قال رسول الله ﷺ: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" (١) .
وقال: "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه" (٢) .
وقال: "المسلمون كرجل واحد، إذا اشتكى رأسه، تداعى بقيّة جسده بالحمّى السهر" (٣) .
وقال رسول الله ﷺ: "من سرّه أن يسلم فليلزم الصمت".
وقال معاذ ﵁ لرسول الله ﷺ: يا رسول الله، أنؤاخذ بما نقول؟ فقال: "ثكلتك أمك يا ابن جبل، وهل يكبّ الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟! " (٤) .
وقيل لعيسى ﵇: دلنا على عمل ندخل به الجنة، قال: فلا تنطقوا أبدا.
قالوا: لا بدّ لنا من ذلك. قال: فلا تنطقوا إلا بخير.
وقال ﷺ: "اخزن لسانك إلا من خير، فانك بذلك تغلب الشيطان" (٥) .
وقال ﷺ: "إن الله تعالى عند كل لسان ناطق، فليتق الله امرؤ علم ما يقول" (٦) .
وقال ﷺ: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت" (٧) .
_________________
(١) مسلم ٤٠.
(٢) مسلم ٢٥٨٠.
(٣) البخاري ٦٠١١، ومسلم ٢٥٨٦.
(٤) الترمذي ٢٦١٦. حديث حسن.
(٥) رواه ابن أبي الدنيا في الصمت بإسناد حسن.
(٦) رواه ابن المبارك في الزهد.
(٧) مسلم ٤٨.
[ ١٣٨ ]
وقال ﷺ: "رحم الله عبدا قال خيرا أو صمت" (١) .
وقال ﷺ: "إن أكثر خطايا ابن آدم في لسانه" (٢) .
وقال ﷺ: "لسان العاقل من وراء قلبه، فإذا أراد الكلام رجع إلى قلبه، فان كان له تكلم، وإن كان عليه امسك، وقلب الجاهل من وراء لسانه، فهو يتكلم بكلّ ما عرض له".
وقال ﷺ: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى، ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم القيامة" (٣) .
وقال ﷺ: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يلقي لها بالا يهوي بها في نار جهنم، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يلقي لها بالا يرفعه الله بها إلى الجنة" (٤) .
وإيّاك يا أخي، والعجب، فانه مذموم كيف كان: بالنفس أو بالفعل أو بالقول، ولا تغترّ بفعلك ولا بقولك، فإن الله تعالى يقول: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ . النجم ٣٢.
وقال ﷺ: "ثلاث مهلكات: شحّ مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه" (٥) .
وقال ﷺ: "لو لم تذنبوا، لخشيت عليكم ما هو أشد من الذنب، وهو العجب" (٦) .
وقيل لعائشة ﵂: متى يكون الرجل مسيئا؟ قالت: إذا ظنّ أنه محسن.
وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: الهلاك في اثنتين القنوط والعجب.
_________________
(١) رواه الطبراني. في المعجم الكبير، وحسنه الألباني.
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في الصمت.
(٣) الترمذي٢٣٢٠، وابن ماجه ٣٩٦٩.
(٤) رواه البخاري.
(٥) حسنه الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب.
(٦) انظر: الترغيب والترهيب.
[ ١٣٩ ]
وإنما جمع بينهما، لأن القانط لا يطلب السعادة لقنوطه، وإن المعجب لا يطلبها لظنه أنه ظفر بها.
وذكر ابن عباس ﵄ أنه قال يوما: أنا من الراسخين في العلم، وقال يوما: سلوني قبل إن تفقدوني، فلما انصرف إلى منزله، بعث الله ملكا في صورة آدمي، فدق عليه الباب، فخرج إليه عبد الله بن عباس، فقال له الملك: يا ابن عباس: ما تقول في النملة مع صغرها، أين روحها في مقدّمها، أو في مؤخرها؟ فلم يجد جوابا فدخل منزله، وأغلق بابه، وآلى على نفسه أن لا يدّعي علما أبدا.
قال الله تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ يوسف ٧٦.
وذكر أنه حضر بعض النحويين في مجلس ابن شمعون الوعظ، وكان من الزهاد، فكأن النحويّ أخذ على الشيخ لحنا في لسانه، وغلظا في كلامه، فانقطع عنه النحويّ، ولم يأت إلى مجلسه، فكتب إليه ابن شمعون: أراك من الإعجاب رضيت أن تقف دون الباب، أما سمعت رسالة بعض العارفين إلى بعض المتأدبين. كتب إليه: من اعتمد على ضبط أقواله، لحن في أفعاله، انك رفعت وخفضت وجزمت وتهت وانقطعت.
ألا رفعت إلى الله جميع الحاجات؟ إلا خفضت صوتك عن المنكرات؟ إلا نصبت بين عينيك ميزان الممات، أما علمت أنه لا يقال غدا لعبد: لم لم تكن معربا وإنما يقال له: لم كنت مذنبا.
