(التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ السُّخْطُ) أَيْ غَضَبُ الْعَبْدِ (بِعَدَمِ حُصُولِ الْمُرَادِ وَهُوَ) أَيْ السُّخْطُ (ذِكْرُ غَيْرِ مَا قَضَاهُ اللَّهُ تَعَالَى) فِيمَا مَنَعَ مِنْهُ (بِأَنَّهُ) أَيْ غَيْرُ الْمَقْضِيِّ. الْجَارُّ مُتَعَلِّقٌ بِالذِّكْرِ (أَوْلَى بِهِ، وَأَصْلَحُ لَهُ) الضَّمِيرُ أَنَّ لِلْعَبْدِ أَوْ الذِّكْرِ (فِيمَا لَا يَسْتَيْقِنُ صَلَاحَهُ، وَفَسَادَهُ) فِي أَمْرِ الدِّينِ أَوْ الدُّنْيَا (وَالتَّضَجُّرُ) عَطْفٌ عَلَى الذِّكْرِ (بِمَا قَضَاهُ اللَّهُ تَعَالَى) أَيْ الْمَقْضِيُّ بِمَا لَا يُلَائِمُ مِزَاجَهُ (وَضِدُّهُ) أَيْ السُّخْطِ (الرِّضَا) بِالْمَقْصُورَةِ وَالْمَمْدُودَةِ كَمَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ قِيلَ مِنْ سَهْوِ النَّاسِخِ (وَهُوَ) أَيْ الرِّضَا (طِيبُ النَّفْسِ فِيمَا يُصِيبُهُ، وَفِيمَا يَفُوتُهُ) لِاسْتِوَاءِ الْحَالَيْنِ عِنْدَهُ لِإِيمَانِهِ بِالْقَدْرِ (مَعَ عَدَمِ التَّغَيُّرِ) لِلْعِلْمِ بِأَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى فِي كُلِّ صُنْعٍ حِكْمَةً يَتَعَجَّبُ الْعَاقِلُ مِنْ سِرِّهَا كَمَا فِي قِصَّةِ مُوسَى وَالْخَضِرِ - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَإِذَا عَلِمَ السَّالِكُ هَذَا غَلَبَ الْحُبُّ عَلَى الْإِحْسَاسِ بِالْأَلَمِ كَمَا لِلْمَرِيضِ وَالتَّاجِرِ الْمُتَحَمِّلَيْنِ شِدَّةَ الْحِجَامَةِ وَالسَّفَرِ (وَالتَّسْلِيمُ لِلَّهِ تَعَالَى) عَطْفٌ عَلَى الرِّضَا (وَهُوَ) أَيْ التَّسْلِيمُ (الِانْقِيَادُ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى) بِالظَّاهِرِ (وَتَرْكُ الِاعْتِرَاضِ) بِالْبَاطِنِ (فِيمَا لَا يُلَائِمُ طَبْعَهُ) مِنْ الْمُنَافِرَاتِ كَمَا قِيلَ الْفَقْرُ بَلَاءٌ وَمِحْنَةٌ وَالْعِيَالُ هَمٌّ وَتَعَبٌ وَالِاحْتِرَافُ كَدٌّ وَمَشَقَّةٌ كُلُّ ذَلِكَ قَادِحٌ فِي الرِّضَا بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُسَلَّمَ التَّدْبِيرُ لِمُدَبِّرِهِ وَالْمَمْلَكَةُ لِمَالِكِهَا كَمَا قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا أُبَالِي أَصْبَحْت غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَإِنِّي لَا أَدْرِي أَيُّهُمَا خَيْرٌ لِي كَذَا نُقِلَ عَنْ الْإِحْيَاءِ.
(طك) الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ (حب) ابْنُ حِبَّانَ (عَنْ أَبِي هِنْدَ الدَّارِيِّ) قِيلَ هُوَ يَزِيدُ، وَقِيلَ غَيْرُهُ لَكِنْ قَالَ الْمُنَاوِيُّ اسْمُهُ بِرُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَزِينٍ صَحَابِيٌّ سَكَنَ فِلَسْطِينَ، وَأَخُو تَمِيمٍ الدَّارِيِّ لِأُمِّهِ قَالَ الْعِرَاقِيُّ إسْنَادُهُ ضَعِيفٌ جِدًّا لِأَنَّ فِيهِ
[ ٣ / ٨٣ ]
سَعْدَ بْنَ زِيَادٍ قَالَ الذَّهَبِيُّ مَتْرُوكٌ (أَنَّهُ قَالَ - ﵊ - قَالَ اللَّهُ تَعَالَى «مَنْ لَمْ يَرْضَ بِقَضَائِي» لَا الْمَقْضِيِّ إذْ قَدْ يَكُونُ الرِّضَا بِهِ كُفْرًا كَالرِّضَا بِالْكُفْرِ كَمَا فِي الِاعْتِقَادِيَّةِ وَالْكَلَامِيَّةِ «، وَلَمْ يَصْبِرْ عَلَى بَلَائِي فَلْيَلْتَمِسْ رَبًّا سِوَايَ» فَإِنَّ شَأْنَ الرَّبِّ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي عَبْدِهِ مَا يَشَاءُ فَإِذَا لَمْ يَرْضَ بِقَضَائِهِ، وَلَمْ يَصْبِرْ عَلَى بَلَائِهِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِرُبُوبِيَّتِهِ فِي حَقِّهِ.
قَالَ الْمُنَاوِيُّ عَنْ الْغَزَالِيِّ كَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ هَذَا لَا يَرْضَانَا رَبًّا حَتَّى سَخِطَ فَلْيَتَّخِذْ رَبًّا آخَرَ يَرْضَاهُ، وَلَيْسَ فِي السُّخْطِ إلَّا الْهَمُّ وَالضَّجَرُ فِي الْحَالِ وَالْوِزْرُ وَالْعُقُوبَةُ فِي الْمَآلِ إذْ لَا يَنْصَرِفُ الْقَضَاءُ بِالْهَلَعِ وَالْجَزَعِ كَمَا قِيلَ
مَا قَدْ قَضَى يَا نَفْسُ فَاصْطَبِرِي لَهُ وَلَك الْأَمَانُ مِنْ الَّذِي لَمْ يُقَدَّرْ
وَتَيَقُّنِي أَنَّ الْمُقَدَّرَ كَائِنٌ حَتْمٌ عَلَيْك صَبَرْت أَمْ لَمْ تَصْبِرِي
فَتَرْكُ التَّسْلِيمِ إضَاعَةُ ثَوَابِ الصَّابِرِينَ - وَاخْتِيَارُ الْخُسْرَانِ الْمُبِينِ - فَمَنْ رَضِيَ بِمَكْرُوهِ الْبَلَاءِ تَلَذَّذَ بِالْبَلَاءِ.
فَإِنْ قِيلَ الشَّرُّ وَالْمَعْصِيَةُ بِقَضَائِهِ تَعَالَى فَكَيْفَ الرِّضَا بِهِ - قُلْنَا الرِّضَا إنَّمَا يَلْزَمُ بِالْقَضَاءِ، وَقَضَاءُ الشَّرِّ لَيْسَ بِشَرٍّ بَلْ الشَّرُّ الْمَقْضِيُّ وَلَعَلَّك سَمِعْت فِي الِاعْتِقَادِ تَفْصِيلَهُ ثُمَّ قَالَ قَالُوا وَالْمَقْضِيَّاتُ أَرْبَعَةٌ نِعْمَةٌ وَشِدَّةٌ وَخَيْرٌ وَشَرٌّ فَالنِّعْمَةُ يَجِبُ الرِّضَا فِيهَا بِالْقَاضِي وَالْقَضَاءِ وَالْمَقْضِيِّ وَيَجِبُ عَلَيْهِ ذِكْرُ الْمِنَّةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ وَفَّقَهُ وَالشَّرُّ يَجِبُ فِيهِ الرِّضَا بِالْقَاضِي وَالْقَضَاءِ وَالْمَقْضِيِّ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَقْضِيٌّ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ شَرٌّ.
