اعلم أن الجمعة عيدي المؤمنين، وهو يوم شريف خص الله عزوجل به هذه الامة، وفيه ساعة مبهمة لا يوافقها عبد مسلم يسال الله تعالى فيها حاجة إلا أعطاه إياها.
فاستعد لهبا من يوم الخميس؛ بتنظيف الثياب، وبكثرة التسبيح والاستغفار عشية الخميس، فإنها ساعة توازى في الفضل ساعة يوم الجمعة.
وانو صوم يوم الجمعة، لكن مع الخميس أو السبت؛ إذ جاء في افراده نهى.
فإذا طلع عليك الصبح، فاغتسل؛ ن (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) أي ثابت مؤكد. ثم تزين بالثياب البيض؛ فإنها أحب الثياب إلى الله تعالى، واستعمل من الطيب أطيب ما عندك، وبالغ في تنظيف بدنك بالحلق والقص
[ ٤٨ ]
والسواك وسائر أنواع النظافة وتطييب الرائحة.
ثم بكر إلى الجامع، واسع إليها على الهينة والسكينة، فقد قال ﷺ: (نمن راح إلى الجمعة في الساعة الاولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة. فإذا خرج الإمام طوت الصحف، ورفعت الاقلام، واجتمعت الملائكة عند المنبر يستمعون الذكر) . ويقال إن الناس في قربهم عند النظر إلى وجه الله تعالى على قدر بكورهم إلى الجمعة.
ثم إذا دخلت الجامع، فاطلب الصف الاول، فإذا اجتمع الناس فلا تتخط رقابهم، ولا تمر بين أيديهم وهم يصلون، واجلس بقرب حائط أو اسطوانة حتى لا يمروا بين يديك، ولا تقعد حتى تصلي التحية، والأحسن ان تصلي أربع ركعات، تقرأ في كل ركعة بعد الفاتحة الاخلاص خمسين مرة، ففي الخبر: (أن من فعل ذلك لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة أو يرى له) . ولا تترك التحية وإن كان الإمام يخطب.
ويستحب في هذا اليوم أو في ليلته أن يصلى أربع ركعات بأربع سور: سورة الانعام، والكهف، وطه، ويس، فإن لم تقدر فسورة يس والدخان، و(الم) السجدة، وسورة الملك. ولا تدع قراءة هذه السورة ليلة الجمعة؛ ففيها فضل كثير. ومن لم يحسن ذلك فليكثر من قراءة سورة الاخلاص. وأكثر من الصلاة على رسول الله ﷺ في هذا اليوم خاصة.
ومتى خرج الامام، فاقطع الصلاة والكلام، واشتغل بجواب المؤذن ثم استماع الخطبة والاتعاظ بها، ودع الكلام رأسا في الخطبة، ففي الخبر: (ان من قال لصاحبه - والإمام يخب - أنصت، أو صه؛ فقد لغا، نومن لغا فلا جمعة له)، آي لأن قوله أنصت: كلام، فينبغي أن ينهىغيره بالاشارة لا باللفظ.
ثم اقتد بالإمام كما سبق. فإذا فرغت وسلمت، فاقرأ الفاتحة قبل أن تتكلم سبع مرات، والاخلاص سبعا، والمعوذتين سبعا سبعا، فذلك يعصمك من الجمعة الاخرى، ويكون حرزا لك من الشيطان، وقل بعد ذلك: يا غني، يا حميد، يا مبدىء، يا معيد، يا رحيم، يا ودود؛ أغنني بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك. ثم صل بعد الجمعة ركعتين أو أربعا أو ستا، مثنى، مثنى، فكل ذلك مروي عن رسول الله ﷺ في أحوال مختلفة.
ثم لازم المسجد إلى المغرب أو إلى العصر، وكان حسن المراقبة للساعة الشريفة؛ فإنها مبهمة في جميع اليوم، فعساك أن تدركها وأنت خاشع لله تعالى متذلل متضرع.
ولا تحضر في الجامع مجالس الحلق، ولا مجالس
[ ٤٩ ]
القصاص، بل مجلس العلم النافع، وهو الذي يزيد في خوفك من الله تعالى، وينقص من رغبتك في الدنيا، فكل علم لا يدعوك من الدنيا إلى الآخرة فالجهل أعود عليك منه؛ فاستعذ بالله من علم لا ينفع.
وأكثر من الدعاء عند طلوع الشمس، وعند الزوال، وعند الغروب، وعند الإقامة، وعند صعود الخطيب المنبر، وعند قيام الناس إلى الصلاة، فيوشك أن يكون الساعة الشريفة في بعض هذه الاوقات.
واجتهد أن تتصدق في هذا اليوم بما تقدر عليه وإن قل، فتجمع بين الصلاة والصوم والصدقة والقراءة والذكر والاعتكاف والرباط.
واجعل هذا اليوم من الاسبوع خاصة لآخرتك؛ فعساه أن يكون كفارة لبقية الاسبوع.