(التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ الْمُدَاهَنَةُ) مِنْ الدُّهْنِ كَأَنَّ صَاحِبَهَا بِمَنْزِلَتِهِ فِي عَدَمِ الصَّلَابَةِ. قِيلَ هِيَ فِي الشَّرْعِ: عَدَمُ تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ رِعَايَةً لِجَانِبِ مُرْتَكِبِهِ أَوْ لِجَانِبِ غَيْرِهِ أَوْ لِقِلَّةِ الْمُبَالَاةِ بِالدِّينِ وَقِيلَ مُعَاشَرَةُ الْفُسَّاقِ وَإِظْهَارُ الرِّضَا بِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ عَلَيْهِمْ وَقِيلَ بَذْلُ الدِّينِ لِصَلَاحِ الدُّنْيَا (وَهِيَ الْفُتُورُ وَالضَّعْفُ فِي أَمْرِ الدِّينِ كَالسُّكُوتِ عِنْدَ مُشَاهَدَةِ الْمَعَاصِي وَالْمَنَاهِي مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّغْيِيرِ بِلَا ضَرَرٍ) دِينِيٍّ أَوْ دُنْيَوِيٍّ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ (فَهَذَا) أَيْ الْفُتُورُ أَوْ السُّكُوتُ حِينَئِذٍ (حَرَامٌ فَقَدْ وَرَدَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ «السَّاكِتَ عَنْ الْحَقِّ شَيْطَانٌ أَخْرَسُ»
[ ٣ / ١٢٧ ]
لِكَوْنِهِ دَلِيلَ الرِّضَا سِيَّمَا عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الصَّمْتُ خَيْرٌ إلَّا فِي الْخَيْرِ وَيُقَالُ قُلْ الْحَقَّ وَإِلَّا فَاسْكُتْ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ قِيلَ أَوْ قُلْت «يَا رَسُولَ اللَّهِ تُخْسَفُ الْأَرْضُ وَفِيهَا الصَّالِحُونَ قَالَ نَعَمْ بِإِدْهَانِهِمْ وَسُكُوتِهِمْ عَنْ أَهْلِ الْمَعَاصِي» وَعَنْهُ - ﵊ - «أَنَّ نَاسًا مِنْ أُمَّتِي يُحْشَرُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ عَلَى صُورَةِ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ بِمَا دَاهَنُوا وَآكَلُوهُمْ وَشَارَبُوهُمْ وَجَالَسُوهُمْ» وَعَنْ حُسْنِ التَّنْبِيهِ لِلنَّجْمِ الْغَزِّيِّ عَلَى رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «مَا آتَى اللَّهُ تَعَالَى عَالِمًا عِلْمًا إلَّا أَخَذَ عَلَيْهِ مِنْ الْمِيثَاقِ مَا أَخَذَ مِنْ النَّبِيِّينَ مَنْ عَلِمَ عِلْمًا فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ»
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] وَلِهَذَا كَانَ الثَّوْرِيُّ إذَا رَأَى الْمُنْكَرَ وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُغَيِّرَهُ بَالَ دَمًا وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُعَذِّبُ الْعَامَّةَ بِعَمَلِ الْخَاصَّةِ وَلَكِنْ إذَا ظَهَرَتْ الْمَعَاصِي فَلَمْ يُنْكِرُوا فَقَدْ اسْتَحَقَّ الْقَوْمُ جَمِيعًا الْعُقُوبَةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ وَحْيُهُ تَعَالَى إلَى يُوشَعَ بْنِ نُونٍ مِنْ إهْلَاكِ قَوْمِهِ خِيَارُهُمْ كَذَا وَشِرَارُهُمْ كَذَا وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى - ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] (وَضِدُّهُ الصَّلَابَةُ فِي أَمْرِ الدِّينِ قَالَ تَعَالَى ﴿يُجَاهِدُونَ﴾ [المائدة: ٥٤] أَيْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأَلْسِنَتِهِمْ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٥٤] ابْتِغَاءَ رِضَا اللَّهِ ﴿وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤] عَلَى ذَلِكَ مِنْ النَّاسِ «وَقَالَ) - ﵊ - لِأَبِي ذَرٍّ (قُلْ الْحَقَّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا» عَلَى الْمَأْمُورِ وَعَلَى الْآمِرِ لِلْأَوْهَامِ الْهَائِلَةِ مِنْ قَوْلِهِ
رأضيم در بَاطِن ارحكم بركرجة رويم ترتش شدكه الْحَقّ مَرَّ
وَفِي النِّصَابِ أَنَّ زَاهِدًا كَسَرَ مَلَاهِيَ مَرْوَانَ الْخَلِيفَةِ فَأَمَرَ بِأَنْ يُلْقَى بَيْنَ يَدَيْ الْأُسُودِ فَافْتَتَحَ الصَّلَاةَ فَاجْتَمَعَتْ الْأُسُودُ وَقَدْ لَحِسَتْهُ بِأَلْسِنَتِهَا وَهُوَ يُصَلِّي وَلَا يُبَالِي فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ اُنْظُرُوا فَنَظَرُوا فَإِذَا الْأُسُودُ قَدْ اسْتَأْنَسُوا بِهِ فَحَمَلُوهُ إلَى الْخَلِيفَةِ قَالَ أَمَا كُنْت تَخَافُ مِنْهُمْ قَالَ الزَّاهِدُ لَا كُنْت مَشْغُولًا مُتَفَكِّرًا طُولَ اللَّيْلِ لَمْ أَتَفَرَّغْ إلَى خَوْفِهِمْ فَقَالَ فِيمَ تَتَفَكَّرُ قَالَ هَذِهِ الْأُسُودُ لَحِسُونِي أَلُعَابُهُمْ طَاهِرٌ أَمْ نَجِسٌ؟ فَهَذَا التَّفَكُّرُ مَنَعَنِي مِنْ الْخَوْفِ فَتَعَجَّبَ وَخَلَّى سَبِيلَهُ انْتَهَى مُلَخَّصًا.
(فَإِنْ كَانَ سُكُوتُهُ) عَنْ أَمْرٍ بِالْبِرِّ وَالنَّهْيِ عَنْ الْوِزْرِ (لِدَفْعِ ضَرَرٍ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَنْ غَيْرِهِ فَهُوَ) أَيْ السُّكُوتُ (مُدَارَةً جَائِزَةٌ) مَعْنَى الْمُدَارَاةِ أَنْ يَبْتَسِمَ وَيَضْحَكَ وَإِنْ كَانَ قَلْبُهُ يُنْكِرُ كَمَا فِي حَدِيثِ الْجَامِعِ «مُدَارَةُ النَّاسِ صَدَقَةٌ» قَالَ فِي شَرْحِهِ الْمُدَارَاةُ اللِّينُ وَالتَّعَطُّفُ يَعْنِي مَنْ اُبْتُلِيَ بِمُخَالَطَةِ النَّاسِ مُعَامَلَةً وَمُعَاشَرَةً وَتَلَطَّفَ وَلَمْ يُنَفِّرْهُمْ كُتِبَ لَهُ صَدَقَةٌ وَالْمُدَارَةُ مَحْثُوثٌ عَلَيْهَا مَأْمُورٌ بِهَا وَمِنْ ثَمَّةَ قِيلَ
اتَّسَعَتْ دَارُ مَنْ يُدَارِي وَضَاقَتْ أَسْبَابُ مَنْ يُمَارِي
وَفِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ الْمُدَارَاةُ الرِّفْقُ بِالْجَاهِلِ فِي التَّعْلِيمِ وَبِالْفَاسِقِ فِي النَّهْيِ عَنْ فِعْلِهِ وَتَرْكِ الْأَغْلَاطِ عَلَيْهِ وَالْمُدَاهَنَةُ مُعَاشَرَةُ الْفَاسِقِ وَإِظْهَارُ الرِّضَا بِمَا هُوَ فِيهِ الْأُولَى مَنْدُوبَةٌ وَالثَّانِيَةُ مُحَرَّمَةٌ.
وَعَنْ حُجَّةِ الْإِسْلَامِ النَّاسُ ثَلَاثَةٌ:
أَحَدُهُمْ: مِثْلُ الْغِذَاءِ لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ وَالْآخَرُ مِثْلُ الدَّوَاءِ يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ وَالثَّالِثُ مِثْلُ الدَّاءِ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ لَكِنْ الْعَبْدُ قَدْ يُبْتَلَى بِهِ وَهُوَ الَّذِي لَا أُنْسَ فِيهِ وَلَا نَفْعَ فَتَجِبُ مُدَارَاتُهُ إلَى الْخَلَاصِ مِنْهُ وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا «أُمِرْت بِمُدَارَاةِ النَّاسِ كَمَا أُمِرْت بِالْفَرَائِضِ» كَمَا فِي شِرْعَةِ الْإِسْلَامِ (بَلْ مُسْتَحَبَّةٌ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ)
[ ٣ / ١٢٨ ]
كَمَا إذَا ظَنَّ عُمُومَ الضَّرَرِ الْحَاصِلِ أَوْ عَدَمَ صَبْرِهِ عَلَيْهِ كَمَا قِيلَ
وَدَارِهِمْ مَادُمْت فِي دَارِهِمْ وَأَرْضِهِمْ مَا دُمْت فِي أَرْضِهِمْ
وَعَنْ بَعْضِ الْحُكَمَاءِ مَنْ عَصَى أَمْرَ وَالِدَيْهِ لَمْ يَرَ السُّرُورَ مِنْ وَلَدِهِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَشِرْ فِي الْأُمُورِ لَمْ يَنَلْ حَاجَتَهُ وَمَنْ لَمْ يُدَارِ أَهْلَهُ ذَهَبَتْ لَذَّةُ عَيْشِهِ قِيلَ مَرَّ عِيسَى - ﵊ - بِقَوْمٍ مِنْ الْيَهُودِ فَقَالُوا لَهُ شَرًّا فَقَالَ لَهُمْ خَيْرًا فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ يُنْفِقُ مِمَّا عِنْدَهُ وَفِي الْبُسْتَانِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ رَفَعَهُ «رَأْسُ الْعَقْلِ بَعْدَ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ مُدَارَاةُ النَّاسِ، وَأَهْلُ الْمَعْرُوفِ فِي الدُّنْيَا أَهْلُ الْمَعْرُوفِ فِي الْآخِرَةِ» .
وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ إنَّا لَنَبَشُّ فِي وُجُوهِ أَقْوَامٍ وَإِنَّ قُلُوبَنَا لَتَلْعَنُهُمْ وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - وَعَنْ أَبَوَيْهَا «أَنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ ائْذَنُوا لَهُ فَبِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ أَوْ بِئْسَ رَجُلٌ أَخُو الْعَشِيرَةِ فَلَمَّا دَخَلَ أَلَانَ لَهُ الْقَوْلَ فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْت لَهُ مَا قُلْت ثُمَّ أَلَنْت لَهُ الْقَوْلَ فَقَالَ إنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ أَكْرَمَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ» انْتَهَى عَنْ الْقُرْطُبِيِّ فِي الْحَدِيثِ جَوَازُ غَيْبَةِ الْمُعْلِنِينَ بِالْفِسْقِ مَعَ جَوَازِ مُدَارَاتِهِمْ اتِّقَاءَ شَرِّهِمْ مَا لَمْ يُؤَدِّ إلَى الْمُدَاهَنَةِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُدَاهَنَةِ وَالْمُدَارَاةِ أَنَّ الْمُدَارَةَ بَذْلُ الدُّنْيَا لِصَلَاحِ الدُّنْيَا أَوْ الدِّينِ أَوْ هُمَا مَعًا فَمُبَاحَةٌ وَرُبَّمَا اُسْتُحْسِنَتْ.
وَالْمُدَاهَنَةُ بَذْلُ الدِّينِ لِصَلَاحِ الدُّنْيَا وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا بَذَلَ لَهُ مِنْ دُنْيَاهُ لِحُسْنِ عِشْرَتِهِ وَالرِّفْقِ فِي مُكَالَمَتِهِ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَمْدَحْهُ بِقَوْلِهِ فَلَمْ يُنَاقِضْ قَوْلُهُ فِيهِ فِعْلَهُ فَإِنَّ قَوْلَهُ فِيهِ قَوْلُ حَقٍّ وَفِعْلُهُ حُسْنُ عِشْرَةٍ فَلَا يُتَوَهَّمُ التَّنَاقُضُ