لسفرك واقض ما أنت قاض من أمرك، فكأنك بالأمر قد بغتك (١)
أذان المرء حين الطفل يأتي وتأخير الصلاة إلى الممات
دليل أن محياه يسير كما بين الأذان إلى الصلاة
يا أخي .. يخيل لك أنك مقيم، بل أنت دائب السير، تساق سوقًا حثيثًا، الموت متوجه إليك والدنيا تطوى من ورائك وما مضى من عمرك فليس بعائد إليك.
فكيف يفرح بالدنيا من يومه يهدم شهره، وشهره يهدم سنته، وسنته تهدم عمره، كيف يفرح من يقود عمره إلى موته؟ ! إنها رحلة سفر .. وإنها والله ظل زائل.
سبيلك في الدنيا سبيل مسافر ولابدّ من زادٍ لكل مسافر
ولابدّ للإنسان من حمل عدة ولا سيما إن خاف صولة قاهر (٢)
قال أبو ضمرة يتحدث عن صفوان بن سليم .. رأيته ولو قيل الساعة غدًا ما كان عنده مزيد عمل (٣).
أخي الحبيب:
نندم على التفريط عندما نسمع مثل هذه الهمة وهذا التوفيق .. محافظة تامة واستجابة كاملة .. ونتحسر على أيامٍ أضعناها وأوقات تركناها .. ذهبت بما حملت ..
_________________
(١) جامع العلوم والحكم ٤٦٣.
(٢) جامع العلوم والحكم ٤٦٣.
(٣) تذكرة الحفاظ ١/ ١٣٥.
[ ٢٩ ]
نقترب من قول أبي سليمان الداراني .. لو لم يبك العاقل فيما بقي من عمره إلا على تفويت ما مضى منه في غير الطاعة، لكان خليقًا أن يحزنه ذلك إلى الممات، فكيف من يستقبل ما بقي من عمره بمثل ما مضى من جهله (١)
هذا مالك بن دينار المعروف بزهده وورعه وعبادته يحدثنا عنه سلام بن مطيع، يقول .. دخلت على مالك بن دينار ليلًا وهو في بيت بغير سراج، وفي يده رغيف يكدمه، فقلت له: يا أبا يحيى ألا سراج؟
ألا شيء تضع عليه خبزك؟ فقال: دعوني فوالله إني لنادم على ما مضى (٢)
أراني في انتقاص كل يوم ولا يبقى مع النقصان شيء
طوى العصران ما نشراه مني فأخَلقَ جدَّتي نشرٌ وطَيُّ (٣)
مواعظ تتسابق وأحداثٌ تتكرر .. وصورٌ من المحافظة على الوقت نراها بين السطور وعلى رسم الحروف ولعله يكون لنا نصيبٌ من قول عمرو بن قيس الملائي: إذا بلغك شيء من الخير فاعمل به ولو مرة تكن من أهله. (٤)
_________________
(١) الإحياء ٤/ ١٣.
(٢) حلية الأولياء ٦/ ١٨٩.
(٣) السير ١٤/ ١٨٦.
(٤) صفة الصفوة ٣/ ١٢٤.
[ ٣٠ ]
فإذا عزم العبد على السفر إلى الله تعالى وإرادته، عَرَضَت له الخوادع والقواطع، فينخدع أولًا بالشهوات والرياسات والملاذ والمناكح والملابس، فإن وقف معها انقطع وإن رفضها ولم يقف معها وصدق في طلبه ابُتلي بوطء عقبه (١) وتقبيل يده والتوسعة له في المجلس والإشارة إليه بالدعاء ورجاء بركته، ونحو ذلك.
فإن وقف معه انقطع به عن الله وكان حظه منه، وإن قطعه ولم يقف معه ابتلي بالكرامات والكشوفات، فإن وقف معها انقطع بها عن الله وكانت حظَّه، وإن لم يقف معها ابتلي بالكرامات والكشوفات، فإن وقف معها انقطع بالتجريد والتخلي ولذة الجمعية وعزة الوحدة والفراغ من الدنيا، فإن وقف مع ذلك انقطع به عن المقصود، وإن لم يقف معه وسار ناظرًا إلى مراد الله منه وما يحبه منه بحيث يكون عبده الموقوف على محابَّه ومراضيه أين كانت وكيف كانت؟ تعب بها أو استراح، تنعَّم أو تألم، أخرجته إلى الناس أو عزلته عنهم، لا يختار لنفسه غير ما يختاره له وليّه وسيّده، واقف مع أمره ينفذه بحسب الإمكان، ونفسه عنده أهون عليه أن يقدم راحتها ولذتها على مرضاة سيده وأمره، فهذا هو العبد الذي قد وصل ونفذ ولم يقطعه عن سيده شيء ألبته (٢)
ولقد منَّ الله على الكثير بالمحافظة على الأوقات والاستفادة
_________________
(١) أي بالسير خلفه.
(٢) الفوائد لابن القيم ٢٢٣.
[ ٣١ ]
منها في القيام بالطاعات هذا سفيان يحدثنا عن عمرو بن قيس فيقول ..
عمرو بن قيس هو الذي أدبني، علمّني قراءة القرآن وعلمني الفرائض وكنت أطلبه في سوقه فإن لم أجده في سوقه وجدته في بيته إما يصلي وإما يقرأ في المصحف، كأنه يبادر أمورًا تفوته، فإن لم أجده في بيته وجدته في بعض مساجد الكوفة في زاوية من زوايا المسجد كأنه سارق قاعدًا يبكي، فإن لم أجده وجدته في المقبره قاعدًا ينوح على نفسه (١)
ولا أؤخر شغل اليوم عن كسلٍ إلى غدٍ إن يوم العاجزين غدُ (٢)
كان عمرو بن دينار قد جزأ الليل ثلاثة أجزاء، ثلثًا ينام، وثلثًا يدرس الحديث، وثلثًا يصلي (٣)
الحال اليوم تبدلت والأمور تغيرت .. هناك عزم وهمة ولكن وراء الدنيا .. خوفٌ على فواتها وسعي لإدراكها وهلع على نقصانها .. أما الآخرة فلا ينظر إليها بعين .. ولا يرمى لها بسهم كأن محمد بن المبارك يرى حالنا وهو يقول .. تخاف أن يفوتك عند البقال من قطعتك، تبادر إليه وتبكر عليه، ولا تخاف أن يفوتك من
_________________
(١) صفة الصفوة ٣/ ١٢٥.
(٢) الوقت للقرضاوي ١٣.
(٣) السير ٥/ ٣٠٢.
[ ٣٢ ]