(الرَّابِعَ عَشَرَ الْعُجْبُ) فِي الصِّحَاحِ قَدْ أُعْجِبَ فُلَانٌ بِنَفْسِهِ يَعْنِي بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ فَهُوَ مُعْجَبٌ بِرَأْيِهِ وَبِنَفْسِهِ، وَالِاسْمُ الْعُجْبُ (وَهُوَ اسْتِعْظَامُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ) أَيْ اعْتِقَادُ عَظَمَةِ عَمَلِهِ (وَذِكْرُ حُصُولِ شَرَفِهِ بِشَيْءٍ) حَالَ كَوْنِ ذَلِكَ الشَّيْءِ (دُونَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ النَّفْسِ أَوْ النَّاسِ) بَيَانٌ لِغَيْرِهِ تَعَالَى قِيلَ هُنَا اعْلَمْ أَنَّ الْعُجْبَ إنَّمَا يَكُونُ بِصِفَةِ الْكَمَالِ لَا مَحَالَةَ وَلِلْعَالِمِ بِكَمَالِ نَفْسِهِ مُطْلَقًا حَالَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنْ يَكُونَ خَائِفًا عَلَى تَكَدُّرِهِ أَوْ زَوَالِهِ مِنْ أَصْلِهِ فَهَذَا لَيْسَ بِمُعْجَبٍ وَالْأُخْرَى أَنْ يَكُونَ خَائِفًا وَلَكِنْ يَكُونُ فَرِحًا بِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ نِعْمَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ لَا مِنْ حَيْثُ إضَافَتُهُ إلَى نَفْسِهِ، وَهَذَا لَيْسَ أَيْضًا بِمُعْجَبٍ وَلَهُ حَالَةٌ ثَالِثَةٌ وَهِيَ أَنْ لَا يَكُونَ خَائِفًا عَلَيْهِ، بَلْ يَكُونُ فَرِحًا بِهِ مُطْمَئِنًّا إلَيْهِ حَيْثُ إنَّهُ كَمَالٌ وَنِعْمَةٌ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ عَطِيَّةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، بَلْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ صِفَةٌ لَهُ وَمَنْسُوبٌ إلَيْهِ نَاسِيًا أَنَّهُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَهَذَا هُوَ الْعُجْبُ الَّذِي ذُكِرَ هُنَا (وَقَدْ يُطْلَقُ) الْعُجْبُ (عَلَى مُطْلَقِ اسْتِعْظَامِ النِّعْمَةِ وَالرُّكُونِ) أَيْ الْمَيْلِ (إلَيْهَا) دِينِيًّا أَوْ دُنْيَوِيًّا (مَعَ نِسْيَانِ إضَافَتِهَا إلَى الْمُنْعِمِ وَضِدُّهُ) أَيْ الْعُجْبِ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ (ذِكْرُ الْمِنَّةِ) أَيْ النِّعْمَةِ وَالْعَطِيَّةِ (مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ وَهُوَ) أَيْ ذِكْرُهَا (أَنْ يَذْكُرَ أَنَّهُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّهُ) أَيْ اللَّهَ تَعَالَى (الَّذِي شَرَّفَهُ وَعَظَّمَ ثَوَابَهُ وَقَدْرَهُ) بِفَضْلِهِ بِغَيْرِ صُنْعٍ مِنْهُ (وَهَذَا الذِّكْرُ فَرْضٌ) عَلَى الْعَبْدِ (عِنْدَ دَوَاعِي الْعُجْبِ) مُسْتَحَبٌّ فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ.
(وَسَبَبُ الْعُجْبِ فِي الْحَقِيقَةِ الْجَهْلُ الْمَحْضُ) قِيلَ هُوَ مَنْشَأُ عُجْبِ الْمُعْتَزِلَةِ حَيْثُ قَالُوا بِكَوْنِ الْعَبْدِ خَالِقًا لِأَفْعَالِهِ الِاخْتِيَارِيَّةِ فِرَارًا مِنْ الْجَبْرِ فَوَقَعُوا فِي الْعُجْبِ بِنَاءً عَلَى هَذَا (أَوْ الْغَفْلَةُ أَوْ الذُّهُولُ) هَذَا سَبَبُ عُجْبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ؛ لِأَنَّهُمْ قَائِلُونَ بِأَنَّ كَوْنَ كُلِّ شَيْءٍ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِرَادَتِهِ وَأَنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ مِنْهُ وَحْدَهُ وَالْعُجْبُ مَعَ تَذَكُّرِهِ ذَلِكَ لَا يُتَصَوَّرُ، بَلْ يَحْصُلُ مِنْ الذُّهُولِ وَالْغَفْلَةِ عَنْ ذَلِكَ.
