(الصِّنْفُ الثَّانِي)
مِنْ صِنْفَيْ النَّوْعِ الْأَوَّلِ (فِي) عُلُومٍ هِيَ (فَرْضُ الْكِفَايَةِ) بِحَيْثُ إذَا عَلِمَهَا الْبَعْضُ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ وَإِذَا تَرَكَ الْكُلُّ أَثِمُوا.
قَالَ حَفِيدٌ السَّعْدُ فِي أُنْمُوذَجِ الْعُلُومِ: الْقِيَامُ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ أَفْضَلُ مِنْ الْقِيَامِ بِفَرْضِ الْعَيْنِ.
وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ: إنَّ قِيَاسَ مَا ذَكَرُوهُ يَقْتَضِي تَفْضِيلَ سُنَّةِ الْكِفَايَةِ كَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ وَابْتِدَاءِ السَّلَامِ عَلَى سُنَّةِ الْعَيْنِ. ثُمَّ أَوْرَدَ عَلَيْهِ بِأَنَّ جَعْلَ التَّشْمِيتَ أَفْضَلَ مِنْ صَلَاةِ الْعِيدِ، وَجَعَلَ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ أَفْضَلَ مِنْ الْمَفْرُوضَةِ بَعِيدٌ وَأَنَّ عَدَمَ صِحَّةِ النِّيَابَةِ فِي الْعَيْنِ يُشْعِرُ بِشَرَفِهِ يُرَدُّ عَلَيْهِ: إنَّ تَرْكَ الْوَاحِدِ وَاحِدَةً مِنْ الْمَفْرُوضَةِ لَيْسَ كَتَرْكِ الْعَامَّةِ صَلَاةَ جِنَازَةٍ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّ الشَّنَاعَةَ فِي هَذَا أَكْثَرُ.
وَقِيلَ أَيْضًا: إنَّ مَا فُرِضَ حَقًّا لِلنَّفْسِ فَقَطْ فَأَهَمُّ عِنْدَهَا، وَأَشَقُّ فَأَفْضَلُ وَمَا فُرِضَ لِلْعَامَّةِ، وَالْآتِي وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَالْأَمْرُ إذَا عَمَّ خَفَّ وَإِذَا خَصَّ ثَقُلَ.
وَعَنْ الْعَيْنِيِّ شَرْحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْكِفَايَةَ لِإِسْقَاطِ الْحَرَجِ عَنْ الْأُمَّةِ وَبِالتَّرْكِ يَعْصِي كُلُّ الْأُمَّةِ كَانَ أَفْضَلَ (وَهُوَ مَا يَتَعَلَّقُ بِحَالِ غَيْرِهِ أَعْنِي الْفِقْهَ كُلَّهُ) وَرَاءَ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ سَابِقًا مِنْ قَدْرِ عِلْمِ الْحَالِ فَلَوْ تَرَكَ قَوْلَهُ كُلَّهُ لَكَانَ أَوْلَى لِإِيهَامِهِ شُمُولَ هَذَا النَّوْعِ وَهُوَ فَرْضٌ وَلَوْ أُرِيدَ مِنْ الْفِقْهِ مَا هُوَ مُصْطَلَحُ الْأُصُولِيِّ مِنْ عِلْمِ الْمَسَائِلِ كُلِّهَا عَنْ دَلِيلِهَا وَأَبْقَى لَفْظَ الْكُلِّ عَلَى ظَاهِرِهِ لَمْ يَبْعُدْ.
