أتاك حديث لا يُمل سماعه شهيٌ إلينا نثره ونظامه
إذا ذكرته النفس زال عناؤها وزال عن القلب المعنَّى ظلامه
إن صحبة الأخيار ومجالسة الصالحين وسماع أخبارهم تغرس في النفس حب الخير والرغبة في مجاراتهم والوصول إلى ما وصلوا إليه من الطاعة والعبادة.
فإن النفس تحتاج إلى تذكير وترغيب خاصة في زمن طول الأمل واللهث وراء الدنيا .. لنعتبر ونتأمل في قصة معروف الكرخي عندما أقام الصلاة فقال لرجل: تقدم فصل بنا، فقال الرجل: إن صليت بكم هذه الصلاة لم أصل بكم غيرها.
فقال له معروف: وأنت تحدث نفسك أنك تصلي صلاة أخرى، نعوذ بالله من طول الأمل فإنه يمنع خير العمل (١)
أخي الحبيب .. أين نحن من هؤلاء؟
إن الأمل باب التسويف ومدعاةٌ لضياع الوقت.
والوقت أنفس ما عنيت بحفظه وأراه أسهل ما عليك يضيعُ
ومن حسن التربية تعويد الأبناء على الاستفادة من الأوقات وعمارها بما هو مفيد حتى يتعودوا على ذلك من الصغر قال عبد الله بن عبد الملك ﵀: كنا مع أبينا في موكبه فقال: سبحوا حتى تلك الشجرة، فُنسبح حتى نأتيها، فإذا رفعت لنا شجرة أخرى قال:
_________________
(١) جامع العلوم والحكم ٢٤٦، وحلية الأولياء ٨/ ٣٦٢.
[ ٣٩ ]
كبروا حتى تلك الشجرة، فكان يصنع بنا ذلك ..
أما معشر الشباب وما يراد منهم فإن الحسن قد سأل ذات يوم جلساءه: يا معشر الشيوخ ماذا ينتظر بالزرع إذا بلغ؟ قالوا: الحصاد.
قال: يا معشر الشباب إن الزرع قد تدركه العاهة قبل أن يبلغ. (١)
واجتهد أبو موسى الأشعري قبل موته اجتهادًا شديدًا فقيل له: لو أمسكت ورفقت بنفسك؟ قال: إن الخيل إذا أرسلت فقاربت رأس مجراها، أخرجت جميع ما عندها، والذي بقي من أجلي أقل من ذلك.
وما المرء إلا راكبٌ ظهر عمره على سفرٍ يطويه باليوم والشهر
يبيت ويضحى كل يوم وليلة بعيدًا عن الدنيا قريبًامن القبر
عن أنس بن عياض قال: رأيت صفوان بن سليم ولو قيل له: غدًا يوم القيامة .. ما كان عنده مزيد على ما هو عليه من العبادة. (٢)
وقيل لحامد اللفاف: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت اشتهي عافية يومٍ إلى الليل، فقيل له: ألست في عافية في كل الأيام؟ فقال:
_________________
(١) الزهد للبيهقي ٢٠١.
(٢) السير ٥/ ٣٦٦.
[ ٤٠ ]
العافية يومٌ لا أعصي الله تعالى فيه (١)
أخي المسلم ..
إن وقت الإنسان هو عمره في الحقيقة، وهومادة حياته الإبدية في النعيم المقيم، ومادة معيشته الضنك في العذاب الأليم، وهو يمر مر السحاب، فما كان من وقته لله وبالله فهو حياته وعمره، وغير ذلك ليس محسوبًا من حياته وإن عاش فيه عيش البهائم، فإذا قطع وقته في الغفلة والسهو والأماني الباطلة، وكان خير ما قطعه به النوم والبطالة، فموت هذا خير له من حياته. (٢)
قال رجل من أهل داود الطائي قلت له يومًا يا أبا سليمان قد عرفت الرحم بيننا فأوصني قال: فدمعت عيناه، ثم قال لي: يا أخي إنما الليل والنهار مراحل تنزل بالناس مرحلة مرحلة، حتى تنتهي بهم ذلك إلى آخر سفرهم فإن استطعت أن تُقدم في كل ليل يوم مرحلة زادًا لما بين يديه فافعل، فإن انقطاع السفر عن قريب ما هو والأمر أعجل من ذلك، فتزود لسفرك واقض ما أنت قاض من أمرك، فكأنك بالأمر قد بغتك، إني لأقول ذلك وما أعلم أحدًا أشد تضييعًا مني لذلك، ثم قام (٣)
هاذي منازل أقوام عهدتهم في رغد عيش رغيب ماله خطر
_________________
(١) الإحياء ٢/ ٢٥١.
