(الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ حُبُّ الْفَسَقَةِ) جَمْعُ فَاسِقٍ مِنْ فَسَقَتْ الرُّطَبَةُ عَنْ قِشْرِهَا إذَا خَرَجَتْ، وَأَصْلُ الْفِسْقِ الْخُرُوجُ عَنْ الْقَصْدِ وَالْفَاسِقُ فِي الشَّرْعِ الْخَارِجُ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِارْتِكَابِ الْكَبِيرَةِ، وَلَهُ دَرَجَاتٌ ثَلَاثٌ:
الْأُولَى: التَّغَابِي وَهُوَ أَنْ يَرْتَكِبَهَا أَحْيَانًا مُسْتَقْبِحًا إيَّاهَا.
وَالثَّانِيَةُ: الِانْهِمَاكُ وَهُوَ أَنْ يَعْتَادَ ارْتِكَابَهَا غَيْرَ مُبَالٍ بِهَا.
وَالثَّالِثَةُ: الْجُحُودُ وَهُوَ أَنْ يَرْتَكِبَهَا مُسْتَصْوِبًا إيَّاهَا فَالْأَوَّلَانِ لَا يُكَفِّرَانِ لَعَلَّهُمَا الْمُرَادُ هُنَا (وَالرُّكُونُ إلَى الظَّلَمَةِ) جَمْعُ ظَالِمٍ، وَهُوَ الْمُعْتَدِي عَلَى الْغَيْرِ، وَأَصْلُهُ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَرْكَنُوا﴾ [هود: ١١٣] أَيْ لَا تَعْتَمِدُوا أَوْ تَمِيلُوا بِقُلُوبِكُمْ بِأَدْنَى مَيْلٍ فَإِنَّ الرُّكُونَ هُوَ الْمَيْلُ الْيَسِيرُ كَالتَّزَيِّي بِزِيِّهِمْ وَتَعْظِيمِ ذِكْرِهِمْ كَمَا فِي الْبَيْضَاوِيِّ ﴿إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [هود: ١١٣] أَوْ لَا تَسْمَعُوا إلَى قَوْلِهِمْ ﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣] لِلْمَيْلِ فَإِذَا كَانَ الرُّكُونُ إلَى مَنْ وُجِدَ مِنْهُ مَا يُسَمَّى ظُلْمًا كَذَلِكَ فَمَا ظَنُّك بِالرُّكُونِ إلَى الظَّالِمِينَ أَيْ الْمَوْسُومِينَ بِالظُّلْمِ ثُمَّ بِالْمَيْلِ إلَيْهِمْ كُلَّ الْمَيْلِ ثُمَّ بِالظُّلْمِ نَفْسِهِ، وَلَعَلَّ الْآيَةَ أَبْلَغُ مَا يُتَصَوَّرُ فِي النَّهْيِ عَنْ الظُّلْمِ وَالتَّهْدِيدِ عَلَيْهِ كَذَا فِي الْبَيْضَاوِيِّ (الْآيَةَ) أَيْ كَمِّلْ الْآيَةَ - ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ [هود: ١١٣]- يَعْنِي لَا أَحَدَ بَعْدَ اللَّهِ يَمْنَعُكُمْ عَنْ النَّارِ، وَعَذَابِهَا - ﴿ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [هود: ١١٣]- بِمَيْلِكُمْ إلَى الظُّلْمِ وَقِيلَ، وَلَا تَرْكَنُوا أَيْ لَا تَمِيلُوا بِالْقُلُوبِ، وَلَا تُخَالِطُوهُمْ فِي الْأَعْمَالِ، وَقِيلَ، وَلَا تَنْظُرُوا، وَقِيلَ، وَقَعَ التَّحَابُبُ بَيْنَ صَالِحٍ وَظَالِمٍ فَعُذِّبَ الصَّالِحُ بِمَيْلِهِ لِلظَّالِمِ وَغُفِرَ لِلظَّالِمِ بِمَحَبَّتِهِ لِلصَّالِحِ - وَحُكِيَ أَنَّهُ الْتَقَى عَالِمٌ كَبِيرٌ مُفْتٍ بِصَالِحٍ تَقِيٍّ فَقَالَ الْعَالِمُ إنِّي أُحِبُّك، وَقَالَ الصَّالِحُ أَمَا إنِّي لَا أُحِبُّك؛ لِأَنِّي سَمِعْت أَنَّك لَا تُدَاوِمُ الْجَمَاعَةَ، وَلَا تُصَلِّي نَحْوَ الضُّحَى فَاعْتَذَرَ الْعَالِمُ بِأَنِّي مُشْتَغِلٌ بِمَهَامِّ الْأَنَامِ، وَلَا أَتَفَرَّغُ وَقْتًا لِذَلِكَ فَقَالَ الصَّالِحُ فَإِذَنْ آثَرْت خِدْمَةَ الْمَخْلُوقِ عَلَى خِدْمَةِ مَوْلَاك فَبَكَى الْعَالِمُ، وَقَالَ لَعَلَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَك لِعَدَمِ مَحَبَّتِك إيَّايَ وَيَغْفِرُ لِي لِمَحَبَّتِي إيَّاكَ.
وَعَنْ الْكَشَّافِ، وَقَالَ سُفْيَانُ فِي جَهَنَّمَ وَادٍ لَا يَسْكُنُهُ إلَّا الْقُرَّاءُ الزَّائِرُونَ لِلْمُلُوكِ وَعَنْ الْأَوْزَاعِيِّ مَا مِنْ شَيْءٍ أَبْغَضُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ عَالِمٍ يَزُورُ عَامِلًا. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ الذُّبَابُ عَلَى الْعَذِرَةِ أَحْسَنُ مِنْ قَارِئٍ عَلَى بَابِ هَؤُلَاءِ، وَقَالَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ دَعَا لِلظَّالِمِ بِالْبَقَاءِ فَقَدْ أَحَبَّ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ تَعَالَى فِي أَرْضِهِ»، وَلَقَدْ سُئِلَ سُفْيَانُ عَنْ ظَالِمٍ أَشْرَفَ عَلَى الْهَلَاكِ فِي بَرِّيَّةٍ هَلْ يُسْقَى شَرْبَةَ مَاءٍ فَقَالَ لَا فَقِيلَ لَهُ يَمُوتُ فَقَالَ دَعْهُ يَمُوتُ. انْتَهَى. اعْلَمْ أَنَّ فِي مُخَالَطَةِ السَّلَاطِينِ ثَلَاثَ أَحْوَالٍ الْأُولَى الدُّخُولُ عَلَيْهِمْ إمَّا حَرَامٌ أَوْ مَكْرُوهٌ أَوْ مُبَاحٌ وَذَلِكَ إمَّا بِالْفِعْلِ أَوْ بِالسُّكُوتِ أَوْ بِالْقَوْلِ أَمَّا الْفِعْلُ فَإِنْ كَانَتْ دَارُهُمْ مَغْصُوبَةً فَيَحْرُمُ الدُّخُولُ، وَإِلَّا فَإِنْ سَجَدَ أَوْ رَكَعَ أَوْ أَكْرَمَ فَيَعْصِي فَإِنَّ التَّوَاضُعَ لِغَنِيٍّ غَيْرِ ظَالِمٍ يُنْقِصُ ثُلُثَيْ دِينِهِ فَكَيْفَ بِالظَّالِمِ، وَأَمَّا تَقْبِيلُ الْيَدِ وَالِانْحِنَاءُ فِي الْخِدْمَةِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَادِلًا فَمَعْصِيَةٌ، وَإِلَّا فَجَائِزٌ كَمَا قَبَّلَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ يَدَ عُمَرَ - ﵄ -
[ ٣ / ٩٠ ]