يا هذا، ليس المرغوب الفصاحة في المقال، وإنما المرغوب الفصاحة في الفعال. ولو كانت الفصاحة محمودة في المقال دون الفعال، لكان هارون أولى بالرسالة من موسى ﵉، قال الله تعالى إخبارا عن قول موسى: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ القصص ٣٤. فجعلت الرسالة لموسى لفصاحة أفعاله، والله أعلم حيث يجعل رسالته.
[ ١٤٠ ]
وأنشدوا:
ولاحن في الفعال ذو زلل حتى إذا جاء قوله وزنه
قال وقد أكسبه لفظه تيها وعجبا أخطأن يا لحنه
قلت أخطأ الذي يقوم غدا ولا يرى في كتابه حسنه
روي أن رجلا نظر إلى بشر بن منصور السليمي رضي الله تعالى عنه وهو يطيل الصلاة، ويحسن العبادة، فلما فرغ قال له: لا يغرّنك ما رأيت مني، فان إبليس، لعنه الله، عبد الله آلافا من السنين ثم صار إلى ما صار إليه.
فمن سعادة المرء أن يقرّ على نفسه بالعجز والتقصير في جميع أفعاله وأقواله.
قيل المهلكات أربع هي: أنا، ونحن، ولي، وعندي.
قال رسول الله ﷺ: "النادم على الذنب كمن لا ذنب له" (١)،
" النادم ينتظر الرحمة، والمعجب ينتظر المقت من الله تعالى" (٢) .
قال أبو الدرادء ﵁: إن ناقدت الناس ناقدوك، وإن تركتهم لم يتركوك، وإن هربت منهم أدركوك، فالعاقل من وهب نفسه وعرضه ليوم فقره، وما تجرّع مؤمن أحب إلى الله ﷿ من غيظ كظمه، فاعفوا يعزكم الله، وإياكم ودمعة اليتيم، ودعوة المظلوم، فانها تسري بالليل والناس نيام.
وقال عبد الله بن مسعود ﵁: أعظم الخطايا الكذب، وسب المؤمن فسوق، وقتاله كفر، وحرمة ماله كحرمة دمه، ومن يعف يعف الله عنه، ومن يكظم الغيظ يأجره الله ومن يغفر، يغفر الله له، ومن يصبر على الرزيّة يعقبه الله خيرا منها.
وعن عبد الله بن عباس ﵄ أنه قال: لما أخذ موسى ﵇ الألواح، نظر فيها، وقال: الهي، أكرمتني بكرامة لم تكرم بها أحدا من قبلي، فأوحى الله تعالى إليه: أتدري لما فعلت ذلك بك؟ قال: لا. قال: نظرت إلى قلوب عبادي،
_________________
(١) رواه ابن ماجه ٤٢٥٠. حديث حسن.
(٢) رواه الطبراني وقال ابن عدي: منكر.
[ ١٤١ ]
فلم أجد قلبا أشد تواضعا من قلبك، فلذلك: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ الأعراف ١٤٤.
يا موسى: إنما أقبل من تواضعي لعظمتي، ولم يتعاظم على خلقي، وألزم قلبه خوفي، وقطع نهاره بذكري، وكفّ لسانه عن الشهوات لأجلي.
وقال رسول الله ﷺ: "ما من جرعة أحب إلى الله تعالى من جرعة غيظ كظمها رجل، ومن كظم غيظا هو قادر على إنفاذه، ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا".
وحكي أن غلاما لجعفر الصادق ﵁ سكب على يده الماء في الطشت، فطار الماء على ثوبه، فنظر إليه جعفر نظرة منكرة، فقال العبد: يا مولاي: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ قال: كظمت غيظي. قال الغلام: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ قال عفوت عنك. قال الغلام: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ آل عمران ١٣٤، قال اذهب، أنت حرّ لوجه الله تعالى، ولك من مالي ألف دينار.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله، إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مفطرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخالطون، وبخشوعه إذا الناس يختالون، وينبغي لحامل القرآن أن يكون باكيا محزونا، حليما سكوتا، ولا ينبغي لحامل القرآن أن يكون جافيا، ولا غافلا، ولا سخابا، ولا صيّاحا، لا حديدا، ولا منزعجا.
قال بعض الزاهدين: اغتنموا من زمانكم خمسا: إن حضرتم لم تعرفوا، وإن غبتم لم تفقدوا، وإن شهدتم لم تشاوروا، وإن قلتم شيئا لم يقبل قولكم، وإن عملتم شيئا لم تغبطوا به. وأوصيكم بخمس أيضا: إن ظلمتم لم تظلموا، وإن مدحتم لم تفرحوا، وإن ذممتم لم تجزعوا، وإن كذبتم لم تغضبوا، وإن خانوكم فلا تحزنوا.
**
[ ١٤٢ ]