كان للنبي - تعامل خاص مع القرآن في شهر رمضان، وكان هذا التعامل يفيض على نفسه فيدفع بها إلى أفعال الخير المتنوعة وزيادة في الجود أكثر مما كانت عليه قبل رمضان. وقد عبر عن ذلك ابْن عَبَّاسٍ - ﵁ - فقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ
_________________
(١) تفسير ابن كثير ١/ ٣٢٢.
[ ١٩ ]
رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ - أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ. رواه البخاري.
وزادت هذه المدارسة في العام الذي قبض فيه النبي -، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: كَانَ يَعْرِضُ عَلَى النَّبِيِّ - الْقُرْآنَ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً فَعَرَضَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ فِي الْعَامِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ، وَكَانَ يَعْتَكِفُ كُلَّ عَامٍ عَشْرًا فَاعْتَكَفَ عِشْرِينَ فِي الْعَام الَّذِي قُبِضَ فِيهِ. رواه البخاري.
وهذه المدارسة غير التلاوة المجردة، ففيها مراجعة للحفظ، وهذا يعني أن الحفاظ يغتنمون ليالي رمضان في مراجعة حفظهم بتدارس القرآن مع بعضهم.
وهذا يعني أيضًا أن ليالي رمضان تشغل بتلاوة القرآن، كما كان يفعل جبريل مع النبي -، وقد كانت هذه سنته منذ البعثة، كما قال ابن حجر ﵀ تعليقًا على حديث أبي هريرة السابق، قال: «وهذا ظاهر في أنه كان يلقاه كذلك في كل رمضان منذ أنزل عليه القرآن ولا يختص ذلك برمضانات الهجرة، وإن كان صيام شهر
[ ٢٠ ]
رمضان إنما فرض بعد الهجرة لأنه كان يسمى رمضان قبل أن يفرض صيامه» (١).
ولا يعني شغل الليل بتلاوة القرآن الاقتصار على مراجعة الحفظ، بل يدخل في ذلك تدبر القرآن وفهمه، ولذلك اختار جبريل مدارسة النبي - بالليل، وهذا النوع من المدارسة هو الذي يفضي إلى الازدياد من الخير، قال ابن حجر ﵀: «وفيه أن مداومة التلاوة توجب زيادة الخير وأن المقصود من التلاوة الحضور والفهم، لأن الليل مظنة ذلك لما في النهار من الشواغل والعوارض الدنيوية والدينية» (٢).