(فَعِلَاجُهُ الْجُمَلِيُّ) أَيْ الْإِجْمَالِيُّ (مَعْرِفَةُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِرَادَتِهِ) فَلَا يَشْكُلُ عَلَيْهِ مَا قَدَّمَهُ مِنْ أَنَّ الْجُزْءَ الِاخْتِيَارِيَّ مِنْ الْإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ مَرْجِعُ الْكَسْبِ لَيْسَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ وَلَا يَتَعَلَّقُ الْخَلْقُ إلَّا بِالْمَوْجُودِ كَمَا مَرَّ (وَأَنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ) هِيَ الْمُسْتَلَذُّ الْمَحْمُودُ الْعَاقِبَةِ (مِنْ عَقْلٍ) بَيَانٌ (وَعِلْمٍ وَعَمَلٍ وَجَاهٍ وَمَالٍ وَغَيْرِهَا) كُلُّهَا (مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ) لَا خَالِقَ وَلَا مُنْعِمَ سِوَاهُ هَذَا عِلَاجُ الْعُجْبِ النَّاشِئِ مِنْ الْجَهْلِ بِذَلِكَ وَهُوَ عُجْبُ الْمُعْتَزِلَةِ وَرُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا نَظَرَ بَعْضٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ إلَى كَثْرَةِ الْعَسْكَرِ وَأَسْلِحَتِهِمْ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ، قِيلَ إنَّهُ هُوَ الصِّدِّيقُ الْأَعْظَمُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -
[ ٢ / ٢٣٤ ]
قَالَ إعْجَابًا مِنْ الْكَثْرَةِ وَالشَّوْكَةِ لَا انْهِزَامَ لَنَا فِيمَا بَعْدُ وَلَمَّا وَصَلَ إلَى سَمْعِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَرِهَ ذَلِكَ فَرَفَعَ اللَّهُ النُّصْرَةَ فِي أَوَّلِ تِلْكَ الْغَزْوَةِ تَأْدِيبًا لَهُمْ بِأَنَّ الْكَثْرَةَ لَا تُغْنِي شَيْئًا بِدُونِ نُصْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
قَالَ تَعَالَى ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة: ٢٥] .
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - مَا أَصَابَ دَاوُد - ﵊ - ذَنْبٌ إلَّا شَيْءٌ مِنْ نَحْوِ الْعُجْبِ إذْ قَالَ يَا رَبِّ مَا يَأْتِي مِنْ لَيْلَةٍ إلَّا وَإِنْسَانٌ مِنْ آلِ دَاوُد قَائِمٌ وَلَا يَأْتِي مِنْ يَوْمٍ إلَّا وَإِنْسَانٌ مِنْ آلِ دَاوُد صَائِمٌ فَأَوْحَى اللَّهُ ﷿ لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ إلَّا بِي وَلَوْلَا عَوْنِي إيَّاكَ مَا قَوِيت عَلَى ذَلِكَ وَسَأَكِلُك إلَى نَفْسِك وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ لَأَكِلَنك إلَى نَفْسِك فَابْتَلَاهُ بِمَا ابْتَلَاهُ (وَ) عِلَاجُ الْعُجْبِ النَّاشِئِ مِنْ الْغَفْلَةِ وَهُوَ عُجْبُ أَهْلِ السُّنَّةِ (التَّنَبُّهُ وَالتَّيَقُّظُ) عَنْ الْغَفْلَةِ (بِذِكْرِهِ) أَيْ بِتَذَكُّرِ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى إلَى آخِرِهِ (وَإِخْطَارِهِ) كَذَلِكَ (بِالْبَالِ وَفِي الظَّاهِرِ) أَسْبَابُ الْعُجْبِ (أَسْبَابُ الْكِبْرِ السَّبْعَةِ السَّابِقَةِ) فِي الْمَبْحَثِ الثَّالِثِ (وَالْعِلَاجُ التَّفْصِيلِيُّ) لِكُلِّ سَبَبٍ مِنْهَا هُنَا (يُعْرَفُ مِمَّا سَبَقَ) فِي عِلَاجِهِ، ثُمَّ قِيلَ هُنَا عَنْ الْفَقِيهِ الْعُجْبُ يُدْفَعُ بِأَرْبَعَةٍ إذَا رَأَى تَوْفِيقًا يُشْغَلُ بِشُكْرِهِ وَإِذَا رَأَى نِعْمَةً يُشْغَلُ بِشُكْرِهَا وَأَنْ يَخَافَ عَدَمَ قَبُولِ الْعَمَلِ وَأَنْ يَخَافَ تَرْجِيحَ سَيِّئَاتِهِ وَكَيْفَ يُعْجَبُ الْمَرْءُ بِعَمَلِهِ وَلَا يَدْرِي مَاذَا يَخْرُجُ مِنْ كِتَابِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِنَّمَا يَتَبَيَّنُ عُجْبُهُ وَسُرُورُهُ بَعْدَ قِرَاءَةِ الْكُتُبِ (فَعَلَى السَّالِكِ) الَّذِي يَسْلُكُ مِنْ الدُّنْيَا إلَى الْعُقْبَى وَيُرِيدُ سَلَامَةَ بِضَاعَتِهِ، وَرَأْسُ مَالِ تِجَارَتِهِ فِي تِلْكَ الْعُقْبَى (الشُّكْرُ عَلَى كُلِّ مَا وَجَدَ فِيهِ مِنْ النِّعَمِ مِنْ عِلْمٍ وَعَمَلٍ وَغَيْرِهِمَا وَ) الشُّكْرُ أَيْضًا (عَلَى تَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَوْنِهِ وَنَصْرِهِ وَخَلْقِهِ وَإِعْطَائِهِ إيَّاهُ لَهُ) .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] وَقَالَ ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٢١]- (وَمِنْ أَقْوَى الْعِلَاجِ مَعْرِفَةُ آفَاتِهِ) أَيْ الْعُجْبِ (وَهِيَ كَثِيرَةٌ) فَإِنَّ الْعُجْبَ يَدْعُو إلَى الْكِبْرِ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ أَسْبَابِهِ فَيَتَوَلَّدُ مِنْهُ الْكِبْرُ الْحَاوِي لِآفَاتٍ كَثِيرَةٍ كَمَا قَالَ (وَيَكْفِيك أَنَّهُ سَبَبٌ لِلْكِبْرِ وَنِسْيَانِ الذُّنُوبِ) الْمُتَسَبِّبِ عَنْ قَسْوَةِ الْقَلْبِ فَإِنَّ مَنْ عَدَّ عَمَلَهُ عَظِيمًا قَلَّمَا يَخْلُو عَنْ الْكِبْرِ وَأَنَّ مَنْ يَتَذَكَّرُ ذُنُوبَهُ لَا يَسْتَعْظِمُ عَمَلَهُ وَلَا يَخْلُو عَنْ إضَافَةِ عَمَلِهِ إلَى رَبِّهِ وَكَذَا بَوَاقِيهِ فَلَا يُتَوَهَّمُ، بَلْ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ فَإِنَّ نِسْيَانَ الذُّنُوبِ يَدْعُو إلَى الْكِبْرِ (وَ) نِسْيَانَ (نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى بِالتَّوْفِيقِ وَالتَّمْكِينِ) أَيْ الْأَقْدَارِ يَشْكُلُ أَنَّ اسْتِعْظَامَ الْعَمَلِ لَا يُنَافِي مُلَاحَظَةَ التَّوْفِيقِ سِيَّمَا عَلَى قَاعِدَةِ أَهْلِ الْحَقِّ فِي أَفْعَالِ الْعِبَادِ إذْ لَا يَخْلُو التَّوْفِيقُ عَنْ مَدْخَلِ الْعَبْدِ عَلَى جَرْيِ عَادَتِهِ تَعَالَى فَتَأَمَّلْ فِيهِ.
