. وكونُ العمل غير مُقَيَّد باتباع السنة أيضًا موجبٌ لكونه باطلًا، والمَنُّ به على الله تعالى بقلبه مُفْسِدٌ له، وكذلك المَنُّ بالصدقة والمعروف، والبِرّ والإحسان والصِّلَةِ مُفْسِدٌ لها، كما قال ﷾: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤].
وأكثر الناس ما عندهم خَبَرٌ من السيئات التي تحبط الحسنات، وقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ [الحجرات: ٢].
فحذر سبحانه المؤمنين من حبوط أعمالهم بالجهر لرسول الله ﷺ كما يجهر بعضهم لبعض (^٣)، وليس هذا بردَّة، بل معصيةٌ يحبط بها العمل (^٤)
_________________
(١) (ت) و(م): "ولا".
(٢) (ح): "أو يمُنُّ به"، وفي (ق): "أو يمنُّ فيه به".
(٣) "بعضهم لبعض" ساقط من (ت) و(ح).
(٤) (ح) و(ق): "تحبط العمل".
[ ٢٠ ]
وصاحبُها لا يشعرُ بها (^١).
فما الظَّنُّ بِمَنْ قَدَّم على قولِ الرسولِ ﷺ وهديه وطريقه قولَ غيره وهديَه وطريقَه؟! أليس هذا قد حبط عمله وهو لا يشعر؟!
ومن هذا قوله ﷺ: "من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله" (^٢).
ومن هذا قول عائشة رضي الله تعالى عنها وعن أبيها لزيد بن أرقم ﵁ لما باع بالعِينة: "إنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ، إلا أن يتوب" (^٣).
وليس التبايُع بالعِينة رِدَّةً، وإنما غايته أن يكون معصية.
فمعرفةُ ما يفسدُ الأعمال في حَالِ (^٤) وقوعها، ويبطِلُها ويحبطُها بعد
_________________
(١) "بها" من (ح) و(ق).
(٢) أخرجه البخاري (٥٥٣، ٥٩٤) من حديث بريدة ﵁. وانظر: "الصلاة وحكم تاركها" (٨٥ - ٨٧) للمصنّف.
(٣) أخرجه أبو القاسم البغوي في "الجعديّات" (١/ ١٥٥)، وعبد الرزاق في "المصنف" (٨/ ١٨٤ - ١٨٥)، والدارقطني في "السنن" (٣/ ٥٢)، والبيهقي في "الكبرى" (٥/ ٣٣٠ - ٣٣١). وأعلّه الشافعيُّ في "الأم" (٤/ ٧٤)، والدارقطني في "السنن" بجهالة امرأة أبي إسحاق. وأجاب عن هذه العلّة -وأحسن ما شاء- المصنّفُ في "إعلام الموقعين" (٣/ ١٦٧ - ١٦٩)، و"تهذيب السنن" (٩/ ٢٤٠، ٢٤٦)، وابن التركماني في "الجوهر النقي" (٥/ ٣٣١ - سنن البيهقي)، وابن الجوزي في "التحقيق" (٢/ ١٨٤)، وجوّد إسناده ابن عبد الهادي في "تنقيح التحقيق" (٢/ ٥٥٨).
(٤) (م): "وقت".
[ ٢١ ]