(٢) الجواب الكافي ١٨٤.
(٣) حلية الأولياء ٧/ ٣٤٥، وصفة الصفوة ٣/ ١٣٨.
[ ٤١ ]
إلى القبور فلا عينٌ ولا أثر (١)
صاحت بهم نائبات الدهر فانقلبوا
قال يحي بن معاذ: لست أبكي على نفسي إن ماتت، إنما أبكي على حاجتي إن فاتت (٢)
وكيف لا تفوت حاجته والأيام والليالي مطايا تسير به، وإن لم يسر وتطوى به مراحل العمر وإن لم يترك مكانه ..
وما هذه الأيام إلا مراحل يحثّ بها داع إلى الموت قاصد
وأعجب شيءٍ لو تأملت أنها منازل تطوى والمسافر قاعد (٣)
قال بلال بن سعد .. عباد الله، اعلموا أنكم تعملون في أيام قصار لأيام طوال وفي دار زوال لدار مُقام، وفي دار نصبٍ وحزن لدار نعيمٍ وخُلد (٤)
لعمرك ما الأيام إلا مُعارةٌ فما استطعت من معروفها فتزود (٥)
ولأن أيام التزود قليلة ورحلة الدنيا قصيرة فإن المغبون من أضحى يومه في نقصان ومر عمره في خسران
كما قال أبو سليمان الداراني .. من كان يومه مثل أمسه فهو
_________________
(١) الزهد للبيهقي ٢٥٧.
(٢) السير ١٣/ ١٥.
(٣) جامع العلوم والحكم ٤٦٤.
(٤) صفة الصفوة ٤/ ٢١٩.
(٥) مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا ١١.
[ ٤٢ ]
في نقصان (١). لأن كل يوم يزول يدني من الموت .. فيجب أن يحرص المسلم على يومه ويسرع الخطى فيما بقي من أجله.
فيا أخي .. فقدنا من هم في أعمارنا منذ أعوام .. أُمهلنا هذه السنوات .. ماذا قدمنا فيها وماذا جمعنا فيها؟ .. إنها أعمار تجري ولحظات تسير .. وسنتوقف لحظة عن الدنيا ونبدأ بمغادرتها والرحيل منها .. يبقى السؤال ماذا قدمنا لدارنا الأخرة؟ وكيف استفدنا من أيامنا؟ وهي أيام ثلاثة كما قال عنها ..
السري بن المفلس .. أمس أجل واليوم عمل وغدًا أمل (٢) من كانت أيامه ثلاثة: أمس لا يدري ما رفع من عمله .. ما تقبل منه وما رُّد .. ويومٌ هو سارحٌ فيه لايعلم هل يتمه أم يوسد قبره في آخره .. أما غدًا فأمل ربما لا يرى شعاع شمسه ولا ضوء نهاره ..
كان يزيد الرقاشي يقول لنفسه .. ويحك يا يزيد .. من ذا الذى يصلي عنك بعد الموت؟ من ذا الذي يصوم عنك بعدالموت؟ من ذا الذي يُرضي ربك بعد الموت؟ ثم يقول: أيها الناس، ألا تبكون وتنوحون على أنفسكم باقي حياتكم؟ . ويامن الموت موعده والقبر بيته، والثرى فراشه والدود أنيسه، وهو مع هذا ينتظر الفزع الأكبر كيف تكون حاله؟ (٣)
_________________
(١) صفة الصفوة ٤/ ٢٣٠.
(٢) صفة الصفوة ٢/ ٣٨٣.
(٣) العاقبة ٤٠.
[ ٤٣ ]
أخي الحبيب ..
نسير إلى الآجال في كل لحظةٍ وأيامنا تطوى وهنَّ مراحل
ولم أر مثل الموت حقًّا كأنه إذا ما تخطته الأماني باطل
وما أقبح التفريط في زمن الصبا فكيف به والشيب للرأس شاعل
أخي ..
ترحل من الدنيا بزاد من التقى فعمرك أيام وهنَّ قلائل (١)
لنر حال عامر بن عبد قيس وهو ينادي .. من أُقرئ، فيأتيه ناس، فيقرئهم القرآن، ثم يقرئ الناس إلى المغرب، ثم يصلي ما بين العشاء، ثم ينصرف إلى منزله، فيأكل رغيفًا وينام نومة خفيفة.
ثم يقوم لصلاته ثم يتسحر رغيفًا ويخرج .. (٢)
أما أوقاتنا الضائعة وأيامنا التائهة التى تمر دون فائدة ..
تتواني عن العمل الصالح فيها ونقصر عن الاستفادة منها .. بل ولا نتأسف على ضياعها ولا نغتم بمضيها وزوالها ..
بل ربما نفرح بانقضائها ونبحث عما نقطع به أوقاتنا ونسلي به ساعاتنا .. حالنا كحال من لا يعرف ثمن وقته ولا جوهر زمنه .. أما من سبقنا فقد وضعوا للأمر موازينه وللرحيل عدته ..
هذا إبراهيم بن أدهم يأخذنا إلى بعض إخوانه عندما عاده في مرضه .. فجعل يتنفس ويتأسف، فقال له إبراهيم بن أدهم .. على
_________________
(١) جامع العلوم والحكم ٤٦٤.
(٢) السير ٤/ ١٥.
[ ٤٤ ]
ماذا تتنفس وتتأسف؟ فقال: ما تأسفي على البقاء في الدنيا، ولكن تأسفي على ليلة نمتها، ويوم أفطرته، وساعةٌ غفلت فيها عن ذكر الله تعالى، وقيل لأبي مسلم الخولاني حين كبر ورق .. لو قصرت عن بعض ما تصنع، فقال: أرأيتم لو أرسلتم الخيل في الحلبة، ألستم تقولون لفارسها .. دعها وارفق بها حتى إذا رأيتم الغاية لم تستبقوا منها شيئًا؟ وغاية كل ساعة الموت فسابق ومسبوق (١).
ما أكثر الذين يأخذون من التسويف شعارًا، يمكنونه من قلوبهم، حتى تقطعت آمال وانقطعت آجال .. فإن يوم العاجزين غَدٌ، وصاحب الهمة لايعرف يوم العاجزين، لأن الحقوق مرتبطة بزمانها، والواجبات أكثر من الأوقات، والتسويف تفويت لحق لزمه، وتضييع لواجب غده.
اعلم أن من له أخوان غائبان، وينتظر قدوم أحدهما في غدٍ، وينتظر قدوم الآخر بعد شهر أو سنة فلا يستعد للذي يقدم إلى شهر أو سنة، وإنما يستعد للذى ينتظر قدومه غدًا، فالاستعداد نتيجة قرب الانتظار، فمن انتظر مجيء الموت بعد سنة اشتغل بالمدة ونسي ماوراء المدة. ثم يصبح كل يوم وهو منتظر للسنة بكمالها لاينقص منها اليوم الذي مضى، وذلك يمنعه من مبادرة العمل أبدًا فإنه أبدًا يرى لنفسه متسعًا في تلك السنة فيؤخر العمل (٢)
_________________
(١) صفة الصفوة ٤/ ٢٠٩.
(٢) سوانح وتأملات ٤٦.
[ ٤٥ ]