(الْخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ الْحُزْنُ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا وَهُوَ التَّوَجُّعُ وَالتَّأَسُّفُ عَلَى مَا فَاتَ مِنْ النِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ)
الَّتِي غَرَّتْ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْحَمَاقَةِ وَالْجَهْلِ مَعَ أَنَّهَا سَمُومٌ قَاتِلَةٌ وَعَوْرَاتٌ بَادِيَةٌ وَفَضَائِحُ مُرْدِيَةٌ وَقَبَائِحُ مُهْلِكَةٌ تَعْلَمُهَا الْعُقَلَاءُ وَتَغْفُلُ عَنْهَا الْجُهَلَاءُ إذْ هِيَ حُظُوظٌ نَفْسَانِيَّةٌ وَأَعْرَاضٌ شَهْوَانِيَّةٌ حَيْثُ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ مُرَادُهُ مِنْ ذَلِكَ (وَيَلْزَمُهُ الْفَرَحُ بِإِتْيَانِهَا وَإِقْبَالِهَا وَكَثْرَتِهَا وَمَنْشَؤُهُ) أَيْ الْحُزْنِ الْمَذْكُورِ
[ ٣ / ١١٣ ]
(حُبُّ الدُّنْيَا) الَّذِي هُوَ رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ وَمَعْدِنُ كُلِّ شَرٍّ وَمَقَرُّ كُلِّ هَوَى وَبِضَاعَةُ كُلِّ فَسَادٍ اعْلَمْ أَنَّ الدُّنْيَا ثَلَاثَةٌ الْأَوَّلُ مَا يَصْحَبُك فِي الْآخِرَةِ وَيَبْقَى مَعَك ثَمَرَتُهُ بَعْدَ الْمَوْتِ كَالْعِلْمِ وَهُوَ لَذَّةٌ دُنْيَوِيَّةٌ عَاجِلَةٌ وَكَذَا الْعِبَادَاتُ لِمَنْ يَتَلَذَّذُ بِهَا وَالثَّانِي مَا فِيهِ حَظٌّ عَاجِلٌ لَا ثَمَرَةَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ كَالتَّلَذُّذِ بِالْمَعَاصِي وَالْمُبَاحَاتِ وَالثَّالِثُ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَهُمَا كَالطَّعَامِ وَاللِّبَاسِ إنْ جُعِلَ وَسِيلَةً إلَى الْأَوَّلِ فَمِنْ عَمَلِ الْآخِرَةِ وَإِنْ إلَى الثَّانِي فَمِنْ الدُّنْيَا وَلَا يَبْقَى مَعَ الْعَبْدِ إلَّا صَفَاءُ الْقُلُوبِ وَذَلِكَ بِالْكَفِّ عَنْ الشَّهَوَاتِ وَالْأُنْسِ بِاَللَّهِ بِكَثْرَةِ ذِكْرِهِ وَمَحَبَّتِهِ الْحَاصِلَةِ مِنْ الْمَعْرِفَةِ وَهِيَ تَتَوَلَّدُ مِنْ الْفِكْرِ فَالْمُرَادُ هُنَا الثَّانِي مُطْلَقًا وَبَعْضُ الثَّالِثِ كَمَا لَا يَخْفَى.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الدُّنْيَا إمَّا أَعْيَانٌ كَالْأَرَاضِيِ لِلْبِنَاءِ وَالزِّرَاعَةِ وَإِمَّا مَعَادِنُ كَالرَّصَاصِ وَالنُّحَاسِ وَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَإِمَّا نَبَاتٌ كَالْمَلْبُوسِ وَالدَّوَاءِ وَالْغِذَاءِ وَإِمَّا حَيَوَانٌ كَالْبَهَائِمِ لِلْأَكْلِ وَالرُّكُوبِ وَإِمَّا إنْسَانٌ لِلْخِدْمَةِ وَالِاسْتِمْتَاعِ وَالْجَاهِ ثُمَّ لِلْعَبْدِ عَلَاقَتَانِ الْأُولَى بِالْقَلْبِ هُوَ حُبُّهُ لَهَا وَحَظُّهُ مِنْهَا وَانْصِرَافُ هَمِّهِ إلَيْهَا حَتَّى يَصِيرَ قَلْبُهُ كَالْعَبْدِ وَيَتَفَرَّعُ عَنْ هَذِهِ الْعَلَاقَةِ أَكْثَرُ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ كَالْكِبْرِ وَالْحَسَدِ وَالرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَحُبِّ الثَّنَاءِ وَالتَّفَاخُرِ وَالثَّانِيَةُ بِالْبَدَنِ وَهُوَ اشْتِغَالُهُ بِإِصْلَاحِ مَا ذُكِرَ وَيُشِيرُ إلَيْهَا قَوْلُهُ (وَتَوَقُّعُ) انْتِظَارِ (حُصُولِ جَمِيعِ الْمَطَالِبِ وَبَقَائِهَا) وَتَفْصِيلُ تِلْكَ الْمَطَالِبِ عَلَى مَا ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ نَوْعَ الْإِنْسَانِ مُضْطَرٌّ إلَى الْقُوتِ وَالْمَسْكَنِ وَالْمَلْبَسِ فَمَسَّتْ الْحَاجَةُ إلَى الْفِلَاحَةِ لِتَحْصِيلِ النَّبَاتِ وَالرِّعَايَةِ لِحِفْظِ الْحَيَوَانِ وَإِنْمَائِهِ وَالِاقْتِنَاصِ لِتَحْصِيلِ نَحْوِ صَيْدٍ وَمَعْدِنٍ أَوْ حَطَبٍ وَالْحِيَاكَةِ كَالْغَزْلِ وَالْخِيَاطَةِ لِلْمَلْبَسِ وَالْبِنَاءِ لِلْمَسْكَنِ ثُمَّ هَذِهِ الصِّنَاعَاتُ مُفْتَقِرَةٌ إلَى الْأَدَوَاتِ وَالْآلَاتِ فَاحْتِيجَ إلَى النِّجَارَةِ وَهِيَ الْعَمَلُ فِي الْخَشَبِ وَالْحِدَادَةِ هِيَ الْعَمَلُ فِي الْمَعْدِنِ وَالْخَرْزِ هِيَ الْعَمَلُ فِي جُلُودِ الْحَيَوَانِ فَهَذِهِ أُمُّ الصِّنَاعَاتِ ثُمَّ لِكَوْنِ الْإِنْسَانِ مَدَنِيًّا بِالطَّبْعِ احْتَاجَ إلَى مُعَاشَرَةِ الزَّوْجِيَّةِ وَهَكَذَا وَهَكَذَا هِيَ الْمَطَالِبُ الدُّنْيَوِيَّةُ الْمَشَارَةُ (وَهُوَ) أَيْ تَوَقُّعُ حُصُولِ جَمِيعِ الْمَطَالِبِ وَبَقَائِهَا (جَهْلٌ) بِحَقِيقَةِ الْحَالِ إذْ النَّيْلُ لِجَمِيعِ تِلْكَ الْمُنَى مُحَالٌ لَا مَحَالَةَ
إنَّ مَنْ جَدَّ إلَى نَيْلِ الْمُنَى كَدَّ فِيمَا سَعْيُهُ لَنْ يُوصِلَا
فَاتْرُكِي نَفْسِي سَعْيًا فِي الْمُنَى لِتَنَالِي وَصْلَ مَنْ لَنْ يَفْصِلَا
(فَلْتَتَوَجَّهْ) أَيُّهَا السَّالِكُ (إلَى الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ) مِنْ مُرْضِيَاتِ الْحَسَنَاتِ مُعْرِضًا عَنْ مِثْلِ تِلْكَ الزَّائِلَاتِ الْفَانِيَاتِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ [الكهف: ٤٦] لَعَلَّ الْمُرَادَ مِنْ تِلْكَ الصَّالِحَاتِ هِيَ الْمُطْلَقَةُ الْعَامَّةُ وَإِنْ فُسِّرَتْ بِنَحْوِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالْحَجِّ وَصِيَامِ رَمَضَانَ وَمَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ أَنَّ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ تَأْتِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُجَنِّبَاتٍ وَمُعَقِّبَاتٍ وَهُنَّ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ فَلَعَلَّهُ مَجَازٌ لِكَوْنِهَا جَامِعَةً لِجَمِيعِ الْمَعَارِفِ الْإِلَهِيَّةِ كَمَا فِي الْفَيْضِ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى) تَحْذِيرًا مِنْ الْحُزْنِ الْمَذْكُورِ ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣] عِلَّةٌ لِلتَّقْرِيرِ وَالْكَتْبِ أَيْ أَثْبَتَ وَكَتَبَ لِكَيْ لَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ مِنْ نِعَمِ الدُّنْيَا ﴿وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣] بِمَا أَعْطَاكُمْ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا فَإِنَّ مَنْ عَلِمَ أَنَّ الْكُلَّ مُقَدَّرٌ هَانَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ وَالْمُرَادُ بِهِ نَفْيُ الْحُزْنِ الْمَانِعِ مِنْ التَّسْلِيمِ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْفَرَحِ الْمُوجِبِ لَلْبَطِرِ وَالِاخْتِيَالِ.
اعْلَمْ أَنَّ الْآفَاتِ إمَّا دِينِيَّةٌ وَهِيَ ثَلَاثٌ الْأُولَى أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا اسْتَشْعَرَ مِنْ نَفْسِهِ الْقُدْرَةَ بِالْمَالِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ فَإِنْ أَقْدَمَ هَلَكَ وَإِنْ صَبَرَ وَقَعَ فِي شِدَّةٍ الثَّانِيَةُ أَنَّ الْمَالَ يَجُرُّهُ إلَى التَّنَعُّمِ بِالْمُبَاحَاتِ ثُمَّ
[ ٣ / ١١٤ ]
يَجُرُّ بَعْضَهُ إلَى بَعْضٍ إلَى أَنْ لَا يَفِيَ الْحَلَالَ فَيَقْدَمُ الشُّبُهَاتِ وَيَتْبَعُهُ أَنْ يُصَانِعَ النَّاسَ بِالرِّيَاءِ وَالْمُدَاهَنَةِ وَالْكَذِبِ وَالنِّفَاقِ الثَّالِثَةُ أَنَّهُ يُلْهِيهِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّهُ خُسْرَانٌ عَظِيمٌ وَإِمَّا دُنْيَوِيَّةٌ كَالْخَوْفِ وَالْحُزْنِ وَالْهَمِّ وَالْغَمِّ وَالتَّعَبِ فِي دَفْعِ الْحُسَّادِ وَتَجَشُّمِ الْمَصَاعِبِ فِي حِفْظِ الْأَمْوَالِ فَإِذَنْ تِرْيَاقُ الْمَالِ أَخْذُ الْقُوتِ مِنْهُ وَصَرْفُ الْبَاقِي إلَى الْخَيْرَاتِ وَمَا عَدَاهُ سَمُومٌ وَآفَاتٌ وَإِلَى بَعْضِ مَا ذَكَرَ يُشِيرُ قَوْلُهُ (اعْلَمْ أَنَّ الْحُزْنَ إذَا أَخْرَجَ صَاحِبَهُ مِنْ الصَّبْرِ إلَى الْجَزَعِ) وَالشَّكْوَى (وَ) أَنَّ (الْفَرَحَ) إذَا أَخْرَجَ صَاحِبَهُ (مِنْ الشُّكْرِ إلَى الطُّغْيَانِ وَالْبَطَرِ) أَيْ الْكِبْرِ أَوْ الْأَشَرِ (فَحَرَامَانِ) قِيلَ مِنْ الْكَبَائِرِ لِلْوَعِيدِ الشَّدِيدِ (وَإِلَّا) وَإِنْ لَمْ يُخْرِجَا (فَلَا) بَلْ مَذْمُومَانِ وَمَكْرُوهَانِ تَنْزِيهًا (وَلَكِنَّ الْكَمَالَ اسْتِوَاءُ إتْيَانِ الدُّنْيَا وَفَوَاتِهَا) لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الْقَلْبِ وَإِقْبَالِهِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ أُخْبِرَ إلَيْهِ بِعَطَايَا كَثِيرَةٍ فَحَمِدَ ثُمَّ أُخْبِرَ أَنَّ قُطَّاعَ الطَّرِيقِ أَخَذُوهَا فَحَمِدَ أَيْضًا فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ الْأَوَّلُ لِعَدَمِ وِجْدَانِي فِي قَلْبِي سُرُورًا مِنْهَا وَالثَّانِي لِعَدَمِ وِجْدَانِي حُزْنًا مَا.
(وَهُوَ مَقَامُ التَّسْلِيمِ) قِيلَ هُوَ انْقِيَادُ إظْهَارِ الْعُبُودِيَّةِ (وَالتَّفْوِيضِ) هُوَ أَنْ لَا يَخْتَارَ الْعَبْدُ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَأَنْ يَرْضَى بِاخْتِيَارِ مَوْلَاهُ وَقِيلَ التَّفْوِيضُ قَبْلَ نُزُولِ الْقَضَاءِ وَالتَّسْلِيمُ بَعْدَهُ (وَذَلِكَ) الْمَقَامُ (عَزِيزٌ) نَادِرٌ (جِدًّا) لَا يُوجَدُ إلَّا فِي أَقَلِّ قَلِيلٍ.