آداب الاستعداد لسائر الصلوات ينبغي أن تستعد لصلاة الظهر قبل الزوال، فتقدم الفيلولة إن كان بك قيام في الليل، أو سهر في الخير؛ فإن فيها معونة على قيام الليل، كما أن في السحور معونة على صيام النهار، والقيلولة من غير قيام بالليل كالسحور من غير صيام بالنهار.
فإذا قلت، فاجتهد أن تستيقظ قبل الزوال، وتتوضأ وتحضر المسجد، وتصلي تحية المسجد، وتنتظر المؤذن فتجيبه، ثم تقوم فتصلي أربع ركعات عقب الزوال، كان رسول الله ﷺ يطولهن ويقول: (هذا وقت تفتح فيه أبواب السماء، فأحب أن يرفع لي فيه عمل صالح) . وهذه الأربع قبل الظهر سنة مؤكدة؛ ففي الخبر: (من صلاهن فأحسن ركوعهن وسجودهنن صلى معه سبعون ألف ملك يستغفرون له إلى الليل) .
ثم صل الفرض مع الإمام ثم صل بعد الفرض ركعتين؛ فهما من الرواتب الثابتة.
ثم صل الفرض مع الإمام، ثم صل بعد الفرض ركعتين فهما من الرواتب الثابتة.
ولا تشتغل إلى العصر إلا بتعلم علم أو إعانة مسلم، أو قراءة قرآن أو سعي في معاش لتستعين به على دينك، ثم صل أربع ركعات قبل العصر؛ فهي سنة مؤكدة؛ فقد قال رسول الله ﷺ: (رحم الله امرأ صلى أربعا قبل العصر) فاجتهد أن ينالك دعاؤه ﷺ.
ولا تشتغل بعد العصر إلا بمثل ما سبق قبله، ولا ينبغي أن تكون اوقاتك مهملة فتشتغل في كل وقت بما اتفق كيف اتفق، بل ينبغي أن حاسب نفسك وترب أورادك في ليلك ونهارك، وتعين لكل وقت شغلا لا تتعداه، ولا تؤثر فيه سواه فبذلك تظهر بركة الأوقات. فأما إذا تركت نفسك سدى مهملا إهمال البهائم لا تدري بماذا تشتغل في كل وقت، فينقضي أكثر أوقاتك ضائعا، وأوقاتك عمرك، وعمرك رأس مالك، وعليه تجارتك، وبه وصولك إلى نعيم دار الأبد نفي جوار الله تعالى؛ فكل نفس من أنفاسك جوهرة لا قيمة لها؛ ن إذ لا بدل له فإذا فات فلا عود له. فلا تكن كالحمقى المغرورين الذين يفرحون كل يوم بزيادة أموالهم مع نقصان أعمارهم، فأي خير في مال يزيد وعمر ينقص! ولا تفرح إلا بزيادة علم أو عمل صالح؛ ن فإنهما رفيقاك
[ ٤١ ]
يصحبانك في القبر حيث يتخلف عنك أهلك ومالك، وولدك، وأصدقاؤك.
ثم إذا اصفرت الشمس، فاجتهد أن تعود إلى المسجد قبل الغروب، وتشتغل بالتسبيح والاستغفار؛ فإن فضل هذا الوقت كفضل ما قبل الطلوع، قال الله تعالى: (وَسَبِح بِحَمدِ رَبِك قَبلَ طُلوع الشَمس وَقَبلَ غُروبِها) .
واقرأ قبل غروب الشمس أربع سور من القرآن هي: والشمس وضحاها والليل إذا يغشى، والمعوذتين.
ولتغرب عليك الشمس وأنت في الاستغفار، فإذا سمعت الأذان فاجبه، وقل بعده: اللهم إني أسألك عند إقبال ليلك، وإدبارك نهارك، وحضور صلاتك، وأصوات دعاتك: أن تؤتي محمد الوسيلة - الدعاء كما سبق.
ثم صل الفرض بعد جواب المؤذن والاقامة، وصل بعده قبل أن تتكلم ركعتين، فهما راتبتا المغرب وإن صليت بعدهما أربعا تطيلهن، فهن أيضا سنة.
وإن أمكنك أن تنوي الاعتكاف إلى العشاء، وتحيى ما بين العشاءين بالصلاة فافعل، فقد ورد في فضل ذلك ما لا يحصى، وهي ناشئة الليل؛ لأنه أول نشأه، وهي صلاة الأوابين، وسئل رسول الله ﷺ عن قوله تعالى: (تَتَجافى جُنوبُهُم عَنِ المَضاجِع) ن فقال: (هي الصلاة ما بين العشاءين؛ فإنها تذهب بملاغات النهار) .
والملاغات دخل وقت العشاء، فصل أربع ركعات قبل الفرض إحياء لما بني الأذانين ففضل ذلك كثير وفي الخبر: (أن الدعاء بين الأذان والاقامة لا يرد) .
ثم صل الفرض وصل الراتبة ركعتين، واقرأ فيهما سورة الم السجدة، وتبارك الملك أو سورة يسس، والدخان فذلك مأثور عن رسول الله ﷺ.
وصل بعدهما أربع ركعات، ففي الخبر ما يدل على عظم فضلهن. ثم صل الوتر بعدها ثلاثا بتسليمتين أو بتسليمة واحدة. وكان رسول الله ﷺ يقرأ فيها سورة سبح اسم ربك الأعلى، وقل يأيها الكافرون، والاخلاص والمعوذتين.
فإن كنت عازما
[ ٤٢ ]
على قيام الليل، فأخر الوتر، ليكون آخر صلاتك وترا.
ثم اشتغل بعد ذلك بمذاكرة علم أو مطالعة كتاب، ولا تشتغل باللهو واللعب فيكبون ذلك خاتمة أعمالك قبل نومك؛ فإنما الأعمال بخواتيمها.