وكثر ما تتأكد العزلة في الفتن لأحد صنفين:
أحدهما: من خشي على دينه أن يُفتن فيه، ويحول عنه.
الثاني: من كان ذا بأس وشدة، يُخْشَى على الناس منه ومن بأسه، ومثله صاحب الرأي والمشورة والدهاء، الذي يُخشى على الناس من رأيه، ولذا ورد عن ابن مسعود - ﵁ - أنه قال- لما ذُكرت عنده الفتن، وسُئل: أي أهل ذلك الزمان شر؟ - قال: "كل خطيب مِسقع، وكل راكب مُوضِع" (٢)؛ وذلك لأن الأول محرِّض على الفتنة بلسانه، والآخر بسنانه، فاجتمع الشران: شر القول، وشر العمل.
فائدة العزلة وقت الفتن:
- صيانة الدين عن المساس، والنفس عن التلف، والعِرض عن الضيم والانتهاك، والمالِ عن الضياع، وقلَّ من شارك في فتنة، وسلمت له هذه كلها.
- سلامة الصدر على المسلمين، ولذلك أمر سعد - ﵁ - أهله ألا يُخبروه بشيء من أخبار الناس لما وقعت الفتنة حتى يجتمعوا على إمام.
_________________
(١) انظر: "مسائل في الفتن" ص (٧٤، ٧٥).
(٢) انظر شرحه وتخريجه ص (٧٧).
[ ١٠٧ ]
- إطفاء الفتنة وإخماد نارها؛ لأن الناس كلما اعتزلوا الفتن؛ قلَّ أهلها، فَقَلَّ شرها، وكلما تشرَّفوا لها وقاموا وقعدوا فيها، كثَّروا سواد أهلها، فزاد شرها، وعظم خطبها. ولذلك بَوَّب البخاريّ في "صحيحه" في كتاب الفتن، فقال: باب من كره أن يُكَثِّر سواد أهل الفتن والظلم، وذكر فيه حديث أبي الأسود، قال: قطع على أهل المدينة بعثٌ فاكتتبت فيه، فلقيت عكرمة فأخبرته، فنهاني أشد النهي، ثم قال: أخبرني ابن عباس - ﵄-: أن ناسًا من المسلمين كانوا مع المشركين يُكثِّرون سواد المشركين على رسول الله - ﷺ - فيأتي السهم يصيب أحدهم فيقتله، أو يضر به فيقتله، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧].