(وَ) السَّبَبُ (الثَّالِثُ) لِلْكِبْرِ (النَّسَبُ) الشَّرَفُ مِنْ جِهَةِ الْآبَاءِ (وَالْحَسَبُ) الْحَسَبُ مَا يَعُدُّ الْإِنْسَانُ مِنْ مَفَاخِرِ آبَائِهِ وَأَيْضًا مَا يَكُونُ فِي نَفْسِهِ بِدُونِ آبَائِهِ (وَالْكِبْرُ بِهِمَا) بِالنَّسَبِ وَالْحَسَبِ الْأَوْلَى بِهِ كَمَا سَيَظْهَرُ وَجْهُهُ (نَاشِئٌ عَنْ الْجَهْلِ أَيْضًا) كَمَا فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ (لِأَنَّهُ) أَيْ التَّكَبُّرُ بِالْحَسَبِ وَالنَّسَبِ الْأَوْفَقُ؛ لِأَنَّهُمَا وَإِنْ كَانَ الْأَوْقَعَ ذَلِكَ فَافْهَمْ (تَعَزَّزَ) إظْهَارُ عِزَّةٍ أَوْ تَكَلُّفٌ فِي الْعِزَّةِ (بِكَمَالِ غَيْرِهِ) فَظَهَرَ الْمَوْعُودُ آنِفًا مِنْ الْآبَاءِ (وَلِذَا قِيلَ لَئِنْ) اللَّامُ تَوْطِئَةُ قَسَمٍ لَئِنْ (فَخَرْت بِآبَاءٍ ذَوِي شَرَفٍ لَقَدْ صَدَقْت) فِي تَفَاخُرِك (وَلَكِنْ بِئْسَ مَا وَلَدُوا) أَيْ الْآبَاءُ الْمَذْكُورُونَ لِخُلُوِّك عَنْ الشَّرَفِ فِي نَفْسِك (وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا خَرَّجَهُ) (م) مُسْلِمٌ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «مَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ» الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ وَكَذَا فِي قَوْلِهِ «لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» يَعْنِي مَنْ أَخَّرَهُ عَمَلُهُ عَنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ أَوْ وُصُولِ الْمَقَامِ الرَّفِيعِ لَمْ يُفِدْ نَسَبُهُ لِعَدَمِ مَدْخَلِهِ فِيهِمَا؛ إذْ السَّبَبُ لَهُمَا إنَّمَا هُوَ الْإِيمَانُ وَالْعَمَلُ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾ [المؤمنون: ١٠١] (اُنْظُرْ إلَى ابْنِ آدَمَ) - ﵊ - (قَابِيلَ) قَاتِلِ هَابِيلَ (وَابْنِ نُوحٍ) - ﵊ - (كَنْعَانَ) قِيلَ كَوْنُ كَنْعَانَ اسْمَ ذَلِكَ الِابْنِ قَوْلٌ مَرْدُودٌ.
وَقِيلَ إنَّهُ اسْمُ ابْنِ زَوْجَتِهِ وَفِي الْإِتْقَانِ اسْمُ ابْنِ
[ ٢ / ٢١٦ ]
نُوحٍ يَامْ (هَلْ نَفَعَهُمَا نَسَبُهُمَا) مَعَ كَوْنِهِمَا مِنْ أَوْلَادِ بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَلَوْ كَانَ لِلنَّسَبِ نَفْعٌ لَنَفَعَهُمَا وَلَيْسَ فَلَيْسَ كَمَا نُقِلَ عَنْ تَفْسِيرِ الْعُيُونِ وَغَيْرِهِ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ كَنْعَانَ حِينَ سَمِعَ ﴿لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٤٣] اتَّخَذَ صُنْدُوقًا مِنْ رَصَاصٍ وَجَعَلَ فِيهِ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَسَدَّ بَابَهُ بِالرَّصَاصِ الْمُذَابِ، فَلَمَّا عَلَاهُ الْمَاءُ ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِالْبَوْلِ إلَى أَنْ امْتَلَأَ الصُّنْدُوقُ فَغَرَّقَهُ بِبَوْلِهِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ - ﵊ - «لَيَدَعَنَّ قَوْمٌ الْفَخْرَ بِآبَائِهِمْ وَقَدْ صَارُوا فَحْمًا فِي جَهَنَّمَ» لَكِنْ يَشْكُلُ الْمَطْلَبَ الْفَخْرُ مَعَ الْإِيمَانِ وَهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ فَلَا تَقْرِيبَ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١] وَقَالَ ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف: ٨٢] وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ لَا فَائِدَةَ بِالنَّسَبِ إلَّا نَسَبَ فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - فَلْيُتَأَمَّلْ (ثُمَّ اُنْظُرْ إلَى نَسَبِك الْحَقِيقِيِّ) الَّذِي كَانَ عُنْصُرُك الْأَصْلِيُّ مِنْهُ (فَإِنَّ أَبَاك الْقَرِيبَ) مِنْهُ (نُطْفَةٌ قَذِرَةٌ) يُسْتَقْذَرُ مِنْهَا لَا مَسَاغَ إلَّا إلَى غَسْلِهَا لَوْ تَلَوَّثَ بِهَا ثَوْبٌ (وَجَدُّك الْبَعِيدُ) الَّذِي خُلِقَ مِنْهُ أَبُوك آدَم - ﵇ - (تُرَابٌ ذَلِيلٌ) يُدَاسُ تَحْتَ الْأَقْدَامِ فَأَصْلُك تُرَابٌ مَهِينٌ يُدَاسُ بِأَقْدَامِ الْأَقْوَامِ وَفَصْلُك مِمَّا يُغْسَلُ مِنْهُ الْأَبْدَانُ (فَكَيْفَ يَلِيقُ بِك التَّكَبُّرُ بِالنَّسَبِ) .
