فيما لا يعنيه خذلانًا من الله ﷿ (١)
فإنما الليل والنهار مراحل ينزلها الناس مرحلة مرحلة حتى ينتهي ذلك بهم إلى آخر سفرهم، فإن استطعت أن تُقدّم في كل مرحلة زادًا لما بين يديها فافعل، فإن انقطاع السفر عن قريب ما هو والأمر أعجل من ذلك، فتزود لسفرك واقض ما أنت قاض من أمرك، فكأنك بالأمر قد بغتك (٢)
إنما الدنيا إلى الجنة والنار طريق والليالى متجر الإنسان والأيام سوق (٣)
أخي الحبيب
كان شميط بن عجلان يقول .. الناس رجلان، فمتزود من الدنيا ومتنعم فيها، فانظر أي الرجلين أنت؟
إني أراك تحب طول البقاء في الدنيا فلأي شيء تحبه؟ إن تطع الله ﷿ وتحسن عبادته وتتقرب إليه بالأعمال الصالحة ..؟ فطوبى لك.
أم لتأكل وتشرب وتلهو وتلعب وتجمع الدنيا وتثمرها وتنعم زوجتك وولدك ..؟ فلبئس ما أردت له البقاء (٤)
فالواجب على المؤمن المبادرة بالأعمال الصالحة قبل أن لا
_________________
(١) جامع العلوم والحكم ١٣٩.
(٢) جامع العلوم والحكم ٤٦٣.
(٣) الزهد للبيهقي ٢٩٨.
(٤) صفة الصفوة ٣/ ٣٤٣.
[ ١٣ ]
يقدر عليها ويحال بينه وبينها، إما بمرض أو موت أو غير ذلك من العلل والآفات.
قال أبو حازم: إن بضاعة الآخرة كاسدة يوشك أن تنفق فلا يوصل منها إلى قليل ولا كثير، ومتى حيل بين الإنسان والعمل ولم يبق له إلا الحسرة والأسف عليه ويتمنى الرجوع إلى حال يتمكن فيها من العمل فلا تنفعه الأمنية (١)
ولنر الإمام الشافعي كيف استفاد من وقته فقد جزأ﵀- الليل إلى ثلاثة أجزاء: الثلث الأول يكتب والثلث الثاني يصلي والثلث الثالث ينام (٢)
وكان الحسن يقول: ما مر يوم على ابن آدم إلا قال له: ابن آدم، إني يوم جديد، وعلى ما تعمل فيَّ شهيد، وإذا ذهبت عنك لم أرجع إليك، فقدم ما شئت تجده بين يديك، وأخر ما شئت فلن يعود أبدًا إليك (٣)
تؤمل في الدنيا طويلًا ولا تدري إذا جن ليل هل تعيشُ إلى الفجر
فكم من صحيحٍ مات من غير علةٍ وكم من مريض عاش دهرًا إلى دهر (٤)
كثير باتوا ولم يروا ضوء الفجر التالي وكثير أشرقت عليهم
_________________
(١) جامع العلوم والحكم ٤٦٨.
(٢) صفة الصفوة ٢/ ٢٥٥.
(٣) الحسن البصري ١٤٠.
(٤) موارد الظمآن ٢/ ٢٤٥.
[ ١٤ ]
الشمس ولم يدركوا مغيبها .. وهل الإنسان إلا هكذا ميت بليل أو نهار، ينتظر الموت من أين يُقبل! !
إن توقفت أنفاسه نهارًا لم ير الليل وإن سكنت أطرافه بالليل أصبح محمولًا إلى القبر ..
ألا إنها أوقاتٌ محسوبة ولحظاتٌ مقسومة وأنفاس معدودة .. تمر مر السحاب، طوبى لمن عمل بها واستزاد من الخير وقدم ليوم المعاد.
* كان أبو مسلم الخولاني يقول .. لو رأيت الجنة عيانًا ما كان عندي مستزاد، ولو رأيت النار عيانًا ما كان عندي مستزاد (١)
وهذه المحافظة على الأوقات من علامات النفوس الكبيرة والهمم القوية ..
قال أبو النصر أباذي .. مراعاة الأوقات من علامات التيقظ (٢)
ومن أضاع أوقاته فيما لا فائدة منه فيرسم لنا حاله مورق العجلي بقوله .. يا ابن آدم تودى كل يوم برزقك وأنت تحزن، وينقص عمرك وأنت لا تحزن، تطلب ما يطغيك، وعندك ما يكفيك
وللمرء يوم ينقضي فيه عمره وموت وقبر ضيق يُولجُ (٣)
_________________
(١) صفة الصفوة ٤/ ٢١٣، والسير ٤/ ٩.
(٢) الزهد للبيهقي ١٩٧.
(٣) إرشاد العباد ٤٨.
[ ١٥ ]