قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ [البقرة: ١٥٣].
وقال -﷿-: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
فالله﷾- يجزي المؤمن على صبره، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (١١١)﴾ [المؤمنون: ١٠٩ - ١١١]،فأخبر سبحانه أنه جزاهم على صبرهم، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ [الفرقان: ٢٠].
أي: أتصبرون على البلاء، فقد عرفتم ما وجد الصابرون، فقرن الله -سبحانه- الفتنة بالصبر ها هنا، وفي قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠)﴾ [النحل: ١١٠].
عن أُسيد بن حُضَير - ﵁ - أن رجلًا أتى النبيَّﷺ - فقال: يا رسول الله! استعملتَ فلانًا ولم تستعملني، فقال
[ ٣٢ ]
النبي - ﷺ -: "إنكم سترون بعدي أُثْرة -وفي لفظ: ستلقون بعدي أثرة- فاصبروا حتى تلقوني على الحوض" (١)
وعن أمير المؤمنين معاوية - ﵁ - قال: سمعتُ النبيﷺ - يقول: "لم يبقَ من الدنيا إلا بلاء وفتنة" (٢).
وقد جعل النبي - ﷺ - الصبر أوسع العطاء، فقال كما في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -: "وما أُعطي أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر" (٣)، وذلك أن الصبر لا يعقبه إلا السعة واليسر، قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾ [الشرح: ٥، ٦]؛ ولذا قال عمر - ﵁ -: "أدركنا خير عيشنا بالصبر".
أَمَا والذي لا خُلْدَ إلا لوجهه ومن ليس في العز النيع له كفو
لئن كان بدء ابصبر مُرًّا مذاقُهُ لقد يُجتني من غِبِّه الثمرُ الحلو
وعن المقداد بن الأسود - ﵁ - قال: ايْمُ الله، لقد سمعت رسول اللهﷺ - يقول: "إن السعيد لَمَنْ جُنِّبَ الفتن، إن السعيد لَمَنْ جُنِّبَ الفتن، إن السعيد لَمَنْ جُنِّبَ الفتن، ولَمَنْ ابتُلِيَ فَصبر، فَوَاهًا" (٤).
_________________
(١) رواه البخاريّ (٧/ ٦٤٤ - فتح) رقم (٤٣٣٠)، والأُثْرة: الانفراد بالشيء المشترك دون من يشركه فيه، وقيل: الشدة.
(٢) تقدم تخريجه ص (٩).
(٣) رواه البخاريّ (٢/ ١٥٢)، ومسلم باب (٤٢) رقم (١٢٤).
(٤) أخرجه أبو داود في الفتن والملاحم، باب النهي عن السعي في الفتن: (٤/ ٤٦٠)، رقم (٤٢٦٣)، وسكت عليه المنذري في "مختصر أبي داود": (٦/ ١٤٨)، =
[ ٣٣ ]
وعن أبي ذر - ﵁ - قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: "يا أبا ذر" قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك -فذكر الحديث- قال فيه: "كيف أنت إذا أصاب الناسَ موتٌ يكون البيتُ فيه بالوصيف؟ " - يعني: القبر- قلت: الله ورسوله أعلمُ، أو قال: ما خار الله لي ورسوله (١)، قال: "عليك بالصبر" أو قال: "تصبر " الحديث (٢).
وفي رواية أن أبا ذر قال: ركب رسول الله - ﷺ - حمارًا، وأردفني خلفه وقال: "يا أبا ذر: أرأيت إن أصاب الناسَ جوعٌ شديد لا تستطيع أن تقوم من فراشك إلى مسجدك، كيف تصنع؟ " قال: الله ورسوله أعلم، قال: "تعفف" قال: "يا أبا ذر: أرأيت إن أصاب الناس موت شديد يكون البيت فيه بالعبد -يعني: القبر- كيف تصنع؟ " قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "اصبر " الحديث (٣).
_________________
(١) = وصححه الألباني في "صحيح أبي داود": (٣/ ٨٠٣). و"واهًا" كلمة تعني التلهف، أو يعبر بها عن الإعجاب بالشيء، فكأنه قال: ما أحسن وما أطيب من ابتلي بالفتن فصبر على البلاء!
(٢) أي: ما اختار الله لي ورسوله. "عون المعبود": (١١/ ٣٤٢)، "بذل المجهود": (١٧/ ١٦٦).
(٣) أخرجه أبو داود في الفتن والملاحم، باب في النهي عن السعي في الفتنة: (٤/ ٤٥٨، رقم ٤٢٦١)، وابن ماجه في الفتن، باب التثبت في الفتن: (٢/ ١٣٠٨، رقم ٣٩٥٨)، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود": (٣/ ٨٠٣)، و"صحيح ابن ماجه": (٢/ ٣٥٥).
(٤) رواه الإِمام أحمد (٥/ ١٤٩) بهذا اللفظ، وهو بنحو لفظ أبي داود وابن ماجه المذكور قبله، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": (٢/ ١٢٩٠)، رقم (٧٨١٩).
[ ٣٤ ]
والمراد بالبيت المذكور في الروايتين: القبر، كما هو مصرَّح به في الحديث، وكما ذكره جمع من أهل العلم؛ كالخطابي (١)، وابن الأثير (٢) وغيرهما.
وأما الوصيف: فهو العبد أو الخادم، والوصيفة: الأمة، يُريد أن الناس يُشغلون عن دفن موتاهم، وهذا يدل على أن الفتن تكثر، فتكثر القتلى، حتى إنه ليشتري موضع قبر يدفن فيه الميت بعبدٍ، من ضيق المكان عليهم، مبالغةً في كثرة وقوع الفتن، أو لاشتغال بعضهم ببعض، وبما حدث من الفتن لا يوجد من يحفر قبر ميت ويدفنه، إلا أن يعطى وصيفًا أو قيمته (٣).
وعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يأتي على الناس زمان، الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر" (٤).
قال الطيبي: "المعنى: كما لا يقدر القابض على الجمر أن يصبر لإحراق يده، كذلك المتدين يومئذٍ لا يقدر على ثباته على دينه لغلبة العصاة والمعاصي وانتشار الفسق وضعف الإيمان" (٥).
_________________
(١) "معالم السنن" (٤/ ٤٥٨).
(٢) "جامع الأصول" (١٠/ ٨).
(٣) "نفس المصدر".
(٤) أخرجه الترمذي في الفتن، باب (٧٣): (٤/ ٢٥٦، رقم ٢٢٦٠) وهو حديث صحيح بشواهده كما قال الألباني في "الصحيحة": (٩٥٧)، و"صحيح الترمذي": (٢/ ٢٥٦).
(٥) "تحفة الأحوذي" (٦/ ٥٣٩).
[ ٣٥ ]
وقال القاري: "الظاهر أن معنى الحديث: كما لا يمكن القبض على الجمرة إلا بصبر شديد وتحمُّل غلبة المشقة كذلك في ذلك الزمان، لا يتصور حفظ دينه ونور إيمانه إلاَّ بصبر عظيم". انتهى (١).
_________________
(١) "نفس المصدر" (٦/ ٥٣٩).
[ ٣٦ ]