(وَأَمَّا الْبُخْلُ فَفِيهِ مَبْحَثَانِ)
(الْمَبْحَثُ الْأَوَّلُ) . (فِي غَوَائِلِهِ وَسَبَبِهِ وَآفَاتِهِ أَمَّا الْأُولَى) أَيْ الْغَوَائِلُ (فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٨٠] بِأَنْ مَنَعُوا حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى الْوَاجِبَةَ، وَقِيلَ أَيْ مِنْ عَطَائِهِ مِنْ الْعِلْمِ بِكِتْمَانِهِ ﴿هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨٠] أَيْ الْبُخْلُ ﴿شَرٌّ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٠] لِاسْتِجْلَابِ الْعِقَابِ عَلَيْهِمْ ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٠] مِنْ الطَّوْقِ ﴿مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠] بَيَانٌ لِكَوْنِهِ شَرًّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]، وَعَنْهُ - ﵊ - «مَا مِنْ رَجُلٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ إلَّا جَعَلَ اللَّهُ لَهُ شُجَاعًا فِي عُنُقِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَقِيلَ يَجْعَلُ مَا بَخِلَ بِهِ مِنْ الزَّكَاةِ حَيَّةً يُطَوِّقُهَا فِي عُنُقِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَنْهَشُهُ مِنْ قَرْنِهِ إلَى قَدَمِهِ وَتَنْقُرُ رَأْسَهُ وَتَقُولُ أَنَا مَالُك»، وَفِي الْحَدِيثِ «مَنْ ظَلَمَ قَيْدَ شِبْرٍ مِنْ الْأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» . (ت عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «خَصْلَتَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي مُؤْمِنٍ» كَامِلٍ فَلَا يَرِدُ وُجُودُهُمَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا يَلْزَمُ كُفْرُ مَنْ وُجِدَا فِيهِ «الْبُخْلُ وَسُوءُ الْخُلُقِ» أَوْ الْمُرَادُ بُلُوغُ النِّهَايَةِ فِيهِمَا بِحَيْثُ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُمَا، وَلَا يَنْفَكَّانِ عَنْهُ فَمَنْ فِيهِ بَعْضُ ذَا وَبَعْضُ ذَا وَيَنْفَكُّ عَنْهُ أَحْيَانًا فَبِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ وَالْفَضْلُ لِلْمُتَقَدِّمِ إذْ كَثِيرًا مَا يُطْلَقُ الْمُؤْمِنُ فِي التَّنْزِيلِ وَيُرَادُ الْمُؤْمِنُ حَقًّا الَّذِي ارْتَقَى إلَى أَعْلَى دَرَجَاتِ الْإِيمَانِ قَالَ الْمُنَاوِيُّ الْحَدِيثُ غَرِيبٌ
[ ٣ / ٩ ]
عِنْدَ بَعْضٍ وَضَعِيفٌ عِنْدَ آخَرَ.
(ت عَنْ) أَبِي بَكْرٍ (الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ» دُخُولًا أَوَّلِيًّا بِلَا حِسَابٍ، وَلَا بَأْسَ أَوْ لَا يَدْخُلُهَا حَتَّى يُعَاقَبَ بِمَا اجْتَرَحَهُ قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ هَذَا هُوَ السَّبِيلُ فِي تَأْوِيلِ أَمْثَالِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ لِتُوَافِقَ أُصُولَ الدِّينِ، وَقَدْ هَلَكَ بِالتَّمَسُّكِ بِظَوَاهِرِ أَمْثَالِهَا جَمٌّ غَفِيرٌ مِنْ الْمُبْتَدِعَةِ وَمَنْ عَرَفَ وُجُوهَ الْقَوْلِ، وَأَسَالِيبَ الْبَيَانِ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ هَانَ عَلَيْهِ التَّخْلِيصُ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ تِلْكَ الشُّبَهِ «خِبٌّ» بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ الْخَدَّاعُ الْمُفْسِدُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَيْ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَعَ هَذِهِ الْخَصْلَةِ حَتَّى يَطْهُرَ مِنْهَا إمَّا بِتَوْبَةٍ أَوْ بِعَفْوٍ مِنْ اللَّهِ أَوْ بِعَذَابٍ «، وَلَا بَخِيلٌ» قِيلَ مَانِعُ الزَّكَاةِ، وَقِيلَ عَامٌّ لِمَانِعِ مُؤْنَةِ مَنْ يَمُونُ عَلَيْهِ، وَقِيلَ مُطْلَقُ حُقُوقِ الْعِبَادِ («، وَلَا مَنَّانٌ» مَنْ يَمُنُّ عَلَى النَّاسِ بِمَا يُعْطِيهِ فَالْمِنَّةُ تُبْطِلُ أَجْرَ الصَّدَقَةِ أَوْ بِمَعْنَى النَّقْصِ وَالْقَطْعِ مُرَادًا بِهِ نَقْصَ الْحُقُوقِ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَقَوْلُهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَشَدُّ وَعِيدًا مَنْ يَدْخُلُ النَّارَ؛ لِأَنَّهُ يُرْجَى مِنْهُ الْخَلَاصُ فَهُوَ وَعِيدٌ شَدِيدٌ، وَالْحَدِيثُ أَيْضًا قِيلَ غَرِيبٌ، وَقِيلَ ضَعِيفٌ.
(د عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «شَرُّ مَا فِي الرَّجُلِ» مِنْ الْأَوْصَافِ وَالْأَخْلَاقِ «شُحٌّ هَالِعٌ» أَيْ جَازِعٌ يَعْنِي شُحًّا يَحْمِلُ عَلَى الْحِرْصِ عَلَى الْمَالِ وَالْجَزَعِ عَلَى ذَهَابِهِ قِيلَ هُوَ مَنْ لَا يَشْبَعُ كُلَّمَا وَجَدَ شَيْئًا بَلَعَهُ، وَلَا قَرَارَ لَهُ، وَلَا يَتَبَيَّنُ فِي جَوْفِهِ وَيَحْرِصُ عَلَى تَهْيِئَةِ شَيْءٍ آخَرَ قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ وَالشُّحُّ بُخْلٌ مَعَ حِرْصٍ وَكُلُّ مَا يَمْنَعُ النَّفْسَ مِنْ بَذْلِ مَالٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ طَاعَةٍ، وَالْهَلَعُ أَفْحَشُ الْجَزَعِ أَيْ أَنَّهُ يَجْزَعُ فِي شُحِّهِ أَشَدَّ الْجَزَعِ عَلَى اسْتِخْرَاجِ الْحَقِّ مِنْهُ قَالُوا، وَلَا يَجْتَمِعُ الشُّحُّ مَعَ مَعْرِفَةٍ أَبَدًا فَإِنَّ الْمَانِعَ مِنْ الْإِنْفَاقِ وَالْجُودِ خَوْفُ الْفَقْرِ جَهْلٌ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَعَدَمُ وُثُوقٍ بِوَعْدِهِ وَضَمَانِهِ وَمَنْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ هُوَ الرَّزَّاقُ لَمْ يَثِقْ بِغَيْرِهِ وَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ الْأَغْنِيَاءُ يَثِقُونَ بِالْأَرْزَاقِ وَالْفُقَرَاءُ يَثِقُونَ بِالْخَلَّاقِ «وَجُبْنٌ» أَيْ خَوْفٌ «خَالِعٌ» شَدِيدٌ كَأَنَّهُ يَخْلَعُ فُؤَادَهُ مِنْ شِدَّةِ خَوْفِهِ، وَالْمُرَادُ مَا يَعْرِضُ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَفْكَارِ وَضَعْفِ الْقَلْبِ عِنْدَ الْخَوْفِ فَلَا يَقْدَمُ عَلَى نَحْوِ مُحَارَبَةِ الْكُفَّارِ وَدُخُولِ عَمَلِ الْأَبْرَارِ أَوْ يَخْلَعُ الشَّجَاعَةَ وَيَذْهَبُ بِهَا قَالَ الطِّيبِيُّ الْفَرْقُ بَيْنَ وَصْفِ الشُّحِّ بِالْهَلَعِ وَالْجُبْنِ بِالْخَلْعِ أَنَّ الْهَلَعَ فِي الْحَقِيقَةِ لِصَاحِبِ الشُّحِّ فَأُسْنِدَ إلَيْهِ مَجَازًا فَهُمَا حَقِيقِيَّانِ لَكِنَّ الْإِسْنَادَ مَجَازِيٌّ، وَلَا كَذَلِكَ الْخَلْعُ إذَا لَيْسَ مُخْتَصًّا بِصَاحِبِ الْجُبْنِ حَتَّى يُسْنَدَ إلَيْهِ مَجَازًا بَلْ هُوَ وَصْفٌ لِلْجُبْنِ لَكِنَّ الْمَجَازَ حَيْثُ أُطْلِقَ وَأُرِيدَ بِهِ الشِّدَّةُ، وَإِنَّمَا قَالَ شَرُّ مَا فِي الرَّجُلِ دُونَ الْإِنْسَانِ؛ لِأَنَّ الشُّحَّ وَالْجُبْنَ مِمَّا تُحْمَدُ عَلَيْهِ الْمَرْأَةُ وَيُذَمُّ بِهِ الرَّجُلُ أَوْ؛ لِأَنَّ الْخَصْلَتَيْنِ تَقَعَانِ مَوْقِعًا فِي الذَّمِّ مِنْ الرِّجَالِ فَوْقَ مَا تَقَعَانِ فِي النِّسَاءِ كَمَا فِي الْفَيْضِ فَيَنْدَفِعُ مَا قِيلَ إنَّ الْمُرَادَ مِنْ الرَّجُلِ هُوَ الْإِنْسَانُ فَتَدَبَّرْ.
(طب) الطَّبَرَانِيُّ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَاحُ أَوَّلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِالزَّهَادَةِ» بِالْفَتْحِ أَيْ كَرَاهِيَةِ الدُّنْيَا وَالْإِدْبَارِ عَنْهَا، وَفِي نُسْخَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِالزُّهْدِ بَدَلَ الزَّهَادَةِ «وَالْيَقِينِ» بِوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ، وَقِيلَ بِالتَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى قَالَ فِي الْفَيْضِ الَّذِي يُصَيِّرُ الْعَبْدَ شَاكِرًا لِلَّهِ خَالِصًا لَهُ مُتَوَاضِعًا مُعْرِضًا مُسْلِمًا فَيَتَوَلَّى اللَّهَ وَيَتَوَلَّاهُ اللَّهُ «، وَهَلَاكُ آخِرِهَا بِالْبُخْلِ وَالْأَمَلِ»، وَفِي نُسْخَةِ الْجَامِعِ وَيَهْلِكُ بَدَلَ، وَهَلَاكُ لَكِنَّ الْمُلَائِمَ لِقَوْلِهِ صَلَاحُ
[ ٣ / ١٠ ]
هُوَ الْأَوَّلُ وَذَلِكَ لَا يَظْهَرُ إلَّا مَنْ فَقَدَ الْيَقِينَ سَاءَ ظَنُّهُمْ بِرَبِّهِمْ فَبَخِلُوا وَتَلَذَّذُوا بِشَهَوَاتِ الدُّنْيَا فَحَدَّثُوا أَنْفُسَهُمْ بِطُولِ الْأَمَلِ - ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا﴾ [النساء: ١٢٠]- وَالْمُرَادُ أَنَّ غَلَبَةَ الْبُخْلِ وَالْأَمَلِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ يَكُونُ مِنْ الْأَسْبَابِ الْمُؤَدِّيَةِ لِلْهَلَاكِ بِكَثْرَةِ الْجَمْعِ وَالْحِرْصِ وَحُبِّ الْمَالِ الْمُؤَدِّي إلَى الْفِتَنِ وَالْحُرُوبِ وَالْقَتْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْيَقِينُ تَيَقُّنُ كَوْنِهِ تَعَالَى هُوَ الرَّزَّاقُ الْمُتَكَفِّلُ لِلْأَرْزَاقِ فَمَنْ تَيَقَّنَهُ لَمْ يَبْخَلْ؛ لِأَنَّ إمْسَاكَ الْمَالِ لِعَدَمِ التَّيَقُّنِ وَطُولِ الْأَمَلِ.
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ تَلَوْتُ عَلَى أَعْرَابِيٍّ ﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾ [الذاريات: ١] فَلَمَّا بَلَغْتُ ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ [الذاريات: ٢٢] قَالَ حَسْبُك، وَقَامَ إلَى نَاقَتِهِ فَنَحَرَهَا وَوَزَّعَهَا عَلَى مَنْ أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، وَعَمَدَ إلَى سَيْفِهِ فَكَسَرَهُ وَوَلَّى فَلَقِيتُهُ بِالطَّوَافِ قَدْ نَحَلَ جِسْمُهُ وَاصْفَرَّ لَوْنُهُ فَسَلَّمَ عَلَيَّ وَاسْتَقْرَأَنِي السُّورَةَ فَلَمَّا بَلَغْتهَا صَاحَ، وَقَالَ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ غَيْرُ هَذَا فَقَرَأْتُ - ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [الذاريات: ٢٣]- فَصَاحَ، وَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ مَنْ ذَا الَّذِي أَغْضَبَ الْجَلِيلَ حَتَّى حَلَفَ قَالَهَا ثَلَاثًا فَخَرَجَتْ مَعَهَا رُوحُهُ. وَقَالَ الْحُكَمَاءُ الْجَاهِلُ يَعْتَمِدُ عَلَى الْأَمَلِ وَالْعَاقِلُ يَعْتَمِدُ عَلَى الْعَمَلِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْأَمَلُ كَالسَّرَابِ غُرَّ مَنْ رَآهُ وَخَابَ مَنْ رَجَاهُ قِيلَ إنَّ قِصَرَ الْأَمَلِ حَقِيقَةُ الزُّهْدِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ سَبَبٌ؛ لِأَنَّ مَنْ قَصَرَ أَمَلُهُ زَهِدَ وَيَتَوَلَّدُ مِنْ طُولِ الْأَمَلِ الْكَسَلُ عَنْ الطَّاعَةِ وَالتَّسْوِيفُ بِالتَّوْبَةِ وَالرَّغْبَةُ فِي الدُّنْيَا وَنِسْيَانُ الْآخِرَةِ، وَقَسْوَةُ الْقَلْبِ؛ لِأَنَّ رِقَّتَهُ وَصَفَاءَهُ إنَّمَا يَقَعُ بِتَذَكُّرِ الْمَوْتِ فَاجْتَهِدْ فِي الطَّاعَةِ وَارْضَ بِمَا قَلَّ. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ الْأَمَلُ مَذْمُومٌ إلَّا لِلْعُلَمَاءِ فَلَوْلَاهُ لَمَا صَنَّفُوا ثُمَّ حَاصِلُ الْحَدِيثِ كَوْنُ الْبُخْلِ سَبَبًا لِلْهَلَاكِ، وَهُوَ مَطْلُوبٌ فَلَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ دَلَالَتَهُ عَلَى الْمَطْلُوبِ خَفِيفٌ ثُمَّ اُخْتُلِفَ فِي كَوْنِهِ غَرِيبًا وَضَعِيفًا، وَعَنْ الْمُنْذِرِيِّ إسْنَادُهُ مُهْمَلٌ لِلتَّحْسِينِ وَمَتْنُهُ غَرِيبٌ.
(تَتِمَّةٌ) رُوِيَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ فَإِذَا رَجُلٌ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ يَقُولُ بِحُرْمَةِ هَذَا الْبَيْتِ اغْفِرْ لِي قَالَ وَمَا ذَنْبُك قَالَ هُوَ أَعْظَمُ مِنْ الْوَصْفِ قَالَ صِفْهُ قَالَ إنِّي رَجُلٌ ذُو ثَرْوَةٍ مِنْ الْأَمْوَالِ، وَإِنَّ السَّائِلَ لَيَأْتِينِي فَكَأَنَّمَا يَسْتَقْبِلُنِي بِشُعْلَةٍ مِنْ نَارٍ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَنَحَّ عَنِّي حَتَّى لَا تُحْرِقَنِي بِنَارِك فَوَاَلَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ رَسُولًا لَوْ قُمْت بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ ثُمَّ صَلَّيْت أَلْفَ عَامٍ وَتَبْكِي حَتَّى تَجْرِيَ مِنْ عُيُونِك الْعُيُونُ، وَأَنْتَ بَخِيلٌ لَئِيمٌ لَكَبَّك اللَّهُ عَلَى النَّارِ»، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى جَنَّةَ عَدْنٍ قَالَ تَزَيَّنِي فَتَزَيَّنَتْ فَنَظَرَ إلَيْهَا فَقَالَ تَكَلَّمِي فَقَالَتْ طُوبَى لِمَنْ دَخَلَنِي، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى، وَعِزَّتِي لَا أُسْكِنُك بَخِيلًا» .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ إذَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْمٍ شَرًّا أَمَّرَ عَلَيْهِمْ شِرَارَهُمْ وَجَعَلَ أَرْزَاقَهُمْ بِأَيْدِي بُخَلَائِهِمْ.
وَقَالَ كَعْبٌ مَا مِنْ صَبَاحٍ إلَّا، وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ اللَّهُمَّ عَجِّلْ لِمُمْسِكٍ تَلَفًا؛ وَلِمُنْفِقٍ خَلَفًا، وَعَنْ بِشْرٍ الْحَافِي الْبَخِيلُ لَا غِيبَةَ لَهُ وَالنَّظَرُ إلَى الْبَخِيلِ يُقْسِي الْقَلْبَ وَمُدِحَتْ امْرَأَةٌ بِأَنَّهَا صَوَّامَةٌ قَوَّامَةٌ إلَّا أَنَّ فِيهَا الْبُخْلَ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَا خَيْرُهَا إذَنْ، وَعَنْ الْمُعْتَزِّ أَبْخَلُ النَّاسِ بِمَالِهِ أَجْوَدُهُمْ بِعَرْضِهِ، وَعَنْ يَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ مَا فِي الْقَلْبِ لِلْأَسْخِيَاءِ إلَّا حُبٌّ، وَلَوْ فُجَّارًا وَمَا لِلْبُخَلَاءِ إلَّا بُغْضٌ، وَلَوْ أَبْرَارًا كُلُّهُ مِنْ الْإِحْيَاءِ؛ وَلِذَا كَانَ مِنْ دُعَائِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَا فِي الْبُخَارِيِّ «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ الْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِك مِنْ الْجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِك أَنْ أُرَدَّ إلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ» .
(وَأَمَّا سَبَبُ الْبُخْلِ فَحُبُّ الْمَالِ) لِذَاتِهِ وَالْمَيْلُ إلَى الدُّنْيَا وَزَخَارِفِهَا، وَلَذَّاتِهَا وَالْحِرْصُ عَلَى الْبَقَاءِ وَطُولُ الْأَمَلِ (لَا لِلتَّصَدُّقِ)، وَلَا لِلصَّرْفِ إلَى وُجُوهِ الْبِرِّ كَالْوَقْفِ وَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَالْمَدَارِسِ وَالْقَنَاطِرِ فَإِنَّهُ - ﵊ - قَالَ «نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ مِنْ الرَّجُلِ»، وَإِنَّ لِلْغَنِيِّ عِبَادَاتٍ لَيْسَتْ لِلْفَقِيرِ؛ لِأَنَّ الْغَنِيَّ جَامِعٌ بَيْنَ عِبَادَتَيْ النَّفْسِ وَالْمَالِ، وَقَدْ امْتَنَّ اللَّهُ بِالْمَالِ عَلَى حَبِيبِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ - ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٨]- كَمَا مَنَّ عَلَيْهِ بِالْهُدَى؛ وَلِذَا اخْتَارَ الْغِنَى كَثِيرٌ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَدَاوُد وَسُلَيْمَانَ، وَإِبْرَاهِيمَ وَيُوسُفَ، وَأَيُّوبَ وَشُعَيْبٍ، وَأَيْضًا كَثِيرٌ مِنْ الصَّحَابَةِ كَعُثْمَانَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ حَتَّى رُوِيَ
[ ٣ / ١١ ]
أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فِي مَرَضِهِ فَصُولِحَتْ امْرَأَتُهُ مِنْ رُبْعِ ثُمُنِهَا عَلَى ثَمَانِينَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَفِي رِوَايَةٍ عَلَى ثَمَانِينَ أَلْفِ دِينَارٍ، وَإِنْ كَانَ الْأَصَحُّ فَضْلَ الْفَقْرِ عَلَى الْغِنَى (وَ) لَا (لِقِوَامِ الْبَدَنِ) لِبَقَاءِ الْبِنْيَةِ، وَأَدَاءِ الْعِبَادَاتِ كَمَا فِي قَوْلِهِ - ﵊ - «نَفْسُك مَطِيَّتُك فَارْفُقْ بِهَا» (وَإِقَامَةِ الْوَاجِبِ) مِنْ دَيْنٍ وَكَذَا النَّفَقَةُ فَحُبُّ الْمَالِ لِوَاحِدٍ مِمَّا ذُكِرَ سَبَبًا لَيْسَ لِلْبُخْلِ (وَهُوَ) أَيْ حُبُّ الْمَالِ لَا لِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ. .