(تَنْبِيهٌ): قَالَ فِي شَرْحِ الْعَوَارِفِ «أَوَّلُ مَا كَتَبَ اللَّهُ تَعَالَى فِي اللَّوْحِ إنِّي أَنَا اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا مَنْ لَمْ يَرْضَ بِقَضَائِي، وَلَمْ يَشْكُرْ نَعْمَائِي، وَلَمْ يَصْبِرْ عَلَى بَلَائِي فَلْيَطْلُبْ رَبًّا سِوَايَ» قَالَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ لَمْ يَرْضَ بِقَضَائِي، وَقَدَرِي فَلْيَلْتَمِسْ رَبًّا غَيْرِي» قَالَ شَارِحُهُ فَعَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَرْضَى وَيَشْكُرَ فَإِنَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِمَصْلَحَةِ عَبْدِهِ، وَأَيُّ شَيْءٍ يَنْفَعُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ غَدًا يَشْكُرُ عَلَى الْبَلَايَا كَمَا يَشْكُرُ الصَّبِيُّ بَعْدَ الْبُلُوغِ عَلَى تَأْدِيبِ مُؤَدِّبِهِ وَضَرْبِهِ فَإِنَّ الْبَلَاءَ تَأْدِيبٌ مِنْ اللَّهِ، وَعَنْ التَّفْسِيرِ الْكَبِيرِ رُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ أَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِذَا أَعْرَابِيُّ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ فَقَالَ إلَى أَيْنَ فَقَالَ إبْرَاهِيمُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ فَقَالَ كَأَنَّك مَجْنُونٌ لَا أَرَى لَك مَرْكَبًا، وَلَا زَادًا وَالسَّفَرُ طَوِيلٌ فَقَالَ إبْرَاهِيمُ إنَّ لِي مَرَاكِبَ كَثِيرَةً، وَلَكِنْ لَا تَرَاهَا فَقَالَ مَا هِيَ فَقَالَ إذَا نَزَلَتْ عَلَيَّ بَلِيَّةٌ رَكِبْت مَرْكَبَ الصَّبْرِ، وَإِذَا نَزَلَتْ عَلَيَّ نِعْمَةٌ رَكِبْت مَرْكَبَ الشُّكْرِ، وَإِذَا نَزَلَ بِي الْقَضَاءُ رَكِبْت مَرْكَبَ الرِّضَا، وَإِذَا دَعَتْنِي النَّفْسُ إلَى شَيْءٍ عَلِمْت أَنَّ مَا بَقِيَ مِنْ الْعُمُرِ أَقَلُّ مِمَّا مَضَى فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ سِرْ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنْتَ الرَّاكِبُ، وَأَنَا الرَّاجِلُ.