وَالْجُلُوسُ عَلَى بِسَاطِهِمْ إنْ كَانَ غَالِبُ أَمْوَالِهِمْ حَرَامًا فَلَيْسَ بِجَائِزٍ، وَأَمَّا السُّكُوتُ فَإِنْ رَأَى مِنْ فُرُشِهِمْ، وَأَوَانِيهِمْ وَمَلْبُوسَاتِهِمْ الْحَرَامَ أَوْ سَمِعَ الْفُحْشَ وَالْكَذِبَ فَالسُّكُوتُ فِي كُلِّهِ حَرَامٌ إلَّا أَنْ يَكْرَهَ، وَأَمَّا الْقَوْلُ فَإِنْ دَعَا لَهُ أَوْ أَثْنَى عَلَيْهِ أَوْ صَدَّقَهُ فِي بَاطِلِهِ بِتَصْرِيحٍ أَوْ بِتَحْرِيكِ رَأْسٍ أَوْ بِاسْتِبْشَارٍ أَوْ بِإِظْهَارِ حُبٍّ وَاشْتِيَاقٍ وَحِرْصٍ عَلَى طُولِ عُمُرِهِ فَكُلُّهُ حَرَامٌ وَرَدَتْ فِيهِ الْأَخْبَارُ فَلَا يَجُوزُ الدُّخُولُ عَلَيْهِمْ إلَّا لِدَفْعِ الظُّلْمِ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ بِشَرْطِ عَدَمِ الْكَذِبِ وَالثَّنَاءِ، وَلَا يَدَعُ النَّصِيحَةَ إنْ تَوَقَّعَ قَبُولَهَا.
وَالثَّانِيَةُ: دُخُولُ السُّلْطَانِ الظَّالِمِ عَلَيْك زَائِرًا فَإِنْ فِي جَمْعٍ يَقُومُ عِنْدَ دُخُولِهِ رِعَايَةً لِحِشْمَتِهِ، وَإِنْ فِي خَلْوَةٍ جَازَ الْقِيَامُ لَكِنْ الْأَوْلَى عَدَمُهُ إظْهَارًا لِعِزِّ الدِّينِ وَرَغْمًا لِلظُّلْمِ وَيُظْهِرُ غَضَبَهُ لِلدِّينِ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ مَعَ السُّلْطَانِ ثُمَّ يُخَوِّفُهُ مِمَّا ارْتَكَبَهُ لَكِنْ بِاللِّينِ وَالرِّفْقِ بَلْ بِالْكِنَايَةِ وَالتَّعْرِيضِ وَالنُّصْحِ بِالْمَصْلَحَةِ وَالْإِرْشَادِ عَمَّا غَفَلَ مِنْ تَدْبِيرِ الْمَمَالِكِ وَنِظَامِ الرَّعَايَا.
وَالثَّالِثَةُ: الِاعْتِزَالُ عَنْهُمْ بِحَيْثُ لَا يَرَاهُمْ، وَلَا يَرَوْنَهُ، وَهُوَ الْأَسْلَمُ فَلَا يَسْتَخْبِرُ عَنْهُمْ، وَلَا يُصَاحِبُ مُصَاحِبَهُمْ، وَأَمَّا حَالُ دُخُولِ السَّلَفِ عَلَيْهِمْ فَكَالْمُحَالِ فِي حَقِّنَا؛ لِأَنَّهُمْ يُعَاتِبُونَ وَيَعِظُونَ، وَلَا يَخَافُونَ فِي الْحَقِّ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَأَمَّا نَحْنُ فَنَجْتَهِدُ فِي التَّقَرُّبِ إلَيْهِمْ بِالدَّلَالَةِ عَلَى الرُّخَصِ فِيمَا يُوَافِقُ أَغْرَاضَهُمْ، وَلَنَا فِي ذَلِكَ غُرُورُ أَنَّ إظْهَارَ إصْلَاحِهِمْ، وَإِرَادَةَ الشُّهْرَةِ وَالتَّقَرُّبِ إلَيْهِمْ، وَإِظْهَارَ الشَّفَاعَةِ فِي دَفْعِ ظِلَامَةٍ لِمُسْلِمٍ، وَإِرَادَةَ نَحْوِ الْأُلْفَةِ مَعَهُمْ كُلُّ ذَلِكَ تَلْخِيصُ مِفْتَاحِ السَّعَادَةِ.