وَأَيْضًا لَوْ جَعَلَ ذَلِكَ قَيْدًا لِقَوْلِهِ بِحَالِ غَيْرِهِ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ أَيْضًا لَعَلَّ وَجْهَ التَّأْكِيدِ الشُّمُولُ إلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْفِقْهِ عِبَادَاتٌ وَمُعَامَلَاتٌ وَدِيَانَاتٌ (وَعِلْمَ التَّفْسِيرِ) أَيْ مَعَانِي الْقُرْآنِ (وَالْحَدِيثِ) مَعَانِي أَقْوَالِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِاحْتِمَالِ ظُهُورِ مُخَالِفٍ يَحْتَجُّ بِظَاهِرِ آيَةٍ أَوْ حَدِيثٍ بِمَعْنًى غَيْرِ مُرَادٍ أَوْ ظُهُورِ شُبْهَةٍ لِشَخْصٍ فَيَحْتَاجُ إلَى حَلِّهِ يَشْكُلُ بِأَنَّ مَعْرِفَةَ مَعَانِي الْقُرْآنِ، وَالْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِ التَّحْقِيقِ إنَّمَا تَتَيَسَّرُ لِلْمُجْتَهِدِ، وَالْمُجْتَهِدُ فِي زَمَانِنَا مُنْقَرِضٌ وَقَدْ أَغْنَى عَنْهُمَا بِالنِّسْبَةِ إلَى زَمَانِنَا عِلْمُ الْكَلَامِ، وَالْفِقْهِ وَأَنَّ أَدِلَّةَ الْمُقَلِّدِ لَيْسَتْ إلَّا قَوْلَ الْمُجْتَهَدِ.
وَلِهَذَا إذَا ظَهَرَ التَّعَارُضُ بَيْنَ أَقْوَالِ الْفُقَهَاءِ وَبَيْنَ آيَةٍ أَوْ حَدِيثٍ فَيُقَدَّمُ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّ مَعْرِفَتَهُ عَلَى وَجْهِ التَّحْقِيقِ لِلْمُجْتَهِدِ فَلَعَلَّ لِتِلْكَ الْآيَةِ مَثَلًا مُعَارِضًا أَوْ مُخَصَّصًا أَوْ تَأْوِيلًا أَوْ نَاسِخًا اطَّلَعَ عَلَيْهِ الْمُجْتَهِدُ وَلَمْ تَطَّلِعْ أَنْتَ (وَالْأُصُولِيِّينَ) بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ أَيْ عِلْمِ الْكَلَامِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ لِاحْتِمَالِ ظُهُورِ مُبْتَدِعٍ فِي الِاعْتِقَادِ أَوْ مُشَكِّكٍ فِي الْفِقْهِ يَشْكُلُ أَيْضًا أَنَّ الْأُصُولَ مُخْتَصٌّ بِالْمُجْتَهِدِ وَأَنَّ أَثَرَهُ هُوَ الِاجْتِهَادُ وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِالْفَقِيهِ وَقَدْ عَرَفْت انْقِرَاضَهُ وَعَدَمَ إمْكَانِهِ فِي زَمَانِنَا. وَقَدْ قِيلَ بِانْقِرَاضِ الِاجْتِهَادِ فِي سَنَةِ أَرْبَعِمِائَةٍ إلَّا أَنْ يُدَّعَى عَدَمُ انْقِرَاضِ الْمُجْتَهِدِ فِي الْمَذْهَبِ بِجَوَازِ تَحَرِّي الِاجْتِهَادِ وَلَوْ مَذْهَبًا مَرْجُوحًا (وَالْقِرَاءَةُ) الظَّاهِرُ بِجَمِيعِ الْقِرَاءَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ، وَالْمَشْهُورَةِ بَلْ الْآحَادُ، وَالشُّذُوذُ لِئَلَّا يَلْزَمَ نَفْيُ قُرْآنِيَّةِ مَا كَانَ قُرْآنًا
[ ١ / ٢٥٤ ]
وَإِثْبَاتُ الْقُرْآنِيَّةِ فِيمَا لَا يَكُونُ قُرْآنًا.
قَالَ الْجَعْبَرِيُّ نَقْلُ الْقِرَاءَاتِ السَّبْعِ فَرْضُ كِفَايَةٍ؛ لِأَنَّهَا أَبْعَاضُ الْقُرْآنِ وَقَدْ كَانَ كُلُّ الْقُرْآنِ فَرْضَ كِفَايَةٍ فَبَعْضُهُ أَيْضًا كَذَلِكَ وَأَمَّا قِرَاءَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ جُمْلَةِ الْقِرَاءَاتِ الْمُتَوَاتِرَةِ فِي قَدْرِ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ فَفَرْضُ عَيْنٍ. وَقِيلَ وَمِنْ عِلْمِ الْقِرَاءَةِ: عِلْمُ التَّجْوِيدِ لَكِنْ نُقِلَ عَنْ الْجَزَرِيِّ وَعَلِيٍّ الْقَارِي وَتَسْهِيلِ التَّجْوِيدِ أَنَّ أَخْذَ الْقُرْآنِ بِالتَّجْوِيدِ عَنْ فَمِ الْمُحْسِنِ الْحَاذِقِ فَرْضُ عَيْنٍ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ أَيْضًا (وَأَمَّا) عِلْمُ (الْحِسَابِ) (فَمُحْتَاجٌ إلَيْهِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَائِلِ) أَيْ الشَّرْعِيَّةِ إنَّمَا فَصَّلَهُ بِكَلِمَةِ أَمَّا لِعَدَمِ الْجَزْمِ فِيهِ قَطْعًا لِعَدَمِ الرِّوَايَةِ عَنْ الْأَئِمَّةِ نَصًّا بَلْ إنَّمَا خَرَّجَهُ مِنْ قَوَاعِدِهِمْ رَأْيًا بَلْ تَقْرِيبًا (خُصُوصًا) أَيْ أَخُصُّ خُصُوصًا (الْفَرَائِضَ) بِمُشَارَكَةِ الْغَيْرِ فِي أَصْلِ الِاحْتِيَاجِ كَأَمْوَالِ الزَّكَاةِ، وَالدِّيَاتِ، وَالْإِقْرَارِ، وَالْوَصَايَا (فَلِذَا قَالُوا هُوَ رُبْعُ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ نِصْفُ الْفَرَائِضِ)؛ لِأَنَّ الْفَرَائِضَ نِصْفُ الْعِلْمِ، وَالْحِسَابَ نِصْفُ الْفَرَائِضِ، وَنِصْفُ النِّصْفِ رُبْعٌ (فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ) الْحِسَابُ (فَرْضَ كِفَايَةٍ) إذْ عِلْمُ الْفَرَائِضِ فَرْضُ كِفَايَةٍ فَتَرْتِيبُ دَلِيلِهِ أَنَّ الْحِسَابَ شَيْءٌ يَحْتَاجُ إلَيْهِ عِلْمُ الْفَرَائِضِ الَّذِي هُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَكُلُّ شَيْءٍ شَأْنُهُ كَذَا فَفَرْضُ كِفَايَةٍ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ الْفَرَائِضُ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ أَصْلِ الْحِسَابِ الْمُتَدَاوَلِ فِي أَفْوَاهِ الْعَوَامّ بِلَا مُرَاجَعَةٍ إلَى قَوَاعِدِ عِلْمِ الْحِسَابِ كَمَا تَرَى كَثِيرًا يُحَصِّلُونَهُ بِلَا مَعْرِفَةِ عِلْمِ الْحِسَابِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ مَا ذَكَرُوا فِي أَثْنَاءِ مَبَاحِثِ مَسَائِلِ الْفَرَائِضِ سِيَّمَا الْمُنَاسَخَةُ مِنْ نَحْوِ التَّمَاثُلِ وَالتَّدَاخُلِ هُوَ مِنْ عِلْمِ الْحِسَابِ، وَالْفَرْضِيَّةُ فِي الْحِسَابِ لَا بِحَسَبِ جَمِيعِ أَجْزَائِهِ بَلْ بِمُطْلَقِهِ وَلَوْ وُجِدَ فِي ضِمْنِ أَقَلَّ أَجْزَائِهِ (وَقَدْ صَرَّحَ الْغَزَالِيُّ بِهِ) أَيْ بِكَوْنِهِ فَرْضَ كِفَايَةٍ (فِي الْإِحْيَاءِ) .
فَإِنْ قِيلَ الْغَزَالِيُّ مِنْ مَشَايِخِ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْمَطْلُوبُ مِنْ مَسَائِلِ الْحَنَفِيَّةِ فَكَيْفَ يَثْبُتُ بِقَوْلِهِ الْمَطْلُوبُ. قُلْنَا لَعَلَّ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ عَلَى وَفْقِ قَاعِدَتِنَا وَنَهْجِ قِيَاسِنَا أَوْ أَنَّ الْأَصْلَ فِي مَسْأَلَةٍ لَمْ يَقَعْ فِيهَا نَصُّ أَصْحَابِنَا وَلَمْ يُخَالِفْ عَلَى قَاعِدَتِهِمْ وَقِيَاسِهِمْ أَنْ يَعْمَلَ بِمَذْهَبِ مُخَالِفِينَا لَكِنْ يَشْكُلُ بِمَا صَرَّحَ الْغَزَالِيُّ فِي مُنْقِذِ الضَّلَالِ مِنْ أَنَّ الْعِلْمَ الرِّيَاضَيَّ مِنْ الْفَلْسَفِيَّةِ تَعَلَّقَ بِعِلْمِ الْحِسَابِ، وَالْهَنْدَسَةِ وَعِلْمِ هَيْئَةِ الْعَالَمِ وَلَيْسَ يَتَعَلَّقُ مِنْهُ شَيْءٌ بِالْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا لَكِنْ تَطَرَّقَ إلَيْهِ آفَتَانِ إلَى آخِرِ مَا قَالَ وَجَزَمَ فِي الْأَشْبَاهِ بِحُرْمَةِ عِلْمِ الْفَلْسَفَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ عَدَمِ تَعَلُّقِهِ بِالدِّينِ مَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى ذَاتِهِ وَبِكَوْنِهِ فَرْضَ كِفَايَةٍ بِالنَّظَرِ إلَى تَوَقُّفِ أَمْرٍ شَرْعِيٍّ عَلَيْهِ فَتُطْرَقُ الْآفَةُ مِنْ أَمْرٍ عَرَضِيٍّ لَا يَضُرُّ (وَأَمَّا) (عُلُومُ الْعَرَبِيَّةِ) وَهِيَ اثْنَا عَشَرَ: عِلْمًا النَّحْوُ، وَالصَّرْفُ، وَالْمَعَانِي، وَالْبَيَانُ، وَاللُّغَةُ، وَالِاشْتِقَاقُ، وَالْعَرُوضُ، وَالْقَافِيَةُ وَهَذِهِ الثَّمَانِيَةُ أُصُولٌ، وَالْبَاقِيَةُ فُرُوعٌ وَهُوَ عِلْمُ: الْخَطِّ، وَقَرِيضُ الشِّعْرِ، وَالْإِنْشَاءُ، وَالْمُحَاضَرَاتُ، وَالتَّوَارِيخُ (فَفِي بُسْتَانِ الْعَارِفِينَ) لِأَبِي اللَّيْثِ (اعْلَمْ أَنَّ الْعَرَبِيَّةَ لَهَا فَضْلٌ عَلَى سَائِرِ الْأَلْسِنَةِ) .
وَقَالَ بَعْضُ الْأَسَاتِذَةِ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ أُصُولِ اللُّغَاتِ. قِيلَ: سَبْعَةٌ الصِّينُ، وَالْهِنْدُ، وَالسُّودَانُ، وَالرُّومُ، وَالتُّرْكُ، وَالْعَرَبُ وَلَمْ يَذْكُرْ السَّابِعَةَ وَلَعَلَّهَا السُّرْيَانِيَّةُ لُغَةُ الْمَلَائِكَةِ حَتَّى مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ وَكُلُّ هَذِهِ اللُّغَاتِ قَدْ عَلَّمَهَا اللَّهُ تَعَالَى لَهُ - ﵊ -. وَأَمَّا الْعَرَبِيَّةُ فَلَهَا مَزِيَّةٌ عَلَى بَاقِيهَا حَتَّى يُكْرَهَ التَّكَلُّمُ بِغَيْرِهَا لِمَنْ يُحْسِنُهَا. قِيلَ عَنْ الْمُبْتَغَى: لِسَانُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْعَرَبِيَّةُ، وَالْفَارِسِيَّةُ وَقَدْ يُزَادُ الدُّرِّيَّةُ. وَقِيلَ النَّاسُ يَتَكَلَّمُونَ قَبْلَ دُخُولِ الْجَنَّةِ بِالسُّرْيَانِيَّةِ وَبَعْدَهُ فِيهَا بِالْعَرَبِيَّةِ.
أَقُولُ نُقِلَ عَنْ الْكَافِي كَمَا فِي الْمُبْتَغَى وَأَيْضًا عَنْ الدَّيْلَمِيِّ إذَا أَرَادَ أَمْرًا فِيهِ لِينٌ أَوْحَى بِهِ إلَى الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ بِالْفَارِسِيَّةِ.
قَالَ عَلِيٌّ الْقَارِيّ وَكِلَاهُمَا مَوْضُوعٌ فَإِنَّهُ مُعَارَضٌ بِحَدِيثٍ صَحِيحٍ مَرْفُوعٍ «أَحِبُّوا الْعَرَبَ لِثَلَاثٍ فَإِنِّي عَرَبِيٌّ وَكَلَامُ اللَّهِ عَرَبِيٌّ وَلِسَانُ أَهْلِ الْجَنَّةِ عَرَبِيٌّ» .
قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ.
وَقَدْ كَانَ آدَم لَا يَتَكَلَّمُ فِيهَا إلَّا بِهِ فَلَمَّا أُهْبِطَ تَكَلَّمَ بِغَيْرِهِ. أَقُولُ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَا يَنْفِي عَنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْفَارِسِيَّةَ
[ ١ / ٢٥٥ ]
إذْ لَا نَصَّ فِي كَوْنِ الْإِضَافَةِ فِي قَوْلِهِ وَلِسَانُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَيْضًا فِي كَوْنِ اللَّامِ فِي الْجَنَّةِ لِلِاسْتِغْرَاقِ وَلَا شَيْءَ يَدُلُّ عَلَى الْحَصْرِ فَلَا بُدَّ فِي النَّفْيِ مِنْ رِوَايَةٍ صَرِيحَةٍ إذْ لَا يَكْفِي الدِّرَايَةُ فِي مِثْلِهِ سِيَّمَا فِي مُقَابَلَةِ الْكَافِي، وَالْمُبْتَغَى، وَالدَّيْلَمِيِّ (فَمَنْ تَعَلَّمَهَا أَوْ عَلَّمَهَا غَيْرَهُ فَهُوَ مَأْجُورٌ) كَيْفَ وَقَدْ قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة بَعْدَمَا عَدَّ الْعَرَبِيَّةَ كُلَّهَا مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ (لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ الْقُرْآنَ بِلُغَةِ الْعَرَبِ) .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨] وَقَالَ ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] (فَمَنْ تَعَلَّمَهَا) أَيْ اللُّغَةَ الْعَرَبِيَّةَ (فَإِنَّهُ يَفْهَمُ بِهَا ظَاهِرَ الْقُرْآنِ) أَيْ مَعْنَاهُ الظَّاهِرِيُّ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ إلَى تَأْوِيلٍ وَتَخْصِيصٍ وَمُقَايَسَةٍ كَأَقْسَامِهِ مِنْ الظَّاهِرِ، وَالنَّصِّ، وَالْمُفَسَّرِ، وَالْمُحْكَمِ وَنَحْوِهَا أَوْ مَعْنَاهُ الَّذِي يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ بِلَا دَلِيلٍ دَالٍّ عَلَى خِلَافِهِ وَصَارِفٍ يُصْرَفُ عَنْ ظَاهِرِهِ أَوْ مَعْنَاهُ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ إلَى مُقَدِّمَاتٍ اجْتِهَادِيَّةٍ وَقَوَاعِدَ اسْتِنْبَاطِيَّةٍ وَبَاطِنُ الْقُرْآنِ إمَّا خِلَافُ مَا أُشِيرَ آنِفًا وَهُوَ الْمُتَبَادَرُ كَمَا يَتَعَلَّقُ بِأَقْسَامِهِ الْخَفِيَّةِ كَالْخَفِيِّ، وَالْمُشْكِلِ، وَالْمُجْمَلِ، وَالْكِنَايَةِ وَنَحْوِهَا فَمَعْرِفَتُهُ لَيْسَ بِمُجَرَّدِ الْعَرَبِيَّةِ بَلْ يَحْتَاجُ إلَى عُلُومٍ أُخَرَ وَلِهَذَا اخْتَصَّ مَعْرِفَتُهُ بِالْمُجْتَهِدِ.