قَالَ فِي الْقُشَيْرِيَّةِ: اعْلَمْ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَكَادُ يَرْضَى عَنْ الْحَقِّ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَرْضَى عَنْهُ الْحَقُّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة: ٨] قَالَ تِلْمِيذٌ لِشَيْخِهِ إذَا وَجَدْت قَلْبِي رَاضِيًا عَنْ اللَّهِ تَعَالَى عَلِمْت أَنَّهُ رَاضٍ عَنِّي فَقَالَ الشَّيْخُ أَحْسَنْت يَا غُلَامُ، وَقِيلَ: قَالَ مُوسَى - ﵊ - إلَهِي دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إذَا عَمِلْته رَضِيتَ عَنِّي فَقَالَ لَهُ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ فَخَرَّ مُوسَى سَاجِدًا مُتَضَرِّعًا فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ يَا ابْنَ عِمْرَانَ إنَّ رِضَايَ فِي رِضَاك بِقَضَائِي. (حك عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلَتَهُ عِنْدَ اللَّهِ فَلْيَنْظُرْ مَنْزِلَةَ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَهُ» قِيلَ حَاصِلُهُ إنْ كَانَ الْعَبْدُ رَاضِيًا عَنْ اللَّهِ تَعَالَى فَاَللَّهُ رَاضٍ عَنْهُ فَلْيَنْظُرْ مَنْزِلَةَ اللَّهِ مِنْهُ
[ ٣ / ٨٤ ]
(فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُنْزِلُ الْعَبْدَ مِنْهُ حَيْثُ أَنْزَلَهُ الْعَبْدُ مِنْ نَفْسِهِ) فَمَنْزِلَةُ اللَّهِ عِنْدَ الْعَبْدِ فِي قَلْبِهِ عَلَى قَدْرِ مَعْرِفَتِهِ إيَّاهُ وَعِلْمِهِ بِهِ، وَإِجْلَالِهِ وَتَعْظِيمِهِ وَالْخَوْفِ مِنْهُ، وَإِقَامَةِ الْحُرْمَةِ لِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَالْوُقُوفِ عِنْدَ أَحْكَامِهِ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ وَنَفْسٍ مُطْمَئِنَّةٍ وَالتَّسْلِيمِ لَهُ بَدَنًا وَرُوحًا، وَقَلْبًا وَمُرَاقَبَةِ تَدْبِيرِهِ فِي أُمُورِهِ، وَلُزُومِ ذِكْرِهِ وَالنُّهُوضِ بِأَثْقَالِ نِعَمِهِ وَمَنِّهِ وَتَرْكِ مَشِيئَتِهِ لِمَشِيئَتِهِ وَحُسْنِ الظَّنِّ بِهِ وَالنَّاسُ فِي ذَلِكَ دَرَجَاتٌ وَحُظُوظُهُمْ بِقَدْرِ حُظُوظِهِمْ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَأَوْفَرُهُمْ حَظًّا مِنْهَا أَعْظَمُهُمْ دَرَجَةً عِنْدَهُ، وَعَكْسُهُ بِعَكْسِهِ. وَعَنْ ابْنِ عَطَاءٍ إذَا أَرَدْت أَنْ تَعْرِفَ مَقَامَك عِنْدَهُ فَانْظُرْ مَا أَقَامَك فِيهِ، وَعَنْ بَعْضِ الْعَارِفِينَ إذَا أَرَدْت أَنْ تَعْرِفَ قَدْرَك عِنْدَهُ فَانْظُرْ فِيمَا يُقِيمُك مَتَى رَزَقَك الطَّاعَةَ.
وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ مَا قِيلَ: حَاصِلُهُ إنْ كَانَ الْعَبْدُ رَاضِيًا عَنْ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا فَعَلَ فَاَللَّهُ رَاضٍ عَنْهُ (وَالشُّرُورُ وَالْمَعَاصِي مَقْضِيَّانِ لَا قَضَاءً) كَأَنَّهُ جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ وَرَدَ عَلَى قَوْلِهِ وَضِدُّهُ الرِّضَا إلَخْ. حَاصِلُهُ إذَا أُلْزِمَ الرِّضَاءُ بِالْقَضَاءِ لَزِمَ الرِّضَا بِالشُّرُورِ وَالْمَعَاصِي وَقَدْ صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ بِأَنَّ الرِّضَا بِالْكُفْرِ كُفْرٌ وَبِالْمَعْصِيَةِ مَعْصِيَةٌ وَحَاصِلُ الْجَوَابِ لُزُومُ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ وَالشُّرُورُ وَالْمَعَاصِي مَقْضِيَّانِ لَا قَضَاءَانِ وَذَلِكَ قَوْلُهُ (فَلَا يُرَادُ أَنَّ الرِّضَا بِالْكُفْرِ كُفْرٌ وَبِالْمَعْصِيَةِ مَعْصِيَةٌ) .