(ت عَنْ بُرَيْدَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ لَا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ سَيِّدٌ» مِنْ سَادَ يَسُودُ سِيَادَةً وَالِاسْمُ السُّؤْدَدُ، وَهُوَ الْمَجْدُ وَالشَّرَفُ فَهُوَ سَيِّدٌ وَالْأُنْثَى سَيِّدَةٌ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْمِصْبَاحِ يَعْنِي لَا تَصِفُوا الْمُنَافِقَ بِالسِّيَادَةِ «فَإِنَّهُ إنْ يَكُ» أَيْ إنْ يَكُنْ «سَيِّدًا» بِزَعْمِكُمْ بِجَاهِهِ وَنَسَبِهِ وَمَالِهِ «فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ اللَّهَ» بِتَعْظِيمِ مَنْ أَهَانَهُ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج: ١٨] قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ تَبْجِيلُ الْكَافِرِ كُفْرٌ فَلَوْ سَلَّمَ عَلَى الذِّمِّيِّ تَبْجِيلًا كَفَرَ، وَلَوْ قَالَ لِمَجُوسِيٍّ يَا أُسْتَاذُ تَبْجِيلًا كَفَرَ (وَضِدُّهُ) أَيْ ضِدُّ حُبِّ الْفَسَقَةِ (الْبُغْضُ فِي اللَّهِ تَعَالَى) أَيْ لِأَجْلِ دِينِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا فِي قَوْلِهِ - ﵊ - «عُذِّبَتْ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ» (لِكُلِّ عَاصٍ) قِيلَ، وَلَوْ بِصَغِيرَةٍ أَوْ بِمَكْرُوهٍ (لِعِصْيَانِهِ) لَا لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ.
وَعَنْ الْحَسَنِ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ هَلْ عَمِلْت لِي عَمَلًا قَطُّ قَالَ إلَهِي صَلَّيْت لَك وَصُمْت لَك وَتَصَدَّقْت لَك وَذَكَرْت لَك فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى إنَّ الصَّلَاةَ لَك بُرْهَانٌ وَالصَّوْمَ لَك جُنَّةٌ وَالصَّدَقَةَ لَك ظِلٌّ وَالذِّكْرَ لَك نُورٌ فَأَيُّ عَمَلٍ عَمِلْت لِي فَقَالَ مُوسَى إلَهِي دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ هُوَ لَك فَقَالَ يَا مُوسَى هَلْ وَالَيْت لِي وَلِيًّا قَطُّ، وَهَلْ عَادَيْت لِي عَدُوًّا قَطُّ فَعَلِمَ مُوسَى أَنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ قَالَ الْمُحَشِّي هَذَا إذَا كَانَ مُتَيَقَّنًا أَوْ مَظْنُونًا، وَأَمَّا إذَا كَانَ عِصْيَانُهُ مَوْهُومًا أَوْ مَشْكُوكًا فَلَا يَجُوزُ الْبُغْضُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ سُوءِ الظَّنِّ بِهِمْ بَلْ يَحْمِلُهُمْ عَلَى الصَّلَاحِ لَا عَلَى الْفَسَادِ (لَا سِيَّمَا الْمُبْتَدِعِينَ) اعْتِقَادًا، وَعَمَلًا (وَالظَّلَمَةَ لِكَوْنِ مَعْصِيَتِهِمْ) أَيْ مَعْصِيَةِ الْمُبْتَدِعَةِ وَالظَّلَمَةِ فَافْهَمْ (مُتَعَدِّيَةً) دِينًا وَدُنْيَا (فَلَا بُدَّ مِنْ إظْهَارِ الْبُغْضِ لَهُمْ) لِيَرْتَدِعُوا مِنْ ذَلِكَ؛ وَلِئَلَّا يَشْتَرِكَ فِي وِزْرِهِ كَمَا رُوِيَ عَنْهُ - ﵊ - «مَا مِنْ قَوْمٍ يَكُونُ فِيهِمْ رَجُلٌ يَعْمَلُ الْمَعَاصِيَ وَيَقْدِرُونَ أَنْ يُغَيِّرُوا عَلَيْهِ فَلَا يُغَيِّرُونَ إلَّا عَمَّهُمْ اللَّهُ بِالْعَذَابِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتُوا» .
وَفِي تَنْبِيهِ الْغَافِلِينَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ الْعَامَّةَ بِعَمَلِ الْخَاصَّةِ، وَلَكِنْ إذَا ظَهَرَتْ الْمَعَاصِي فَلَمْ يُنْكِرُوهَا فَقَدْ اسْتَحَلَّ الْقَوْمُ جَمِيعًا الْعُقُوبَةَ وَذَكَرَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إلَى يُوشَعَ - ﵊ - إنِّي مُهْلِكٌ مِنْ قَوْمِك أَرْبَعِينَ أَلْفًا مِنْ خِيَارِهِمْ وَسِتِّينَ أَلْفًا مِنْ شِرَارِهِمْ فَقَالَ يَا رَبِّ هَؤُلَاءِ الْأَشْرَارُ فَمَا بَالُ الْأَخْيَارِ فَقَالَ إنَّهُمْ لَمْ يَغْضَبُوا لِغَضَبِي وَآكَلُوهُمْ وَشَارَبُوهُمْ كَذَا أَيْضًا فِي النِّصَابِ وَنَقَلَ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ أَنَّهُ رَأَى ابْنَ الْمُبَارَكِ فِي الْمَنَامِ فَقِيلَ لَهُ مَا فَعَلَ رَبُّك بِك فَقَالَ عَاتَبَنِي، وَأَوْقَفَنِي رَبِّي ثَلَاثِينَ سَنَةً بِسَبَبِ أَنِّي نَظَرْت بِاللُّطْفِ يَوْمًا إلَى مُبْتَدِعٍ فَقَالَ إنَّك لَمْ تُعَادِ عَدُوِّي فِي الدِّينِ فَكَيْفَ حَالُ الْقَاعِدِ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
[ ٣ / ٩١ ]
(إنْ لَمْ يَخَفْ) عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ أَوْلَادِهِ أَوْ أَتْبَاعِهِ (بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا) أَيْ غَيْرِ ذَوِي الِابْتِدَاعِ وَالظُّلْمِ (مِنْ الْعُصَاةِ) بَلْ يُكْتَفَى حِينَئِذٍ بِبُغْضِ الْقَلْبِ فِي الْحَاشِيَةِ هَذَا بِالِاتِّفَاقِ، وَأَمَّا غَيْرُهُمَا فَفِيهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ فَبَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ إظْهَارُ الْبُغْضِ لَهُمْ وَالْجُمْهُورُ عَلَى عَدَمِهِ بَلْ اللَّازِمُ التَّعَطُّفُ عَلَيْهِمْ وَالتَّلَطُّفُ بِهِمْ، وَقَضَاءُ حَوَائِجِهِمْ لَكِنْ مَحَلُّ النِّزَاعِ مَا إذَا لَمْ يُفِدْ الْإِظْهَارُ فِي دَفْعِ الْمَعْصِيَةِ. وَأَمَّا إذَا أَفَادَ فَإِظْهَارُ الْبُغْضِ لَازِمٌ؛ لِأَنَّهُ نَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّغْيِيرِ. انْتَهَى.
(تَتِمَّةٌ): عِنْدَ اجْتِمَاعِ الصَّلَاحِ وَالْفِسْقِ يُعْتَبَرُ الْأَغْلَبُ فَأَمَّا عِنْدَ التَّسَاوِي فَتَجِبُ مِنْ جِهَةِ طَاعَتِهِ وَتُبْغِضُ مِنْ جِهَةِ فِسْقِهِ لَكِنْ تُبَالِغُ فِي حُبِّهِ وَبُغْضِهِ كَمَا تُبَالِغُ فِي تَمَحُّضِهِ ثُمَّ إظْهَارُ الْبُغْضِ إمَّا بِالْقَوْلِ فَبِتَرْكِ مُكَالَمَتِهِ مَرَّةً وَالِاسْتِخْفَافِ وَالتَّغْلِيظِ أُخْرَى، وَإِمَّا بِالْفِعْلِ فَلَا يُسِيءُ مَرَّةً وَيَسْعَى فِي إسَاءَتِهِ أُخْرَى، وَأَمَّا دَرَجَاتُ الْمَعْصِيَةِ فَإِنْ بِهَفْوَةٍ فَالْأَوْلَى السَّتْرُ وَالْإِغْمَاضُ، وَإِنْ بِإِصْرَارِ صَغِيرَةٍ أَوْ ارْتِكَابِ كَبِيرَةٍ فَإِنْ مُتَعَدِّيَةً فَيُنْكِرُ عَلَى قَدْرِ ارْتِدَاعِهِ، وَعَلَى قَدْرِ قُدْرَتِهِ، وَإِنْ مُتَعَدِّيَةً إلَيْك فَقَطْ فَالْأَوْلَى الْعَفْوُ إلَّا أَنْ يَكُونَ سَبَبًا إلَى زِيَادَةِ ضَلَالِهِ، وَإِنْ عَظِيمَةً كَمَا تَرَكَ الصِّدِّيقُ الْأَعْظَمُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - نَفَقَةَ مِسْطَحٍ حِينَ تَكَلَّمَ فِي الْإِفْكِ ثُمَّ أَمَرَهُ تَعَالَى بِإِعَادَةِ نَفَقَتِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ﴾ [النور: ٢٢] الْآيَةَ، وَأَيُّ جَرِيمَةٍ أَعْظَمُ مِنْ التَّعَرُّضِ لِحُرْمَةٍ - ﵊ -، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُتَعَدِّيَةً فَيَظْهَرُ أَثَرُ الْبُغْضِ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا بِحَسَبِ مَرْتَبَةِ الِانْزِجَارِ وَالْقُدْرَةِ، وَأَقَلُّهُ قَطْعُ الرِّفْقِ وَالْعَوْنِ، وَأَقْوَاهُ إفْسَادُ أَغْرَاضِهِ وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ بَعْضٍ فِي الْغَيْرِ الْمُتَعَدِّيَةِ النَّظَرُ بِعَيْنِ الرَّحْمَةِ لِأَنَّ الْقَدَرَ لَا يَنْفَعُ مِنْهُ الْحَذَرُ لَكِنْ لَا يَخْفَى بُطْلَانُهُ. فَإِنْ قُلْت هَلْ يَجِبُ الْإِعْرَاضُ، وَقَطْعُ النَّفَقَةِ وَالْإِعَانَةُ عَلَى الْعَاصِي بِحَيْثُ يَأْثَمُ مَنْ يَتْرُكُهُ قُلْت لَا يَدْخُلُ ذَلِكَ فِي الْعِلْمِ الظَّاهِرِ تَحْتَ التَّكْلِيفِ؛ لِأَنَّ مِنْ الصَّحَابَةِ مَنْ يُغَلِّظُ الْقَوْلَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَكْتَفِي بِالْإِعْرَاضِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ بِعَيْنِ الرَّحْمَةِ فَهَذِهِ دَقَائِقُ دِينِيَّةٌ تَخْتَلِفُ فِيهَا طَرَائِقُ السَّالِكِينَ كَذَا فِي مِفْتَاحِ السَّعَادَةِ.