قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧] وقال -﷿-: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣].
قال العلَّامة السعدي - ﵁ -: "وفي هذا دليل لقاعدة أدبية، وهي أنه إذا حصل بحث في أمر من الأمور ينبغي أن يُولَّى مَن هو أهلٌ لذلك، ويُجعلَ إلى أهله، ولا يُتقدم بين أيديهم، فإنه أقرب إلى الصواب، وأحرى للسلامة من الخطأ" (١).
إن ذهاب العلم مقترن برواج الفتن، وإن الالتحام بالعلماء عصمة للأمة من الضلال، والعلماء سفينة نوح، من تخلَّف عنها -لا سيما في زمان الفتن- كان من المغرقين.
عن ابن مسعود وأبي موسى - ﵄ - قالا: قال رسول الله - ﷺ -: "إن بين يدي الساعة لأيامًا ينزل فيها الجهل، ويُرفع فيها العلم، ويكثر فيها الهَرْجُ؛ والهرج القتل" (٢).
وعن أنسِ - ﵁ - قال رسول اللهﷺ -: "من أشراط الساعة أن يقل العلمُ، وبظهرَ الجهل" (٣).
_________________
(١) "تفسير السعدي" ص (١٩٠).
(٢) رواه البخاريّ (١٣/ ١٣ - فتح).
(٣) رواه البخاريّ (١/ ١٧٨ - فتح).
[ ٢٢ ]
وسبب قلة العلم موت حَمَلَتِهِ، كما في الصحيحين عن عبد الله بن عمرٍو - ﵄ - قال رسول اللهﷺ -: "إن الله لا يقبض العلمَ انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يترك عالمًا اتخذ الناس رءوسًا جُهَّالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضَلُّوا، وأضَلُّوا" (١).
وعن ابن عباس - ﵄ - قال: "أتدرون ما ذَهاب العلم؟ " قلنا: لا، قال: "ذهاب العلماء" (٢).
وعنه - ﵁ - قال: "لا يزال عالم يموت، وأثر للحق يَدْرُس، حتى يكثر أهل الجهل، وقد ذهب أهلُ العلم، فيعملون بالجهل، ويدينون بغير الحق، ويضلون عن سواء السبيل" (٣).
وعن هلال بن خباب قال: سالت سعيد بن جبير، قلت: يا أبا عبد الله! ما علامة هلاك الناس؟ قال: "إذا هلك علماؤهم" (٤).
وعن زياد بن لبيد - ﵁ - قال: ذكر النبي - ﷺ - شيئًا، فقال: "ذاك أوانُ ذَهاب العلم"، قلت: يا رسول الله، وكيف يذهب العلم، ونحن نقرأ القرآن، ونُقرئه أبناءنا، وُيقرئه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة؟ قال: "ثكلتك أمك يا زياد إن كنتُ لأراك من
_________________
(١) رواه البخاريّ رقم (١٠٠) (١/ ١٧٤، ١٧٥)، ومسلم رقم (٢٦٧٣).
(٢) رواه الدارمي (١/ ٧٨).
(٣) "جامع بيان العلم" (١/ ٦٠٣) رقم (١٠٣٩).
(٤) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (١٥/ ٤٠).
[ ٢٣ ]
أفقه رجل بالمدينة، أَوَليس اليهود والنصارى يقرءون التوراة والإنجيل لا يعملون بشيء مما فيهما؟ " (١).
وعن أبي أمامة - ﵁ - مرفوعًا: "خذوا العلم قبل أن يذهب"، قالوا: وكيف يذهب العلم يا نبي الله، وفينا كتاب الله؟ قال: فغضب -لا يُغضبه الله-. ثم قال: "ثكلتكم أمهاتكم، أَوَلم تكن التوراة والإنجيل في بني إسرائيل فلم يغنيا عنهم شيئًا؟! إن ذَهاب العلم: أنْ يذهب حَمَلَتُه" (٢).
_________________
(١) "صحيح ابن ماجه" رقم (٣٢٧٢) (٢/ ٣٧٧).
(٢) رواه الدارمي (١/ ٧٧، ٧٨)، والطبراني في "الكبير" (٨/ ٢٧٦) رقم (٧٩٠٦).
[ ٢٤ ]