(الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ الْفَظَاظَةُ وَغِلْظَةُ الْقَلْبِ) يُقَالُ رَجُلٌ فَظٌّ شَدِيدٌ غَلِيظُ الْقَلْبِ يُقَالُ مِنْهُ فَظَّ يَفَظُّ مِنْ بَابِ تَعِبَ فَظَاظَةً إذَا غَلُظَ حَتَّى يُهَابَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا﴾ [آل عمران: ١٥٩] سَيِّئَ الْخُلُقِ ﴿غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] قَاسِيَهُ بِحَيْثُ لَا تَلِينُ لِأَحَدٍ ﴿لانْفَضُّوا﴾ [آل عمران: ١٥٩] أَيْ تَفَرَّقُوا ﴿مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] الْأَوْلَى أَنْ يَذْكُرَ صَدْرَ الْآيَةِ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩]- قِيلَ، وَهَذَا مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ (الْآيَةَ)؛ لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَيْهِ مِنْهَا لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِذَلِكَ.
أَقُولُ آخِرُ الْآيَةِ - ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩]-، وَلَا يَخْفَى أَنَّ كُلًّا مِنْ الْعَفْوِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَالْمُشَاوَرَةِ مِنْ أَضْدَادِ الْفَظَاظَةِ أَوْ لَازِمٌ لَهَا وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ تَأَمَّلْ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: إنَّ مَعْنَى الْعَفْوِ مَضْمُونُ حَدِيثِ «أَفْضَلُ الْفَضَائِلِ أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَك وَتَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَك وَتُحْسِنَ لِمَنْ أَسَاءَ إلَيْك»، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ مِنْ قَلْبٍ غَلِيظٍ (وَضِدُّهَا اللِّينُ) اللَّيِّنَةُ فِي الْخُلُقِ (وَالرِّفْقُ وَالرِّقَّةُ) يُقَالُ فُلَانٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ (وَهِيَ) أَيْ الرِّقَّةُ (التَّأَذِّي مِنْ أَذًى يَلْحَقُ الْغَيْرَ وَالرَّحْمَةُ وَالشَّفَقَةُ، وَهُوَ صَرْفُ الْهِمَّةِ إلَى إزَالَةِ الْمَكْرُوهِ عَنْ النَّاسِ. خ م عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ لَا يَرْحَمُ» بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ «لَا يُرْحَمُ»
[ ٣ / ٦٩ ]
بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ مَنْ لَا يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الرَّحْمَةِ لَا يَرْحَمُهُ اللَّهُ تَعَالَى أَوْ مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ بِالْإِحْسَانِ لَا يُثَابُ مِنْ قِبَلِ الرَّحْمَنِ ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] أَوْ مَنْ لَا يَكُونُ فِيهِ رَحْمَةُ الْإِيمَانِ فِي الدُّنْيَا لَا يُرْحَمُ فِي الْآخِرَةِ، أَوْ مَنْ لَا يَرْحَمُ نَفْسَهُ بِامْتِثَالِ الْأَمْرِ وَتَجَنُّبِ النَّهْيِ لَا يَرْحَمُهُ اللَّهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عِنْدَهُ عَهْدٌ.
فَالرَّحْمَةُ الْأُولَى بِمَعْنَى الْأَعْمَالِ وَالثَّانِيَةُ بِمَعْنَى الْجَزَاءِ، وَلَا يُثَابُ إلَّا مَنْ عَمِلَ صَالِحًا أَوْ الْأُولَى الصَّدَقَةُ وَالثَّانِيَةُ الْبَلَاءُ أَيْ لَا يَسْلَمُ مِنْ الْبَلَاءِ إلَّا مَنْ تَصَدَّقَ، وَهُوَ بِالرَّفْعِ فِيهِمَا عَلَى الْخَبَرِ وَبِالْجَزْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَوْصُولَةٌ أَوْ شَرْطِيَّةٌ وَرُفِعَ الْأَوَّلُ وَجُزِمَ الثَّانِي، وَعَكْسُهُ، وَأَفَادَ الْحَثَّ عَلَى رَحْمَةِ جَمِيعِ الْخَلْقِ مُؤْمِنٍ وَكَافِرٍ وَحُرٍّ، وَقِنٍّ وَبَهِيمَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَدَخَلَ فِي الرَّحْمَةِ التَّعَهُّدُ بِنَحْوِ إطْعَامٍ وَتَخْفِيفِ حَمْلٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَسَبَبُ وُرُودِ الْحَدِيثِ أَنَّ «النَّبِيَّ - ﵊ - قَبَّلَ الْحُسَيْنَ، وَقَالَ الْأَقْرَعُ لِي عَشَرَةٌ مِنْ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا فَنَظَرَ إلَيْهِ» فَذَكَرَهُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: هَذَا حَدِيثٌ مُتَوَاتِرٌ ثُمَّ مَعْنَى رَحْمَتِهِ تَعَالَى هُوَ رِضَاهُ؛ لِأَنَّ مَنْ رَقَّ لَهُ الْقَلْبُ فَقَدْ عَرَضَ لَهُ الْإِنْعَامُ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مَنْ «لَا يَرْحَمُ النَّاسَ لَا يَرْحَمُهُ اللَّهُ» فَهَذَا كَالتَّفْسِيرِ لِلْحَدِيثِ الْأَوَّلِ فَمَا ذُكِرَ مِنْ الْمَعَانِي السَّابِقَةِ غَيْرُ ذَلِكَ كَالْمُمْتَنِعِ إرَادَتُهُ، وَفِيهِ أَيْضًا «مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ وَمَنْ لَا يَغْفِرُ لَا يُغْفَرُ لَهُ وَمَنْ لَا يَتُبْ لَا يُتَبْ عَلَيْهِ»، وَأَيْضًا فِي الْحَدِيثِ «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمْ الرَّحْمَنُ» وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «ارْحَمْ مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكَ مَنْ فِي السَّمَاءِ» وَفِي رِوَايَةٍ «ارْحَمُوا تُرْحَمُوا وَاغْفِرُوا يُغْفَرْ لَكُمْ»، وَأَيْضًا فِي الْحَدِيثِ «إنَّ الْعَبْدَ لَيَقِفُ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ تَعَالَى فَيَطُولُ وُقُوفُهُ حَتَّى يُصِيبَهُ مِنْ ذَلِكَ كَرْبٌ شَدِيدٌ فَيَقُولُ يَا رَبِّ ارْحَمْنِي الْيَوْمَ فَيَقُولُ لَهُ هَلْ رَحِمْت شَيْئًا مِنْ خَلْقِي مِنْ أَجْلِي فَأَرْحَمُك» قِيلَ، وَفِيهِ نَدْبٌ إلَى الْعَطْفِ إلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْحَيَوَانِ، وَأَهَمُّهَا الْآدَمِيُّ مُطْلَقًا قِيلَ وَرُئِيَ الْغَزَالِيُّ فِي النَّوْمِ فَقِيلَ لَهُ مَا فَعَلَ اللَّهُ بِك فَقَالَ أَوْقَفَنِي بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ بِمَ جِئْتنِي فَذَكَرْت أَنْوَاعًا مِنْ الطَّاعَاتِ فَقَالَ مَا قَبِلْت مِنْهَا شَيْئًا لَكِنْ جَلَسْت تَكْتُبُ فَوَقَفَتْ ذُبَابَةٌ عَلَى الْقَلَمِ فَتَرَكْتهَا تَشْرَبَ مِنْ الْحِبْرِ رَحْمَةً لَهَا فَكَمَا رَحِمْتَ رَحِمْتُك اذْهَبْ فَقَدْ غَفَرْت لَك.
(ت عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت أَبَا الْقَاسِمِ - ﵊ -) هَذَا مِنْ كُنْيَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي التتارخانية: وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُكَنَّى بِكُنْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﵊ - وَمَا رُوِيَ «سَمُّوا بِاسْمِي، وَلَا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِي» فَقِيلَ إنَّهُ مَنْسُوخٌ، وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - سَمَّى ابْنًا لَهُ مُحَمَّدًا وَكَنَّاهُ بِأَبِي الْقَاسِم بِإِذْنٍ مِنْهُ - ﵊ -، وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - «أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنِّي وَلَدْت غُلَامًا فَسَمَّيْته مُحَمَّدًا وَكَنَّيْته أَبَا الْقَاسِمِ وَذَكَرْت أَنَّك تَكْرَهُ ذَلِكَ فَقَالَ مَا الَّذِي أَحَلَّ اسْمِي وَحَرَّمَ كُنْيَتِي أَوْ مَا الَّذِي حَرَّمَ كُنْيَتِي وَأَحَلَّ اسْمِي»، وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ مَنْ سَمَّى بِاسْمِ رَسُولِ اللَّهِ كُرِهَ أَنْ يُكَنَّى بِكُنْيَتِهِ ثُمَّ عَادَةُ الْعَرَبِ أَنْ يُكَنَّى بِأَوَّلِ وَلَدِهِ يُقَالُ أَبُو فُلَانٍ وَأُمُّ فُلَانٍ، وَلَا يُكَنَّى بِلَا وَلَدٍ.
وَأَمَّا لَوْ كَنَّى بِمِثْلِ أَبِي بَكْرٍ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ فَقِيلَ يُكْرَهُ لِكَذِبِهِ وَالْأَصَحُّ لَا لِلتَّفَاؤُلِ. انْتَهَى مُلَخَّصًا. (يَقُولُ: «لَا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إلَّا مِنْ شَقِيٍّ»؛ لِأَنَّ الرَّحْمَةَ فِي الْخَلْقِ رِقَّةُ الْقَلْبِ وَرِقَّتُهُ عَلَامَةُ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَا رِقَّةَ لَهُ لَا إيمَانَ لَهُ وَمَنْ لَا إيمَانَ لَهُ شَقِيٌّ فَمَنْ لَا يُرْزَقُ الرَّحْمَةَ فَشَقِيٌّ فَعُلِمَ أَنَّ غِلْظَةَ الْقَلْبِ مِنْ عَلَامَةِ الشَّقَاوَةِ وَعَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: حَقِيقَةُ الرَّحْمَةِ إرَادَةُ الْمَنْفَعَةِ فَإِذَا ذَهَبَتْ إرَادَتُهَا مِنْ قَلْبٍ فَلَزِمَ إرَادَةُ مَكْرُوهٍ لِغَيْرِهِ فَشَقِيٌّ وَذَهَبَ عَنْهُ الْإِيمَانُ كَمَا يَلْزَمُ أَنْ يَسْلَمَ الْمُسْلِمُ مِنْ يَدِهِ وَلِسَانِهِ كَذَلِكَ يَلْزَمُ سَلَامَتُهُ مِنْ قَلْبِهِ، وَعَقِيدَتِهِ وَعَنْ الْقُرْطُبِيِّ الرَّحْمَةُ رِقَّةٌ
[ ٣ / ٧٠ ]
يَجِدُهَا الْإِنْسَانُ فِي نَفْسِهِ عِنْدَ رُؤْيَةِ مُبْتَلًى أَوْ صَغِيرٍ أَوْ ضَعِيفٍ تَحْمِلُهُ عَلَى الْإِحْسَانِ لَهُ وَاللُّطْفِ وَالرِّفْقِ بِهِ وَالسَّعْيِ فِي كَشْفِ مَا بِهِ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ هَذِهِ الرَّحْمَةَ فِي الْحَيَوَانِ كُلِّهِ يَعْطِفُ الْحَيَوَانُ عَلَى نَوْعِهِ وَوَلَدِهِ وَيَحِنُّ عَلَيْهِ حَالَ ضَعْفِهِ وَحِكْمَتُهَا تَصْغِيرُ الْقَوِيِّ لِلضَّعِيفِ، وَهَذِهِ الرَّحْمَةُ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ فِي الْقُلُوبِ فِي هَذِهِ الدَّارِ الَّتِي ثَمَرَتُهَا هَذِهِ الْمَصْلَحَةُ الْعَظِيمَةُ الَّتِي هِيَ حِفْظُ النَّوْعِ رَحْمَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ مِائَةٍ ادَّخَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ فَمَنْ كَانَ فِيهِ الرَّحْمَةُ فِي هَذِهِ الدَّارِ فَسَيَرْحَمُهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي تِلْكَ الدَّارِ عَلَى قَدْرِ رَحْمَتِهِ فَمَنْ سُلِبَ مِنْهُ ذَلِكَ بِالْقَسْوَةِ وَالْغِلْظَةِ، وَعَدَمِ اللُّطْفِ بِضَعِيفٍ وَشَفَقَةٍ بِمُبْتَلًى فَقَدْ شَقِيَ حَالًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَامَةً عَلَى شِقْوَتِهِ مَآلًا نَعُوذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى.
هَذَا ثُمَّ قِيلَ هُنَا بِنَحْوِ أَمْثَالِ الْعَرَبِ لَا تَكُنْ رَطْبًا فَتُعْصَرْ، وَلَا يَابِسًا فَتُكْسَرْ وَبِنَحْوِ حَدِيثِ «لَا تَكُنْ مُرًّا فَتُعْقَى أَيْ تُكْرَهَ، وَلَا حُلْوًا فَتُسْرَطَ» وَيَقُولُ لُقْمَانُ لِابْنِهِ لَا تَكُنْ حُلْوًا فَتُؤْكَلَ، وَلَا مُرًّا فَتُلْفَظَ فَفِي هَذَا كُلِّهِ نَهْيٌ عَنْ اللِّينِ وَأُجِيبُ بِأَنَّ خَيْرَ الْأُمُورِ أَوْسَطُهَا أَقُولُ لَا يَخْفَى أَنَّ بَعْضَهَا لَا يَصْلُحُ إشْكَالًا عَلَى الْحَدِيثِ فِي نَفْسِهِ، وَفِي حَدِيثِ الطَّبَرَانِيِّ «الْمُؤْمِنُ هَيِّنٌ لَيِّنٌ جَوَّادٌ سَمْحٌ لَهُ خُلُقٌ حَسَنٌ، وَالْكَافِرُ فَظٌّ غَلِيظٌ لَهُ خُلُقٌ سَيِّئٌ» .
وَأَسْبَابُهَا أَيْ الْفَظَاظَةِ النَّوْمُ عَلَى الطَّعَامِ قَبْلَ انْهِضَامِهِ وَالْمُوَاظَبَةُ عَلَى اللَّحْمِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَكَثْرَةُ الضَّحِكِ وَالتَّوَغُّلُ عَلَى الْقِيلِ وَالْقَالِ وَالتَّكَلُّمُ بِمَا لَا يَعْنِيهِ وَالتَّوَغُّلُ عَلَى الْفِقْهِ دُونَ عِلْمِ الزُّهْدِ، وَعَلَامَتُهَا جُمُودُ الْعَيْنِ، وَعَبُوسَةُ الْوَجْهِ وَكَثْرَةُ الْمُجَادَلَةِ وَالتَّعَصُّبُ، وَلُزُومُ الظَّوَاهِرِ، وَالْعَمَلُ بِالْعُرْفِ دُونَ الشَّرْعِ وَتَرْكُ الصَّدَقَةِ وَآفَاتُهَا السُّقُوطُ فِي نَظَرِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْبُعْدُ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْخِذْلَانُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَعِلَاجُهَا مَسْحُ رَأْسِ الْيَتِيمِ، وَإِكْثَارُ الصَّدَقَةِ وَمُجَالَسَةُ الْفُقَرَاءِ وَالْجُوعُ وَالذِّكْرُ، وَضِدُّهَا اللِّينُ وَرِقَّةُ الْقَلْبِ وَالرَّحْمَةُ وَالشَّفَقَةُ وَالْأُلْفَةُ وَيُقَالُ الْعُنْفُ نَتِيجَةُ الْفَظَاظَةِ وَالرِّفْقُ نَتِيجَةُ اعْتِدَالِ قُوَّةِ الشَّهْوَةِ وَالْغَضَبِ، وَلِذَلِكَ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «يَا عَائِشَةُ مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ الرِّفْقِ فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِهِ مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ الرِّفْقِ فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ الْخَيْرِ الْحَدِيثَ: إذْ بِهِ تُنَالُ الْمَطَالِبُ الدِّينِيَّةُ وَالدُّنْيَوِيَّةُ وَبِفَوْتِهِ يَفُوتَانِ