(الثَّانِيَ عَشَرَ مِنْ آفَاتِ الْقَلْبِ الْكِبْرُ وَفِيهِ خَمْسَةُ مَبَاحِثَ) فِي تَفْسِيرِهِ وَحُكْمِهِ وَفِي أَقْسَامِ الْكِبْرِ وَالتَّكَبُّرِ وَفِي أَسْبَابِهَا وَفِي عَلَامَاتِ الْكِبْرِ وَفِي ضِدِّهِ أَيْ التَّوَاضُعِ (الْمَبْحَثُ الْأَوَّلُ فِي تَفْسِيرِ الْكِبْرِ وَضِدِّهِ وَمُنَاسِبِهِمَا)
[ ٢ / ١٨٤ ]
أَيْ الْكِبْرِ وَضِدِّهِ، مُنَاسِبُ الْكِبْرِ اثْنَانِ التَّكَبُّرُ وَالِاسْتِكْبَارُ وَمُنَاسِبُ ضِدِّهِ وَهُوَ الضِّعَةُ ثَلَاثَةٌ التَّوَاضُعُ وَالتَّمَلُّقُ وَالتَّذَلُّلُ (وَ) بَيَانُ (حُكْمِهَا) أَيْ حُكْمِ الثَّلَاثَةِ فِي الشَّرْعِ (الْكِبْرُ هُوَ الِاسْتِرْوَاحُ) طَلَبُ الرَّاحَةِ (وَالرُّكُونُ) الْمَيْلُ (إلَى رُؤْيَةِ النَّفْسِ فَوْقَ الْمُتَكَبَّرِ عَلَيْهِ) فِي صِفَاتِهَا الْكَمَالِيَّةِ فَيَحْصُلُ مِنْ رُؤْيَتِهَا فَوْقَهُ فِي قَلْبِهِ اعْتِدَادٌ وَفَرَحٌ وَهُوَ الْكِبْرُ (فَلَا بُدَّ لَهُ) أَيْ الْكِبْرِ (مِنْهُ) مِنْ مُتَكَبَّرٍ عَلَيْهِ حَتَّى يُوجَدَ (بِخِلَافِ الْعُجْبِ) فَإِنَّهُ لَا يَسْتَدْعِي الْمُعْجَبَ عَلَيْهِ بَلْ لَوْ لَمْ يُخْلَقْ الْإِنْسَانُ إلَّا وَحْدَهُ يُمْكِنُ عُجْبُهُ دُونَ كِبْرِهِ.
وَقَدْ يَسْبِقُ إلَى الْخَاطِرِ أَنَّ الْعُجْبَ إنَّمَا يَنْشَأُ مِنْ وِجْدَانِ الْمَرْءِ الْعِبَادَةَ فِي نَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ فَيَحْتَاجُ أَيْضًا إلَى الْغَيْرِ إلَّا أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ وَإِنْ أَكْثَرِيًّا لَكِنَّهُ لَيْسَ بِكُلِّيٍّ فَهُوَ أَعَمُّ مِنْ الْكِبْرِ بِمُجَامَعَتِهِمَا عِنْدَ وُجُودِ الْغَيْرِ وَوُجُودِ الْعُجْبِ فَقَطْ عِنْدَ عَدَمِهِ؛ لِأَنَّ الْعُجْبَ فَرَحُ الْإِنْسَانِ بِنَفْسِهِ وَعَمَلِهِ سَوَاءٌ وَجَدَ الْغَيْرَ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ اسْتِعْظَامُ النَّفْسِ بِمَا تَعُدُّهُ نِعْمَةً وَشَرَفًا هَذَا تَفْسِيرُ الْكِبْرِ وَحُكْمُهُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَالْكِبْرُ حَرَامٌ) مُطْلَقًا سَوَاءٌ عَلَى مَا اتَّصَفَ بِهِ أَوْ لَا (وَرَذِيلَةٌ) خَصْلَةٌ دَنِيئَةٌ (عَظِيمَةٌ مِنْ الْعِبَادِ) دُونَ الْمَعْبُودِ؛ لِأَنَّهُ دَلِيلُ نِسْيَانِ الْعَبْدِ خَالِقَهُ وَعَجْزِهِ وَتَغَافُلِهِ عَنْ خِلْقَتِهِ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ قِيلَ وَفِيهِ يَهْلَكُ الْخَوَاصُّ مِنْ الْخَلْقِ وَقَلَّمَا يَنْفَكُّ عَنْهُ الْعِبَادُ وَالزُّهَّادُ وَالْعُلَمَاءُ فَضْلًا عَنْ عَوَامِّ النَّاسِ وَكَيْفَ لَا تَعْظُمُ آفَتُهُ.
وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ» (وَضِدُّهُ) أَيْ الْكِبْرِ (الضِّعَةُ) بِكَسْرِ الضَّادِ وَفَتْحِهَا وَ(هِيَ) أَيْ الضِّعَةُ (الرُّكُونُ إلَى رُؤْيَةِ النَّفْسِ) رُؤْيَةِ نَفْسِهِ (دُونَ غَيْرِهِ) أَدْنَى مِنْهُ، الضَّمِيرُ يَعُودُ إلَى النَّفْسِ بِاعْتِبَارِ الشَّخْصِ وَبَيْنَهُمَا مَرْتَبَةٌ وَهِيَ أَنْ لَا يَرَى نَفْسَهُ فَوْقَ أَحَدٍ وَلَا دُونَهُ بَلْ يَرَى الْمُسَاوَاةَ (وَهِيَ) أَيْ الضِّعَةُ (فَضِيلَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ الْمَخْلُوقِ) دُونَ الْخَالِقِ؛ لِأَنَّهُ دَلِيلُ مَعْرِفَةِ النَّفْسِ وَعَجْزِهَا وَنُقْصَانِهَا.
وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «طُوبَى لِمَنْ تَوَاضَعَ فِي غَيْرِ مَنْقَصَةٍ وَذَلَّ نَفْسَهُ فِي غَيْرِ مَسْكَنَةٍ وَأَنْفَقَ مِنْ مَالٍ جَمَعَهُ مِنْ غَيْرِ مَعْصِيَةٍ وَخَالَطَ أَهْلَ الْفِقْهِ وَالْحِكْمَةِ وَرَحِمَ أَهْلَ الذُّلِّ وَالْمَسْكَنَةِ طُوبَى لِمَنْ ذَلَّ نَفْسَهُ وَطَابَ كَسْبُهُ وَحَسُنَتْ سَرِيرَتُهُ وَكَرُمَتْ عَلَانِيَتُهُ وَعَزَلَ عَنْ النَّاسِ شَرَّهُ» الْحَدِيثَ.
وَعَنْهُ - ﵊ - «إذَا تَوَاضَعَ الْعَبْدُ رَفَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى إلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ» .
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «مَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ تَعَالَى إلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى» .
(وَإِظْهَارُ الْكِبْرِ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَكَبُّرٌ قِيلَ الْكِبْرُ إنْ فِي الظَّاهِرِ فَيُسَمَّى تَكَبُّرًا وَإِنْ فِي الْبَاطِنِ فَيُسَمَّى كِبْرًا وَهُوَ أَصْلُ التَّكَبُّرِ (مَوْجُودًا) بِأَنْ وُجِدَ فِي قَلْبِهِ عِنْدَ الْإِظْهَارِ يَعْنِي يُوجَدُ فِي الْقَلْبِ فَيُظْهِرُهُ مِنْهُ (أَوْ مَعْدُومًا) بِأَنْ لَا يُوجَدَ فِي النَّفْسِ وَلَكِنَّهُ أَظْهَرَهُ مِنْهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْكِبْرُ (حَقًّا) كَالتَّكَبُّرِ عَلَى الْمُتَكَبِّرِ وَيَدْخُلُ فِيهِ مَا هُوَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى (أَوْ بَاطِلًا) بِأَنْ يَكُونَ بِخِلَافِهِ سَوَاءٌ كَانَ (بِقَوْلٍ) وَلَوْ إشَارَةً أَوْ دَلَالَةً (أَوْ فِعْلٍ) كَأَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى الْغَيْرِ فِي الْمَشْيِ وَالْمَجْلِسِ (تَكَبَّرَ) تَفَعَّلَ وَمَعْنَاهُ تَكَلَّفَ الْكِبْرَ، وَفِي اللَّهِ تَعَالَى الِاتِّصَافُ بِهِ مِنْ الْأَزَلِ فَيُوجَدُ فِي الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ (وَالِاسْتِكْبَارُ يَخْتَصُّ بِالْبَاطِلِ) وَالنِّسْبَةُ بَيْنَ الْكِبْرِ وَالتَّكَبُّرِ وَكَذَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِاسْتِكْبَارِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ، وَأَمَّا بَيْنَ التَّكَبُّرِ وَالِاسْتِكْبَارِ فَمُطْلَقٌ، كَذَا قِيلَ (فَلِذَا) لِاخْتِصَاصِهِ بِالْبَاطِلِ (لَا يُوصَفُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ بِخِلَافِ التَّكَبُّرِ)
[ ٢ / ١٨٥ ]
كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي وَصْفِ ذَاتِهِ الْمُتَكَبِّرُ فَإِنَّ الْمُتَكَبِّرَ مَنْ يَرَى الْكُلَّ حَقِيرًا بِالْإِضَافَةِ إلَى ذَاتِهِ وَلَا يَرَى الْكِبْرِيَاءَ إلَّا لِنَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَتْ الرُّؤْيَةُ صَادِقَةً كَمَا فِي اللَّهِ كَانَ حَقًّا وَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ عَلَى الْإِطْلَاقِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ كَاذِبَةً فَبَاطِلًا فَهُوَ الْمَذْمُومُ (وَالتَّكَبُّرُ حَرَامٌ) عَلَى كُلِّ أَحَدٍ؛ لِأَنَّهُ عَظِيمُ الْآفَاتِ وَمَنْبَعُ أَكْثَرِ الْبَلِيَّاتِ وَمُوجِبُ سُرْعَةِ عُقُوبَةِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ لَا يَحِقُّ إلَّا لَهُ تَعَالَى فَإِذَا فَعَلَ الْعَبْدُ مَا يَخْتَصُّ بِالْمَوْلَى اشْتَدَّ غَضَبُ الْمَوْلَى (إلَّا عَلَى الْمُتَكَبِّرِ) مِنْ النَّاسِ فَالتَّوَاضُعُ عَلَى الْمُتَكَبِّرِ لَيْسَ بِجَائِزٍ.
قَالَ الْمُنَاوِيُّ: عَنْ الْغَيْرِ إذَا أَغْضَبَك أَحَدٌ بِغَيْرِ شَيْءٍ فَلَا تَبْتَدِئْهُ بِالصُّلْحِ؛ لِأَنَّك تُذِلُّ نَفْسَك فِي غَيْرِ مَحَلٍّ وَتُكْبِرُ نَفْسَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ وَمِنْ ثَمَّةَ قِيلَ الْإِفْرَاطُ فِي التَّوَاضُعِ يُورِثُ الْمَذَلَّةَ، وَالْإِفْرَاطُ فِي الْمُؤَانَسَةِ يُورِثُ الْمَهَانَةَ وَإِذَا اُتُّفِقَ أَنْ يُقَامَ الْعَبْدُ فِي مَوْطِنٍ فَالْأَوْلَى فِيهِ ظُهُورُ عِزَّةِ الْإِيمَانِ وَجَبَرُوتِهِ وَعَظَمَتِهِ لِعِزِّ الْمُؤْمِنِ وَعَظَمَتِهِ وَأَنْ يَظْهَرَ فِي الْمُؤْمِنِ مِنْ الْأَنَفَةِ وَالْجَبَرُوتِ مَا يُنَاقِضُ الْخُضُوعَ وَالذِّلَّةَ فَالْأَوْلَى إظْهَارُ مَا يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ الْمَوْطِنُ فَهَذَا مِنْ بَابِ إظْهَارِ عِزَّةِ الْإِيمَانِ بِعِزَّةِ الْمُؤْمِنِ (فَإِنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِيهِ أَنَّهُ صَدَقَةٌ) عَلَى مَنْ تَكَبَّرَ عَلَيْهِ كَمَا وَرَدَ: التَّكَبُّرُ عَلَى الْمُتَكَبِّرِ صَدَقَةٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَوَاضَعْت لَهُ تَمَادَى فِي ضَلَالِهِ وَإِذَا تَكَبَّرْت عَلَيْهِ تَنَبَّهَ.
وَمِنْ هُنَا قَالَ الشَّافِعِيُّ تَكَبَّرْ عَلَى الْمُتَكَبِّرِ مَرَّتَيْنِ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ التَّجَبُّرُ عَلَى أَبْنَاءِ الدُّنْيَا أَوْثَقُ عُرَى الْإِسْلَامِ.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَظْلَمُ الظَّالِمِينَ مَنْ تَوَاضَعَ لِمَنْ لَا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ وَقِيلَ قَدْ يَكُونُ التَّكَبُّرُ لِتَنْبِيهِ الْمُتَكَبِّرِ لَا لِرِفْعَةِ النَّفْسِ فَيَكُونُ مَحْمُودًا كَالتَّكَبُّرِ عَلَى الْجُهَلَاءِ وَالْأَغْنِيَاءِ.
قَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ: التَّكَبُّرُ عَلَى مَنْ تَكَبَّرَ عَلَيْك بِمَالِهِ تَوَاضُعٌ (وَ) إلَّا (عِنْدَ الْقِتَالِ) مَعَ الْكُفَّارِ لِكَسْرِ شَوْكَتِهِمْ وَإِيقَاعًا لِلْخَوْفِ وَالرُّعْبِ وَالْمَهَابَةِ عَلَيْهِمْ (وَ) إلَّا (عِنْدَ الصَّدَقَةِ) إظْهَارُ الْعَدَمِ قَدْرَ مَا بَذَلَهُ لِأَخِيهِ وَإِبْرَازًا لِلسُّرُورِ وَالْكَرَمِ وَالسَّخَاءِ وَطَلَاقَةِ الْوَجْهِ وَبَشَاشَتِهِ وَانْبِسَاطِهِ مَعَ الْفُقَرَاءِ لِيَتَوَجَّهُوا إلَيْهِ لَدَى الِاحْتِيَاجِ فَلَا يُنَافِي مَا يُقَالُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَعَظَّمَ عَلَى مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَيْهِ وَيَرْفُقُ وَيَتَحَاشَى عَمَّا يُوهِمُ الْأَذَى لَهُ (دَ) أَبُو دَاوُد (عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ فَأَمَّا الْخُيَلَاءُ» بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ بِمَعْنَى التَّكَبُّرِ وَمِنْهُ الْمُخْتَالُ لِلْمُتَكَبِّرِ «الَّتِي يُحِبُّ اللَّهُ تَعَالَى فَاخْتِيَالُ الرَّجُلِ» تَكَبُّرُهُ «نَفْسَهُ عِنْدَ الْقِتَالِ» مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ «وَاخْتِيَالُهُ عِنْدَ الصَّدَقَةِ» فَثَبَتَ جَوَازُ التَّكَبُّرِ عِنْدَ الْقِتَالِ وَعِنْدَ الصَّدَقَةِ
فَإِنْ قِيلَ مَا وَجْهُ الْفَاءِ فِي ابْتِدَاءِ الْكَلَامِ فِي قَوْلِهِ فَأَمَّا الْخُيَلَاءُ قُلْنَا لِلْحَدِيثِ ابْتِدَاءٌ وَتَتِمَّةٌ كَمَا رُوِيَ عَنْ الْمُخَرِّجِينَ إذْ هُوَ «إنَّ مِنْ الْغَيْرَةِ مَا يُحِبُّ اللَّهُ تَعَالَى وَمِنْهَا مَا يُبْغِضُ اللَّهُ تَعَالَى فَأَمَّا الَّتِي يُحِبُّهَا اللَّهُ تَعَالَى فَالْغَيْرَةُ فِي الرِّيبَةِ وَأَمَّا الَّتِي يَبْغُضُهَا اللَّهُ تَعَالَى فَالْغَيْرَةُ فِي غَيْرِ الرِّيبَةِ، وَإِنَّ مِنْ الْخُيَلَاءِ مَا يُبْغِضُ اللَّهُ تَعَالَى وَمَا يُحِبُّ اللَّهُ تَعَالَى فَأَمَّا الْخُيَلَاءُ الَّتِي يُحِبُّ اللَّهُ تَعَالَى» وَتَتِمَّتُهُ «وَأَمَّا الْخُيَلَاءُ الَّتِي يُبْغِضُ اللَّهُ تَعَالَى فَاخْتِيَالُ الرَّجُلِ فِي الْبَغْيِ وَالْفَخْرِ» فَالْمُصَنِّفُ قَصَرَ الْحَدِيثَ عَلَى الْمَحَلِّ الْمُسْتَشْهَدِ بِهِ، وَمِثْلُ هَذَا الِاقْتِصَارِ فِي الْحَدِيثِ مُخْتَلِفٌ، فَالْمُصَنِّفُ اخْتَارَ جَانِبَ الْجَوَازِ وَلَعَلَّ الْعَزِيمَةَ هُوَ الْإِتْمَامُ سِيَّمَا مِنْ أَوَّلِهِ خُصُوصًا عِنْدَ ظُهُورِ الِارْتِبَاطِ كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَلَفْظِ الْفَاءِ ثُمَّ لَمَّا تُوُهِّمَ مِنْ ظَاهِرِ الِاخْتِيَالِ عِنْدَ الصَّدَقَةِ جَوَازُ تَكَبُّرِ الْغَنِيِّ الْمُتَصَدِّقِ عَلَى الْفَقِيرِ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ وَهُوَ مَنٌّ وَأَذًى وَاسْتِكْثَارٌ مَمْنُوعٌ بِالنَّصِّ وَقَدْ قَالُوا النَّدْبُ لِلْمُتَصَدِّقِ الْإِجْلَالُ وَالتَّوْقِيرُ لِلْفَقِيرِ حَيْثُ صَارَ سَبَبًا لِكَوْنِ الْمَالِ الْمُسْتَعَارِ الْمُجَازَى مِلْكًا حَقِيقِيًّا لَهُ وَمُدَارًا عَلَى كَوْنِهِ مُثَابًا عَلَى ذَلِكَ الْمَالِ وَعَلَى كَوْنِ مَالِهِ مَأْمُونًا مِنْ الضَّيَاعِ وَالتَّلَفِ حَيْثُ كَأَنَّهُ وَضَعَهُ فِي خِزَانَةِ الْمَلِكِ الْغَفَّارِ وَكَذَا دَفَعَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالِاخْتِيَالِ عِنْدَ الصَّدَقَةِ إظْهَارُ الْغِنَى) عَنْ الْمَالِ الْمُعْطَى (وَعَدَمُ الِالْتِفَاتِ إلَى الْمَالِ) الَّذِي أَعْطَاهُ كَأَنَّهُ فِي نَظَرِهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِئَلَّا يَتَوَهَّمُ الْفَقِيرُ الِامْتِنَانَ وَالْأَذَى (وَاسْتِصْغَارُهُ)
[ ٢ / ١٨٦ ]
أَيْ الْمَالِ الَّذِي أَعْطَاهُ (وَاسْتِقْلَالُهُ) عَدُّهُ قَلِيلًا حَقِيرًا تَعْظِيمًا لِلْفَقِيرِ (لِيَقْصِدَهُ الْفَقِيرُ) يَمِيلُ إلَيْهِ وَيُرِيدُهُ (بِنَشَاطٍ وَأَمْنٍ مِنْ الْمَنِّ وَالْأَذَى) وَيَكُونُ تَرْغِيبًا لَهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ وَلِلْغَيْرِ مُطْلَقًا. وَقِيلَ الْمُرَادُ إظْهَارُ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ الْغُنَّ بِأَنْ يَأْخُذَ الصَّدَقَةَ كَالْمُسْتَغْنِي عَنْهَا غَيْرَ سَائِلٍ وَلَا مُلِحٍّ وَلَا مُذِلٍّ نَفْسَهُ. وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ إظْهَارُ مَنْ يُرِيدُ التَّصَدُّقَ عَلَيْهِ الِاسْتِغْنَاءَ تَعَفُّفًا عَنْ أَخْذِهَا وَالْجَهْدَ عَلَى الْكَفَافِ مِنْ الْكَسْبِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى كَمَا فِي الْحَدِيثِ فَكَأَنَّهُ لَا يَرْتَكِنُ عَلَى أَخْذِ غُسَالَةِ مَالِ الْغَيْرِ كَالْهَاشِمِيِّ حَرُمَ لِجَلَالَتِهِمْ الصَّدَقَةُ عَلَيْهِمْ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ هُوَ إكْثَارُ الصَّدَقَةِ