في زمن كثر فيه المخالفون وزاد عدد المجادلون حتى فتن كثير من الرعاع وتساهلوا بأمر الدين وساروا خلف كل ناعق فغزت قلوبهم الشبهات، وحركت جوارحهم الشهوات، فأصبح اسم الإسلام كسيرًا في نفوسهم ذليلًا في ديارهم يبحثون فيه عما يوافق هواهم ويجرون فيه خلف كل زلة، انطلق بنا لنرى صورًا مذهلة في مدينة الرسول - ﷺ - وكيف هو أمر التسليم والرضا والمتابعة دون تراجع ولا شك، ولا تأخر ولا تردد.
عن البراء ﵁ قال: لما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة صلى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا، وكان يحب أن يوجه إلى الكعبة فأنزل الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: ١٤٤] فوجه نحو الكعبة وصلى معه رجل العصر، ثم خرج فمر على قوم من الأنصار فقال: هو يشهد أنه صلى مع النبي - ﷺ - وأنه قد وجه إلى الكعبة، فانحرفوا وهم ركوع في صلاة العصر (١).
ما أسرع تأسيهم وامتثالهم لأمر الرسول - ﷺ - سمعوا خبرا عنه - ﷺ - فلم يترددوا في التمسك به بل لم ينتظروا رفع رءوسهم من الركوع، وبادروا بالتوجه إلى حيث توجه النبي والقدوة - ﷺ - إلى الكعبة المشرفة وهم ركوع.
_________________
(١) رواه البخاري.
[ ٩ ]
وهذا موقف آخر من مواقف التسليم والرضى، لما حرمت الخمر والناس جياع والقدور تغلي.، . ماذا كان الجواب؟ .
عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله - ﷺ - جاءه جائ فقال: "أكلت الحمر" فسكت، ثم أتاه الثانية فقال: "أكلت الحمر" فسكت، ثم أتاه الثالثة فقال: "أفنيت الحمر".
فأمر مناديا فنادى في الناس: "إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية".
فأكفئت القدور وأنها لتفور باللحم (١).
لم يفكر أولئك الأخيار المحبون المتبعون للحبيب الكريم - ﷺ - في التحايل أو البحث عن فرصة أو استثناء خاصة والجوع يطوي البطون والطعام قارب الاستواء والنضج، وكيف يمكن ذلك وقد كانوا يدركون تمام الإدراك أن من الأمور الأساسية في الحب أن يكون هوى المحب تابعا لأمر الحبيب.
مواقف الطاعة والانقياد لهذا الدين كثيرة متعددة تبرهن بصدق عن عمق الإيمان وصدق الإسلام في النفوس.
عن أنس ﵁ قال: كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة ﵁ وكان خمرهم يومئذ الفضيح، فأمر رسول الله - ﷺ - مناديا ينادي: "ألا إن الخمر قد حرمت".
قال: فقال لي أبو طلحة: "اخرج فأهرقها".
_________________
(١) رواه البخاري.
[ ١٠ ]
فخرجت فهرقتها، فجرت في سكك المدينة (١).
يقول الحافظ ابن حجر: وفيه إشارة إلى توارد من كانت عنده من المسلمين على إراقتها حتى جرت في الأزفة من كثرتها (٢).
وتم هذا كله من غير قيل وقال، وتردد واستفسار، فقد روى الإمام البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: "فإني لقائم أسقي أبا طلحة وفلانا وفلانا إذ جاء رجل فقال: "وهل بلغكم الخبر؟ ".
فقالوا: "وما ذاك؟ ".
قال: "حرمت الخمر".
قالوا: "أهرق هذه القلال يا أنس".
قال: "فما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل" (٣).
يا له من استسلام مطلق، وانقياد كامل!
وإن تحاورت اليوم مع مدخن، أو مقيم على معصية سألك: أنا مدمن منذ سنوات وكيف أتركه؟ أفارق الأمر وكيف، وإن تأملت الأمر رأيت مجانبة الآية لواقع حياتهم وطريقة تفكيرهم ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١].
_________________
(١) رواه البخاري.
(٢) فتح الباري (١٠/ ٣٩).
(٣) رواه البخاري.
[ ١١ ]
والبعض اليوم إذا أخذت بمجامع عقله وقلبه وقلت له: إن الشاشة وما يعرض فيها حرام؟ قال: نعم لكن ما البديل؟
عجبا لحفيد أولئك أين الطاعة والاستسلام؟ وهل يشترط بديل لتطيع وتبتعد عن الحرام؟
للنطلق إلى قلوبنا فنصلحها، وأنفسنا فنزكيها، وعندها نعرف لذة الطاعة ونعيم القبول، والرضا بأمر الله ﷿ وحكمه ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢].
[ ١٢ ]