وَأَمَّا مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِكُلِّ آيَةٍ ظَهْرٌ وَبَطْنٌ وَلِكُلِّ حَرْفٍ مَطْلَعٌ. وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ مَرْفُوعًا «الْقُرْآنُ تَحْتَ الْعَرْشِ لَهُ ظَهْرٌ وَبَطْنٌ بَلَغَ وُجُوهَ الظَّهْرِ، وَالْبَطْنِ خَمْسًا» مَذْكُورٌ فِي الْإِتْقَانِ، وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «أَنَّ الْقُرْآنَ ذُو شُجُونٍ وَفُنُونٍ وَظُهُورٍ وَبُطُونٍ لَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ وَلَا تَبْلُغُ غَايَتُهُ» الْحَدِيثَ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ التَّفْتَازَانِيُّ وَأَمَّا مَا يَذْهَبُ إلَيْهِ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَنَّ النُّصُوصَ مَحْمُولَةٌ عَلَى ظَوَاهِرِهَا وَمَعَ ذَلِكَ فِيهَا إشَارَاتٌ خَفِيَّةٌ إلَى دَقَائِقَ تَنْكَشِفُ عَلَى أَرْبَابِ السُّلُوكِ يُمْكِنُ التَّطْبِيقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الظَّوَاهِرِ الْمُرَادَةِ فَهُوَ مِنْ كَمَالِ الْإِيمَانِ وَمَحْضِ الْعِرْفَانِ وَلَيْسَ مِنْهُ مَا ادَّعَاهُ الْبَاطِنِيَّةُ (وَمَعَانِي الْأَخْبَارِ) النَّبَوِيَّةِ (انْتَهَى) كَلَامُ بُسْتَانِ الْعَارِفِينَ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ الْمَطْلُوبَ كَوْنُ الْعَرَبِيَّةِ فَرْضَ كِفَايَةٍ، وَاللَّازِمُ مِنْ الدَّلِيلِ أَيْ مَا نُقِلَ مِنْ الْبُسْتَانِ هُوَ الْفَضْلُ، وَالْفَضْلُ الْمُطْلَقُ أَعَمُّ، وَالْعَامُّ لَا يَسْتَلْزِمُ الْخَاصَّ بِإِحْدَى الدَّلَالَاتِ الثَّلَاثِ إلَّا أَنْ يُدَّعَى انْفِهَامُ الْوُجُوبِ مِنْ تَعْلِيلِهِ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّهُ تَعَالَى أَنْزَلَ الْقُرْآنَ إلَى آخِرِهِ وَمِنْ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ مِنْ قَوْلِهِ فَإِنَّهُ يُفْهَمُ بِهَا إلَى آخِرِهِ وَمَفْهُومُ التَّصْنِيفِ حُجَّةٌ كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ (وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ الْأَصْلُ أَعْنِي أَنَّ مَا يُتَوَسَّلُ بِهِ إلَى الْفَرْضِ فَرْضٌ وَكَذَلِكَ فِي الْوَاجِبِ) مَا يُتَوَسَّلُ بِهِ إلَيْهِ وَاجِبٍ (وَغَيْرِهِ) مِنْ نَحْوِ السُّنَّةِ، وَالْمُسْتَحَبِّ (كَوْنُهَا فُرُوضَ كِفَايَةٍ؛ لِأَنَّ الْعُلُومَ الشَّرْعِيَّةَ) أَيْ الْعُلُومَ الْمَأْخُوذَةَ مِنْ الشَّرْعِ، وَالشَّرْعُ الْكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ فَهُوَ عِلْمُ التَّوْحِيدِ مِنْ حَيْثُ أَصْلُهُ وَاعْتِبَارُهُ أَوْ اعْتِبَارُهُ فَقَطْ، وَالْفِقْهُ فَالْأَوَّلُ لِتَصْحِيحِ الْإِيمَانِ، وَالثَّانِي لِأَعْمَالِ الْأَرْكَانِ وَلَا شَكَّ فِي فَرْضِيَّتِهِمَا (مُتَوَقِّفَةٌ عَلَيْهَا) أَيْ الْعَرَبِيَّةِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَيْ الْكِتَابَ، وَالسُّنَّةَ عَرَبِيٌّ لَا يَخْفَى أَنَّ اللَّازِمَ مِنْ الدَّلِيلِ كَوْنُهَا فَرْضَ عَيْنٍ، وَالْمَطْلُوبُ فَرْضُ كِفَايَةٍ فَلَا تَقْرِيبَ أَوْ أَنَّ هَذَا مُحْتَاجٌ إلَى مُقَدِّمَةٍ أُخْرَى فَافْهَمْ تُرْشِدْ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى