فليكن الأصل هو الصمت؛ إذ يكفي في فضل الصمت كونه أقوى وسيلة وقائية من الغِيبة وأخواتها من آفات اللسان، والسلامة لا يعدلها شيء إلَّا مَن تيقن مِن حصول الغنيمة بالكلام.
روُيَ عن أم حبيبة زوج النبي ﷺ، قالت: قال رسول الله - ﷺ -: "كلُّ كلام ابن آدمَ عليه، لا له، إلَّا أمرٌ بمعروف، أو نهيٌ عن منكر، أو ذِكرٌ لله" (٥).
_________________
(١) "الصمت" لابن أبي الدنيا رقم (٧١٣) ص (٣٠٣).
(٢) "الزهد" لابن أبي عاصم رقم (٣٦) ص (٣٠).
(٣) "الصمت" لابن أبي الدنيا رقم (٤٣٥).
(٤) "سير أعلام النبلاء" (٤/ ٣٥٤).
(٥) تقدم تخريجه ص (٦٦).
[ ٧٣ ]
وقال الإِمام النووي -رحمه الله تعالى-: "اعلم أنه ينبغي لكل مكلَّف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام إلَّا كلامًا ظهرت فيه المصلحة، ومتى استوى الكلامُ وتركُه في المصلحة، فالسُّنَّة الإمساك عنه؛ لأنه قد ينجرُّ الكلامُ المباح إلى حرام أو مَكروه، وذلك كثير في العادة، والسلامة (١) لا يعدلها شيء.
وعن أبي هريرة ﵁، عن النبيِّ ﷺ، قال: (مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت) متفق عليه (٢)، وهذا الحديث صريح في أنه ينبغي ألَّا يتكلم إلا إذا كان الكلامُ خيرًا، وهو الذي ظهرت مصلحتُه، ومتى شكَّ في ظهور المصلحة فلا يتكلم" (٣) اهـ.
وقد قال الإِمام الشافعي -﵀-: "إذا أراد الكلامَ فعليه أن يفكر قبل كلامه، فإن ظهرت المصلحة تكلم، وإن شكَّ لم يتكلم حتى تظهر" (٤) اهـ.
_________________
(١) السلامة: هي البراءة من العيوب، كما في "القاموس"، وهي من الكلمات الجوامع، فإن من سلم نجا، فهي قريبة من العافية؛ ولذا تكون دعوة الرسل عند مرور الناس على الصراط: "اللهم، سلِّم سلِّم"، وكان عبد الله بن الخيار يقول في مجلسه: "اللهم سلَمِّنا، وسلِّم المؤمنين منا"، وقال الشاعر: وقائلة لي ما لي أراك مُجَنِّبًا أمورًا وفيها للتجارة مربحُ فقلت لها: كفِّي ملامَكِ واسمعي فنحنُ أناس بالسلامةِ نفرحُ
(٢) تقدم تخريجه ص (٦٨).
(٣) "رياض الصالحين" مع "دليل الفالحين" (٤/ ٣٤٧، ٣٤٨).
(٤) "الأذكار النووية" ص (٢٨٤).
[ ٧٤ ]
وقال رجل لسلمان الفارسي - ﵁ -: "أوصني"، فقال: "لا تتكلم! " قال: "ما يستطيع من عاش في الناس ألَّا يتكلم"، قال: "فإن تكلمتَ فتكلم بحق، أو اسكت" (١).
قال الشافعي -﵀-:
وجدتُ سكوتي متجرًا فَلَزِمتُه إذا لم أَجِدْ ربحًا فلستُ بخاسرِ
وقال -أيضًا-:
قالوا سكتَّ وقد خوصمتَ قلتُ لهم إن الجوابَ لبابِ الشرِّ مفتاحُ
وقال مرةً رجل: "ما أشدَّ البرد اليوم! " فالتفت إليه المعافى بن عمران، وقال: "استدفأت الآن؟! لو سكتَّ؛ لكان خيرًا لك" (٢).
وقال أبو بكر بن محمَّد بن القاسم: كان شيخنا أبو إسحاق الشيرازي إذا أخطأ أحد بين يديه، قال: "أيُّ سكتةٍ فاتتك؟ " (٣).
_________________
(١) "جامع العلوم والحكم" ص (١٦٢).
(٢) "السير" (٩/ ٨٤).
(٣) "السير" (١٨/ ٤٥٥).
[ ٧٥ ]