إن التحذير من الشر باب من أبواب الخير، قال حذيفة - ﵁ -: "كان الناس يسألون رسول اللهﷺ - عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني" الحديث (١).
فالدفع أسهل من الرفع، والتخلية مقدمة على التحلية، والوقاية خير من العلاج، وأحيانًا تكون العلاجَ الوحيد، والخبرة بالظلام تميزه عن النور، وتعصم من التورط فيه، فالضِّدُّ يُظِهر حُسْنَه الضدُّ، وبضدها تتميز الأشياء، قال أمير المؤمنين عمر - ﵁ -: "يوشك أن يَهْدِمَ الإِسلامَ حَجَرًا حَجَرًا مَن جهل عاداتِ الجاهلية".
عرفتُ الشرَّ لا للشرِّ لكنْ لتوقِّيه
ومن لا يعرف الشرَّ من الخير يقعْ فيه
قال الأستاذ محمَّد أحمد الراشد -حفظه الله تعالى-: "كان حذيفة - ﵁ - لا يقنع أن يشارك إخوته من الصحابة - ﵁ - سؤالَهم رسولَ الله - ﷺ - عن مكملات الخير الذي هم فيه، وما أن يشاركهم فرحهم بالخير حتى تلذع ابتسامةَ قلبِه تخوفاتٌ من احتمالات شَرِّ مبهم يراه مُقبِلًا، يجهل صفته وعلامته، فيظل قلقًا وجلًا، حتى ينعته له رسول اللهﷺ - ويذكر له بوادره ومقدماته التي ستنبهه يومًا ما إلى الاحتياط ورفع صوته بأذان التحذير.
_________________
(١) رواه البخاريّ في "صحيحه" (٩/ ٦٥).
[ ١٢ ]
كان يريد علمًا يكمِّل علم الخير، فصار يحرص على أن يخلو برسول الله - ﷺ - يسأله.
يقول حذيفة - ﵁ -: "كان الناس يسألون رسول اللهﷺ - عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني".
فأتقن علم الشر بهذا الحرص، وأحاط خُبرًا بما سيكون من فتن وسوء ونفاق، حتى احتاج إلى علمه كبارُ الصحابة، وطفِق مثلُ عمرَ - ﵁ - يسأله، ويستشيره.
والمغزى الأكبر هنا يكمن في استجابة رسول اللهﷺ - لحذيفة، وجوابه له، وقبولِهِ تعليمه علمَ الشر.
لم يقل له: "إننا في خير، ونسير من نصر إلى نصر، فاصرف عنك الهواجس"؛ بل أجابه، وأعلمه.
وإنما نستمد نحن مُسَوِّغاتِ تطرقِ بحوثِ فقهِ الدعوة لعلم الفتن والقواصم، وما ينجي منها من النور والعواصم، من مواطأة النبي - ﷺ - لحذيفة، وتزويده له بما أراد. نتعلم علم الشر كي نراه ونميزه قبل أن يغزونا" (١).
_________________
(١) "العوائق" ص (١٧٣ - ١٧٥).
[ ١٣ ]