(وَ) سَبَبٌ (لِلْأَمْنِ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَذَابِهِ) فَإِنَّ مَنْ فِيهِ خَوْفُ اللَّهِ لَا يَسْتَعْظِمُ عَمَلَهُ فَإِنَّ الْعَمَلَ يُسْتَعْظَمُ عِنْدَ كَوْنِهِ مَقْبُولًا عِنْدَهُ تَعَالَى وَالْقَبُولُ يُوجِبُ الْأَمْنَ وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ الْعِلَّةَ
[ ٢ / ٢٣٥ ]
الْمُقْتَضِيَةَ، بَلْ السَّبَبُ الدَّاعِي فِي الْجُمْلَةِ (وَ) سَبَبٌ (لَأَنْ يَرَى أَنَّ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنَّةً وَحَقًّا بِأَعْمَالِهِ الَّتِي هِيَ نِعْمَةٌ مِنْ نِعَمِهِ وَعَطِيَّةٌ مِنْ عَطَايَاهُ تَعَالَى) أَنْعَمَ بِهَا عَلَى ذَلِكَ الْعَبْدِ الْمُعْجَبِ بِذَلِكَ الْعَمَلِ فَالْفَضْلُ لَهُ تَعَالَى وَلَا حَقَّ لِلْعَبْدِ عَلَى مَوْلَاهُ (وَ) سَبَبٌ (يَدْعُو إلَى أَنْ يُزَكِّيَ نَفْسَهُ) لِأَنَّ كُلَّ فِعْلِهَا حَسَنَاتٌ فِي اعْتِقَادِهَا وَأَنَّهُ مَيْلٌ إلَى قَاعِدَةِ الِاعْتِزَالِ فِي خَلْقِ الْأَعْمَالِ مِنْ عَدَمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، بَلْ بِقُدْرَةِ الْعَبْدِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى - ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢]- (وَبِمَنْعِهِ مِنْ الِاسْتِفَادَةِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ أَعْلَى مِنْهُ فِي اعْتِقَادِهِ؛ وَلِذَا قِيلَ لَا يَنَالُ الْعِلْمَ مُسْتَحْيٍ وَلَا مُتَكَبِّرٌ وَسُئِلَ أَبُو حَنِيفَةَ - ﵀ - كَيْفَ وَجَدْت الْعِلْمَ قَالَ بِأَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ تَمَلَّقْت كَالْكَلْبِ وَتَوَاضَعْت كَالسِّنَّوْرِ وَصَبَرْت كَالْحِمَارِ وَصِحْت كَالْغُرَابِ (وَالِاسْتِشَارَةِ) مَعَ أَصْحَابِ الرَّأْيِ مَعَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهَا، بَلْ هِيَ مِيزَانُ الِاعْتِدَالِ (زَهَقَ) الْبَزَّارُ وَالْبَيْهَقِيُّ (عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ثَلَاثٌ» نَكِرَةٌ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ وَمِنْ ثَمَّةَ وَقَعَتْ مُبْتَدَأً أَيْ خِصَالٌ ثَلَاثٌ وَالْخَبَرُ قَوْلُهُ «مُهْلِكَاتٌ» أَيْ يُرْدِينَ فَاعِلَهُنَّ لِلْهَلَاكِ («شُحٌّ» بُخْلٌ «مُطَاعٌ» يُطِيعُهُ صَاحِبُهُ فِي مَنْعِ الْحُقُوقِ الَّتِي أَوْجَبَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِي مَالِهِ يُقَالُ أَطَاعَهُ يُطِيعُهُ فَهُوَ مُطِيعٌ وَالِاسْمُ الطَّاعَةُ أَوْ يُطِيعُ هُوَ بُخْلَهُ فَلَا يُؤَدِّي حُقُوقَ الْحَقِّ وَالْخَلْقِ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩] وَفِي التَّقْيِيدِ تَنْبِيهٌ أَنَّ هَذَا الذَّمَّ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالِانْقِيَادِ دُونَ نَفْسِ الْبُخْلِ كَمَا نُقِلَ عَنْ الرَّاغِبِ «وَهَوًى مُتَّبَعٌ» بِأَنْ يَتَّبِعَ كُلٌّ فِي قَوْلِهِ أَوْ فِعْلِهِ الْهَوَى أَوْ هُوَ يَتَّبِعُ هَوَاهُ فِي كُلِّ مَا أُمِرَ بِهِ «وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ» أَيْ تَحْسِينُ كُلِّ أَحَدٍ نَفْسَهُ عَلَى غَيْرِهِ وَإِنْ قَبِيحًا وَعَنْ الْقُرْطُبِيِّ أَنَّهُ مُلَاحَظَتُهُ لَهُ بِعَيْنِ الْكَمَالِ مَعَ نِسْيَانِ مِنَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْإِعْجَابِ وَجَدَ أَنَّ الشَّيْءَ حَسَنًا فَثَمَرَةُ الْعُجْبِ الْهَلَاكُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قِصَّةِ قَارُونَ - ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨]- قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ﴾ [القصص: ٨١] قَالَ الْغَزَالِيُّ أُمَّهَاتُ الْخَبَائِثِ الْمُهْلِكَةُ ثَلَاثٌ غَالِبَةٌ عَلَى مُتَفَقِّهَةِ الْعَصْرِ الْحَسَدُ وَالرِّيَاءُ وَالْعُجْبُ فَاجْتَهِدْ فِي تَطْهِيرِ قَلْبِك مِنْهَا فَإِنْ عَجَزْت عَنْهُ فَأَنْتَ فِي غَيْرِهِ أَعْجَزُ وَلَا تَظُنُّ أَنَّهُ يَسْلَمُ لَك بِنِيَّةٍ صَالِحَةٍ تَعَلُّمُ الْعِلْمِ وَفِي قَلْبِك شَيْءٌ مِنْ الْحَسَدِ وَالرِّيَاءِ وَالْعُجْبِ، وَثَمَرَةُ الْعُجْبِ أَنْ يَقُولَ أَنَا وَأَنَا كَمَا قَالَ إبْلِيسُ وَنَتِيجَتُهُ فِي الْمَجَالِسِ التَّقَدُّمُ وَالتَّرَفُّعُ وَطَلَبُ التَّصَدُّرِ وَفِي الْمُحَاوَرَةِ الِاسْتِنْكَافُ مِنْ أَنْ يُرَدَّ كَلَامُهُ وَذَلِكَ مُهْلِكٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْكِبَارِ مِمَّا يُشْعِرُ بِالْإِعْجَابِ نَحْوُ مَا تَحْتَ خَضْرَاءِ السَّمَاءِ مِثْلِي وَنَحْوُ أَسْرَجْت وَطُفْت فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ وَقُلْت هَلْ مِنْ مُبَارِزٍ فَلَمْ يَخْرُجْ إلَيَّ أَحَدٌ فَمَحْمُولٌ عَلَى نَحْوِ حَالِ السُّكْرِ كَمَا قِيلَ عَنْ الْعَوَارِفِ وَقَدْ سَمِعْت بَعْضَ تَفْصِيلِ الْحَدِيثِ فِي سَابِعِ آفَاتِ الْقَلْبِ وَمِنْ لَطَائِفِ هَذَا
[ ٢ / ٢٣٦ ]
الْحَدِيثِ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ سَابِقًا مِنْ وَجْهِ حِكْمَةِ مِعْرَاجِ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ أَنَّهُ اخْتَصَمَ الْمَلَأُ الْأَعْلَى وَنَاظَرُوا فِي أَرْبَعِ مَسَائِلَ مِقْدَارَ أَرْبَعَةِ آلَافِ سَنَةٍ وَلَمْ يُوَفَّقُوا لِحَلِّهَا فَلَمَّا بُعِثَ نَبِيُّنَا - ﵇ - عَلِمُوا أَنَّ هَذِهِ الْمُشْكِلَاتِ إنَّمَا تَنْحَلُّ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَضَرَّعُوا إلَى اللَّهِ تَعَالَى لِأَجْلِهِ فَدَعَا اللَّهُ حَبِيبَهُ إلَى مَقَامِ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى.
