والدان؟» قلت: نعم. قال: «الزمهما؛ فإن الجنة تحت أرجُلِهما» (١).
٦ - دعاء رسول الله - ﷺ - على من لم يبر والديه عند الكبر، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «رَغِمَ أنْفُهُ (٢)، ثم رَغم أنفه، ثم رغم أنفه» قيل: مَنْ يا رسول الله؟ قال: «من أدرك والديه عند الكبر: أحَدَهُما، أو كليهما ثم لم يدخل
_________________
(١) الطبراني في الكبير برقم ٢٢٠٢، (٢/ ١٨٩)، قال المنذري في الترغيب (٣/ ٢٨٥): رواه الطبراني بإسناد جيد، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٦٥٠): «حسن صحيح».
(٢) رغم أنفه: أي لصق أنفه بالرغام، وهو التراب المختلط برمل. شرح النووي على صحيح مسلم (١٦/ ٣٤٤).
[ ١٤ ]
الجنة» (١). قال الإمام القرطبي ﵀: «وهذا دعاء مؤكد على من قصَّر في بر أبويه، ويحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون معناه: صرعه الله لأنفه فأهلكه، وهذا إنما يكون في حق من لم يقم بما يجب عليه من برهما.
وثانيهما: أن يكون معناه: أذله الله؛ لأن من ألصق أنفه - الذي هو أشرف أعضاء الوجه - بالتراب - الذي هو موطئ الأقدام وأخس الأشياء - فقد انتهى من الذُّل إلى الغاية القصوى، وهذا يصلح أن يدعى به على من فرَّط في متأكدات المندوبات، ويصلح لمن فرط في الواجبات، وهو الظاهر، وتخصيصه عند الكبر بالذكر - وإن كان
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب البر والصلة، باب رغم أنف من أدرك أبويه أو أحدهما عند الكبر فلم يدخل الجنة، (٤/ ١٩٧٨)، برقم ٢٥٥١.
[ ١٥ ]
برهما واجبًا على كل حال - إنما كان ذلك لشدة حاجتهما إليه؛ ولضعفهما عن القيام بكثير من مصالحهما، فيبادر الولد اغتنام فرصة برهما؛ لئلا تفوته بموتهما فيندم على ذلك» (١).
وقد خص الله حالة الكبر للوالدين بمزيد من الأمر بالإحسان، والبر، واللطف، والشفقة والرحمة؛ لأنها الحالة التي يحتاجان فيها إلى بره؛ لتغير الحال عليهما بالضعف، والكبر، فألزم ﷾ في هذه الحالة من مراعاة أحوالهما أكثر مما ألزمه من قبل؛ لأنهما في هذه الحالة قد صارا كلًّا عليه، فيحتاجان أن يلي منهما في الكبر ما كان يحتاج في صغره أن يليا منه؛ ولهذا خص هذه الحالة بالذكر، وأيضًا فطول المكث للمرء يوجب الاستثقال للمرء عادة، ويحصل الملل، ويكثر الضجر، فيظهر غضبه
_________________
(١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٦/ ٥١٨).
[ ١٦ ]
على أبويه، وتنتفخ لهما أوداجه، ويستطيل عليهما لقلة دينه وضعف بصيرته، وأقل المكروه ما يظهر بتنفسه المتردد من الضجر، وقد أمر الله أن يقابلهما بالقول الموصوف بالكرامة وهو السالم عن كل عيب (١)، فقال ﷿: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ (٢). وأمره الله ﷿ أن يتواضع لهما ويخفض لهما جناح الذل من الرحمة احتسابًا للأجر، لا للخوف منهما، وأمره
﷿ أن يدعو لهما بالرحمة: أحياءً، وأمواتًا،
جزاءً على تربيتهم وإحسانهم، فقال ﷿:
﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (٣).
_________________
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٠/ ٢٤٦).
(٢) سورة الإسراء، الآية: ٢٣.
(٣) سورة الإسراء، الآية: ٢٤.
[ ١٧ ]