عن أبي قتادة قال: قال رسول الله ﷺ:) إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه، فإنهم يتزاورون في قبورهم (.
قال البيهقي بعد تخريجه: وهذا لا يخالف قول أبي بكر الصديق ﵁ في الكفن إنما هو للمهلة والصديد، لأن ذلك كذلك في رؤيتنا ويكون كما شاء الله في علم الله، كما قال في الشهداء (بَل أَحياءٌ عِندَ رَبِّهِم يُرزَقونَ) وهو ذا نراهم يتشحطون في الدماء ثم ينشفون، وإنما يكونون كذلك في رؤيتنا، ويكونون في الغيب كما أخبر الله عنهم، ولو كانوا في رؤيتنا كما أخبرنا الله تعالى عنهم لارتفع الإيمان بالغيب.
وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ:) حسِّنوا أكفان موتاكم فإنهم يتباهون ويتزاورون في قبورهم (.
وأخرج ابن عدي في الكامل من حديث أبي هريرة مرفوعًا مثله.
[ ٥١ ]
وأخرج الخطيب في التاريخ من حديث أنس مرفوعًا مثله.
وعن ابن سيرين قال: كان يحب حسن الكفن، ويقال: إنهم يتزاورون في أكفانهم.
وعن محمد بن سيرين قال: كانوا يستحبون أن يكون الكفن ملفوفًا مزرورًا وقال: إنهم يتزاورون في قبورهم (.
وعن راشد بن سعد: أن رجلًا توفيت امرأته، فرأى نساء في المنام ولم يرى امرأته معهن، فسألهن فقلن إنكم قصرتم في كفنها فهي تستحي أن تخرج معنا، فأتى الرجل النبي ﷺ فأخبره، فقال النبي ﷺ أنظر هل إلى ثقة من سبيل (فأتى رجلًا من الأنصار قد حضرته الوفاة فأخبره فقال الأنصاري: إن كان أحد يبلغ الموتى بلغت فتوفي الأنصاري فجاء بثوبين مصبوغين بالزعفران
[ ٥٢ ]
فجعلهما في كفن الأنصاري، فلما كان الليل رأى النسوة ومعهن امرأته وعليها الثوبان الأصفران.
وعن قيس بن قبيصة قال: قال رسول الله ﷺ:) من لم يؤمن لم يؤذن له في الكلام (قيل يا رسول الله ﷺ وهل يتكلم الموتى؟ قال:) نعم، ويتزاورون (.
وعن الشعبي قال: إن الميت إذا وضع في لحده أتاه أهله وولده فيسألهم عمن خلف بعده كيف فعل فلان وما فعل فلان.
وعن مجاهد: إن الرجل ليسر بصلاح ولده في قبره.
قال ابن القيم: الأرواح قسمان منعمة ومعذبة، فأما المعذبة فهي في شغل عن التزاور والتلاقي، وأما المنعمة المرسلة غير المحبوسة فتتلاقى وتتزاور وتتذاكر ما كان منها في الدنيا وما يكون من أهل الدنيا، فتكون كل روح مع رفيقها الذي هو مثل عملها، وروح نبينا محمد ﷺ في الرفيق الأعلى. قال الله تعالى: (وَمَن يُطِعِ اللَهَ وَالرَسولَ فَأُؤلَئِكَ مَعَ الَّذينَ أَنعَمَ اللَهُ عَلَيهِم مِنَ النَبِيّينَ وَالصِدّيقينَ وَالشُهَداءَ وَالصالِحينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفيقًا) وهذه المعية ثابتة في الدنيا وفي دار البرزخ وفي الجزاء والمرء مع من أحب في الدور الثلاثة.
[ ٥٣ ]
قال السلفي: عود الروح إلى الجسد في القبر ثابت على الصحيح لجميع الموتى وإنما الخلاف في استمرارها في البدن، وهو أن البدن يصير حيًا بها كحالته في الدنيا أو حيًا بدونها، وهي حيث يشاء الله، فإن ملازمة الحياة للروح أمر عادي لا عقلي، هذا وإن البدن يصير بها حيًا كحالته في الدنيا مما يجوزه العقل فإن صح به سمع اتبع وقد ذكره جماعة من العلماء، ويشهد له صلاة موسى في قبره فلا تستدعي جسدًا حيًا، وكذلك الصفات المذكورات في الأنبياء ليلة الإسراء كلها صفات لا أجساد ولا يلزم من كونها حياة حقيقية أن تكون الأبدان معها كما في الدنيا من الاحتياج إلى الطعام والشراب وغير ذلك من صفات الأجسام التي نشاهدها بل يكون لها حكم آخر. وأما الأول كالعلم والسماع فلا شك أن ذلك ثابت لجميع الموتى، هذا كلام السبكي.
قال اليافعي: مذهب أهل السنة أن أرواح الموتى ترد في بعض الأوقات من عليّين أو من سجين إلى أجسادهم في قبورهم عند إرادة الله تعالى، وخصوصًا ليلة الجمعة ويجلسون ويتحدثون وينعم أهل النعيم ويعذب أهل العذاب مادام في عليين أو سجين، وفي القبر يشترك الروح والجسد.
[ ٥٤ ]