للأخوة في الإسلام معنى عظيم، وهي قربة إلى الله ﷿ وطاعة له، فمحبة المؤمنين ومودتهم ونصرتهم ومؤازرتهم ومواساتهم، كلها ولاء لهم وهي من أعظم أبواب العقيدة.
وحين اختلط الحابل بالنابل وضعفت الأخوة في الله، وانتشرت بين الناس الأنانية وحب الذات، ننطلق لنجول في سكك المدينة ونطلع على حال الصفوة من الرجال الأفذاذ.
قال عبد الرحمن بن عوف ﵁: لما قدمنا المدينة آخى رسول الله - ﷺ - بيني وبين سعد بن الربيع.
فقال سعد بن الربيع: إني أكثر الأنصار مالا، فأقسم لك نصف مالي، وانظر أي زوجتي هويت نزلت لك عنها فإذا حلت تزوجتها.
فقال له عبد الرحمن: لا حاجة لي في ذلك، هل سوق فيه تجارة؟
قال: سوق قينقاع.
والقصة فيها فوائد عجيبة أولها: أن سعد بن الربيع ﵁ لم يتعذر بقلة مال أو نفقة، إنما بادر وقال: أنا أكثر الأنصار مالا وهو بهذا يعرض ماله كله دون مواربة ولا خداع، بل محبة ورغبة في نفع أخيه، بل لم يعرض ويقل: إني ذو مال ويسكت، بل ذكر سعة المال وكثرته.
[ ٤٨ ]
وهو ﵁ يبادر ويقول: فأقسم لك نصف مالي .. لم يعرض عليه قرضا حسنا ولم يجعل في يده دنانير ولم يقل أدلك على فلان إنها نفس جبلت على الأخوة الصادقة والرغبة في العطاء.
هذا في شأن المال! أما في شأن الزوجة فالأمر قطعة من محبته لكنه قدم محبة الله ﷿ فنعمت الأخوة يوم كانت مثل ذلك .. ونعمت الأخوة وعزة النفس وعدم التطلع لأموال الغير فقد سارع عبد الرحمن ليكون صورة للمؤمن العامل الذي يبحث عن الرزق الحلال دون مضايقة لأحد .. فقال: دلني على السوق!
[ ٤٩ ]