يحرص الناس على ختم القرآن في رمضان، وهذا شيء جميل، ولكن الخطأ الذي يقع فيه كثير من المسلمين هو اقتصارهم على الإكثار من الختمات دون مراعاة للفهم، فيتبارى الناس في عدد ختمات القرآن، ولا يتبارون في تدبرهم له.
وقد بلغ النبي - أن عبدالله بن عمرو يقرأ القرآن في ليلة فقال له: «اقْرَا الْقُرْآنَ فِي أَرْبَعِينَ». رواه الترمذي
فلما قال له أنه يطيق أكثر من ذلك وراجع النبي - في المدة قال له -: «اقْرَا الْقُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ». قَالَ: قُلْتُ: إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً. قَالَ: «فَاقْرَاهُ فِي عِشْرِينَ لَيْلَةً». قَالَ: قُلْتُ: إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً. قَالَ: «فَاقْرَاهُ فِي سَبْعٍ وَلا تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ». رواه البخاري ومسلم.
_________________
(١) ابن القيم، زاد المعاد ١/ ٤٨٩.
[ ٢٣ ]
ولما استمر الحوار وقال عبدالله أنه يطيق قراءة القرآن في أقل من ثلاث ليال، قال له النبي -: «لَمْ يَفْقَهْ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلاثٍ». رواه الترمذي.
فالهدف من قراءة القرآن ليس الانتهاء من الختمة، وإنما الهدف من القراءة أن يفقه المسلم ما يقرأ ليهتدي بنور القرآن.
ولذلك أثر عن الصحابة التحذير من الإسراع في القراءة بغير تدبر، فقد جاء في صحيح البخاري أن رجلًا قال عند عبدالله بن مسعود: قَرَاتُ الْمُفَصَّلَ الْبَارِحَةَ. فَقَالَ له عبدالله بن مسعود: هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ، إِنَّا قَدْ سَمِعْنَا الْقِرَاءَةَ وَإِنِّي لأَحْفَظُ الْقُرَنَاءَ الَّتِي كَانَ يَقْرَأُ بِهِنَّ النَّبِيُّ - ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سُورَةً مِنْ الْمُفَصَّلِ وَسُورَتَيْنِ مِنْ آلِ حم. رواه البخاري.
وقال أبو جمرة لابن عباس: إني رجل سريع القراءة، وربما قرأت القرآن في ليلة مرة أو مرتين. فقال ابن عباس: لأن أقرأ سورة واحدة أعجب إلي من أن أفعل مثل الذي
[ ٢٤ ]
تفعل، فإن كنت فاعلًا لابد فاقرأه قراءة تُسمع أذنيك، ويعيه قلبك. رواه البيهقي في السنن.
فالذي يرشد إليه الصحابة هو الانشغال بفهم القرآن وتدبره على الإكثار من القراءة، ولذلك أمرنا ربنا بتدبر القرآن، وتدبره لا يكون بسرعة القراءة وإنما بالتروي والتأمل، قال تعالى: ﴿أَفَلَا الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ لَوَجَدُوا فِيهِ كَثِيرًا﴾ النساء: ٨٢، وقال سبحانه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ محمد: ٢٤.
والخلاصة ما قاله عبدالله بن مسعود - ﵁ -: لا تنثروه نثر الدقل، ولا تهذوه هذ الشعر، قفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا يكن همّ أحدكم آخر السورة. رواه البيهقي في شعب الإيمان.