وَمِنْ جُمْلَةِ هَذَا الْوَحْيِ قَوْلُهُ - ﵊ -: «رَأَيْت رَبِّي بِأَحْسَنِ صُورَةٍ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى فَقُلْت أَنْتَ تَعْلَمُ يَا رَبِّ فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفِي فَوَجَدْت بَرْدَهَا بَيْنَ ثَدْيَيْ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى فَقُلْت نَعَمْ فِي الْكَفَّارَاتِ وَالْمُنْجِيَاتِ وَالدَّرَجَاتِ وَالْمُهْلِكَاتِ، قَالَ صَدَقْت يَا مُحَمَّدُ ثُمَّ قَالَ يَا مَلَائِكَتِي وَجَدْتُمْ حَلَّالَ الْمُشْكِلَاتِ فَاسْأَلُوا أَشْكَالَكُمْ، فَقَالَ إسْرَافِيلُ مَا الْكَفَّارَاتُ؟ فَقَالَ - ﵊ - إسْبَاغُ الْوُضُوءِ فِي الْمَكَارِهِ وَمَشْيُ الْأَقْدَامِ إلَى الْجَمَاعَاتِ وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، ثُمَّ قَالَ مِيكَائِيلُ مَا الدَّرَجَاتُ؟ فَقَالَ إطْعَامُ الطَّعَامِ وَإِفْشَاءُ السَّلَامِ وَالصَّلَاةُ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، ثُمَّ قَالَ جَبْرَائِيلُ مَا الْمُنْجِيَاتُ؟ فَقَالَ خَشْيَةُ اللَّهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ وَالْقَصْدُ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى وَالْعَدْلُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا، ثُمَّ قَالَ عَزْرَائِيلُ مَا الْمُهْلِكَاتُ؟ فَقَالَ شُحٌّ مُطَاعٌ وَهَوًى مُتَّبَعٌ وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كُلٍّ صَدَقَ مُحَمَّدٌ» (ز) الْبَزَّارُ.
(عَنْهُ) أَيْ عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَخَشِيت عَلَيْكُمْ مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ» لِأَنَّ صَاحِبَ الذَّنْبِ لَا يَأْمَنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ وَعَذَابِهِ وَلَا يَرَى لَهُ مِنَّةً وَحَقًّا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى بَلْ يَكُونُ خَائِفًا مِنْ ذَنْبِهِ رَاجِيًا عَفْوَهُ «الْعُجْبَ الْعُجْبَ» لِأَنَّ الْعَاصِيَ يَعْرِفُ عِصْيَانَهُ فَيَرْجُو لَهُ التَّوْبَةَ وَالْمُعْجَبُ مَغْرُورٌ بِعِلْمِهِ وَعَمَلِهِ فَتَوْبَتُهُ بَعِيدَةٌ وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا؛ وَلِذَا قِيلَ أَنِينُ الْمُذْنِبِينَ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ زَجَلِ صَوْتِ الْمُسَبِّحِينَ؛ لِأَنَّ زَجَلَهُمْ يَشُوبُهُ الِافْتِخَارُ وَأَنِينَ أُولَئِكَ يَشُوبُهُ الِانْكِسَارُ، وَالْمُؤْمِنُ حَبِيبُ اللَّهِ يَصُونُهُ وَيَصْرِفُهُ عَمَّا يُفْسِدُهُ إلَى مَا يُصْلِحُهُ وَالْعُجْبُ يَصْرِفُ وَجْهَ الْعَبْدِ عَنْ اللَّهِ وَالذَّنْبُ يَصْرِفُهُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْعُجْبَ يُنْتِجُ الِاسْتِكْبَارَ وَالذَّنْبَ يُنْتِجُ الِاضْطِرَارَ وَيُؤَدِّي إلَى الِافْتِقَارِ، وَخَيْرُ أَوْصَافِ الْعَبْدِ افْتِقَارُهُ وَاضْطِرَارُهُ إلَى رَبِّهِ، قِيلَ هَذَا مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِ السَّلَفِ إنَّ الْعَبْدَ يَعْمَلُ الذَّنْبَ يَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ لِخَوْفِهِ مِنْ أَجْلِهِ وَيَعْمَلُ الْحَسَنَةَ يَدْخُلُ بِهَا النَّارَ لِكِبْرِهِ وَعُجْبِهِ وَرِيَائِهِ بِهَا.