ثُمَّ لَا شَكَّ أَنَّ أَجْدَادَك وَآبَاءَك إنْ نَجَوْا فَإِنَّمَا نَجَوْا بِنَحْوِ التَّوَاضُعِ وَكَسْبِ الصَّلَاحِ لَا بِالتَّكَبُّرِ، بَلْ لَا أَنْسَابَ فِي يَوْمِ الْهَوْلِ وَالشِّدَّةِ بَلْ تَتَلَذَّذُ الْأُمُّ الشَّفِيقَةُ الْمُؤْمِنَةُ بِعَذَابِ وَلَدِهَا الْكَافِرِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ - وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ - وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٦] وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَجِبْت لِابْنِ آدَمَ يَفْخَرُ وَأَوَّلُهُ نُطْفَةٌ مَذِرَةٌ وَآخِرُهُ جِيفَةٌ قَذِرَةٌ وَهُوَ بَيْنَهُمَا يَحْمِلُ الْعَذِرَةَ وَرُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَعَجَبًا مِنْ الْمُتَكَبِّرِ الْفَخُورِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ أَوَّلَهُ نُطْفَةٌ مَذِرَةٌ وَآخِرَهُ جِيفَةٌ قَذِرَةٌ» وَعَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَعَنْ آبَائِهِ الْكِرَامِ عَجِبْت أَنْ أُعَظِّمَ نَفْسِي وَقَدْ خَرَجْت مِنْ مَخْرَجِ الْبَوْلِ مَرَّتَيْنِ قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْإِحْيَاءِ وَيَكْفِيهِمْ عَنَى آيَةٌ وَاحِدَةٌ ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧] ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [عبس: ١٨] ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: ١٩] ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ [عبس: ٢٠] ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١] ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ [عبس: ٢٢] فَأَشَارَ إلَى أَنَّ أَوَّلَ الْإِنْسَانِ بَعْدَ كَوْنِهِ فِي كَتْمِ الْعَدَمِ دُهُورًا وَلَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا أَذَلُّ الْأَشْيَاءِ ثُمَّ مِنْ أَقْذَرِهَا إذْ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ ثُمَّ جَعَلَهُ عِظَامًا ثُمَّ كَسَا الْعِظَامَ لَحْمًا فَكَانَ هَذَا بِدَايَةَ وُجُودِهِ.
وَأَمَّا وَسَطُ أَحْوَالِهِ فَمُدَّةُ حَيَاتِهِ إلَى الْمَوْتِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ [عبس: ٢٠]- فَأَحْيَاهُ بَعْدَمَا كَانَ جَمَادًا مَيِّتًا تُرَابًا أَوْ نُطْفَةً وَأَسْمَعَهُ بَعْدَ كَوْنِهِ أَصَمَّ وَبَصَّرَهُ بَعْدَ عَمَاهُ وَقَوَّاهُ بَعْدَ ضَعْفِهِ وَعَلَّمَهُ بَعْدَ جَهْلِهِ وَأَغْنَاهُ بَعْدَ فَقْرِهِ وَأَشْبَعَهُ بَعْدَ جُوعِهِ وَكَسَاهُ بَعْدَ الْعُرْيِ وَهَدَاهُ بَعْدَ الضَّلَالِ، فَكَانَ فِي ذَاتِهِ لَا شَيْءَ ثُمَّ صَارَ شَيْئًا فَإِنَّمَا خَلَقَهُ مِنْ التُّرَابِ لِيَعْلَمَ أَنَّهُ أَذَلُّ مِنْ كُلِّ ذَلِيلٍ وَلَا يَلِيقُ بِهِ إلَّا التَّوَاضُعُ وَلَا يَلِيقُ التَّعْظِيمُ إلَّا بِاَللَّهِ، وَأَمَّا آخِرُ أَحْوَالِهِ فَالْمَوْتُ الْمُشَارُ بِقَوْلِهِ - ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١]- فَيَعُودُ جَمَادًا كَمَا فِي الْبِدَايَةِ فَيَصِيرُ جِيفَةً مُنْتِنَةً قَذِرَةً كَرِيهَةً تَبْلَى أَعْضَاؤُهُ وَتَتَفَتَّتُ أَجْزَاؤُهُ وَيَأْكُلُهُ الدُّودُ ثُمَّ صَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِالْأَمْسِ وَلَيْتَهُ بَقِيَ كَذَلِكَ، بَلْ يَحْيَا بِطُولِ الْبَلَايَا وَشَدَائِدِ الْأَحْوَالِ وَالْإِفْزَاعِ فَمَنْ هَذَا حَالُهُ كَيْفَ يَتَكَبَّرُ.