(وَأَقْبَحُ الْعُجْبِ الْعُجْبُ بِالرَّأْيِ الْخَطَإِ فَيَفْرَحُ بِهِ) كَأَهْلِ الْهَوَى (وَيُصِرُّ عَلَيْهِ وَلَا يَسْمَعُ نُصْحَ نَاصِحٍ) لِكَوْنِهِ حَسَنًا فِي اعْتِقَادِهِ (بَلْ يَنْظُرُ إلَى غَيْرِهِ بِعَيْنِ الِاسْتِجْهَالِ) مَعَ أَنَّهُ جَاهِلٌ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ [فاطر: ٨] بِأَنْ غَلَبَ وَهْمُهُ وَهَوَاهُ عَلَى عَقْلِهِ، وَالْمُزَيِّنُ الْحَقِيقِيُّ إمَّا اللَّهُ تَعَالَى اسْتِدْرَاجًا أَوْ الشَّيْطَانُ ﴿فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨] حَقًّا ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (وَجَمِيعُ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ) اعْتِقَادًا وَعَمَلًا (إنَّمَا أَصَرُّوا عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ (لِعُجْبِهِمْ بِآرَائِهِمْ) الَّتِي يَرَوْنَهَا حَقًّا فَبَقُوا فِي ضَلَالِهِمْ وَإِضْلَالِهِمْ (وَعِلَاجُ هَذَا الْعُجْبِ) أَيْ الْعُجْبِ بِالرَّأْيِ الْخَطَإِ عَلَى اعْتِقَادِ الْحَقِّيَّةِ (أَعْسَرُ وَأَصْعَبُ) رُوِيَ «عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ عِنْدَ السُّؤَالِ عَنْ مَعْنَى - قَوْله تَعَالَى ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]- تَأْمُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ فَإِذَا رَأَيْت شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ نَفْسَكَ» فَلَوْلَا أَنَّ أَهْلَ الْبِدَعِ، بَلْ الْكُفَّارَ كُلَّهُمْ مُعْجَبُونَ بِرَأْيِهِمْ مَا أَصَرُّوا عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الضَّلَالَةِ
[ ٢ / ٢٣٧ ]
وَلَا أَقَامُوا الْأَدِلَّةَ عَلَيْهَا فَبِهَذَا الْإِعْجَابِ وَقَعَ هَلَاكُ جَمِيعِ الْهَالِكِينَ (إذْ صَاحِبُهُ يَظُنُّهُ) ذَلِكَ الْخَطَأَ فِي الرَّأْيِ (عِلْمًا لَا جَهْلًا) فَجَهْلٌ مُرَكَّبٌ فَيَصْعُبُ دَفْعُهُ (وَنِعْمَةً لَا نِقْمَةً وَصِحَّةً لَا مَرَضًا فَلَا يَطْلُبُ الْعِلَاجَ) إنَّمَا يَطْلُبُهُ بَعْدَ الْعِلْمِ إلَى مَا يَحْتَاجُ إلَى إزَالَتِهِ (وَلَا يَصْغَى) فَيَسْتَمِعُ (إلَى الْأَطِبَّاءِ) الرُّوحَانِيِّينَ الْحَاذِقِينَ فِي مُعَالَجَةِ أَمْرَاضِ الْقُلُوبِ بِأَدْوِيَةِ الْحُجَجِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ نَحْوِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لِعَدَمِ اعْتِقَادِهِ دَاءً، بَلْ إنَّمَا يَعْتَقِدُ فِي نَفْسِهِ صِحَّةً وَشِفَاءً بِلَا دَوَاءٍ (وَهُمْ عُلَمَاءُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ) كَثَّرَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى وَأَعَانَهُمْ وَخَذَلَ أَعَادِيهِمْ؛ لِأَنَّ دَوَاءَهُمْ مَأْخُوذٌ مِنْ مَعْدِنِ الرِّسَالَةِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَا تَصَرُّفِهِمْ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ بِلَا زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ.