عن عبد الله بن عمرو - ﵄- قال رسول الله - ﷺ -: "مَنْ صَمَتَ نجا" (١).
وعن أبي هريرة - ﵁ - قال رسول الله - ﷺ -: "مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت" (٢).
وعن معاذ بن جبل - ﵁ - قال رسول الله - ﷺ -: "إنك لم تَزَلْ سالمًا ما سَكَتَّ، فإذا تكلَّمْت كُتِبَ لك أو عليك" (٣).
وعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: "مَنْ كثُر كلامُه كثر سَقَطُه (٤)، ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه، ومن كثُرت ذنوبه كانت النار أولى به" (٥).
_________________
(١) رواه الترمذي (٢٥٠١)، وقال: "غريب"، وأحمد (٣/ ١٥٩)، والدارمي (٢/ ٢٩٩)، والطبراني في "الأوسط" (٢/ ٣١١) رقم (١٩٥٤)، وقال المنذري: "رواته ثقات" (٤/ ٩). ونقل المناوي عن الزين العراقي قوله: "سند الترمذي ضعيف، وهو عند الطبراني بسند جيد" اهـ. من "فيض القدير" (٦/ ١٧١). وقال الحافظ في "الفتح": "رواته ثقات" اهـ. (١١/ ٣٠٩). وصححه الألباني في "الصحيحة" رقم (٥٣٦).
(٢) رواه البخاريّ (١٠/ ٤٤٥)، ومسلم رقم (٤٧).
(٣) رواه الطبراني في "الكبير" (٢٠/ ٧٤) رقم (١٣٧)، وقال في "المجمع" "رواه الطبراني بإسنادين، ورجال أحدهما ثقات" اهـ. (١٠/ ٣٠٠)، وسكت عليه في "فتح الباري" (١١/ ٣٠٩).
(٤) السَّقَط هنا: الخطأ في القول والفعل.
(٥) "جامع العلوم والحكم" ص (١٦١).
[ ٦٨ ]
وكان رسول الله - ﷺ - طويلَ الصمت، قليلَ الضحك (١).
ووصف هندُ بنُ أبي هالة - ﵁ - منطِقَ رسول الله ﷺ للحسن بن علي - ﵄ - فقال: " كان طويلَ السكوت، لا يتكلم في غير حاجة، يفتتح الكلامَ ويختمه باسم الله تعالى، ويتكلم بجوامع الكلم، كلامه فَصْل، لا فضولَ ولا تقصير" (٢).
وسأل الحسين بن علي - ﵄- أباه عن مخرجه ﷺ، كيف كان يصنع فيه؟ فقال - ﵁ -: "كان رسول الله - ﷺ - يَخْزِن (٣) لسانه إلَّا فيما يعنيه " (٤).
وقال -أيضًا-: "كانﷺ - لا يذم أحدًا، ولا يَعيبه، ولا يطلب عورته (٥)، ولا يتكلم إلَّا فيما رجا ثوابه" (٦).
قال عبد الله - ﵁ -: "والذي لا إله إلَّا هو، ما على وجه الأرض أحوج إلى طولِ سَجْنٍ مِن لسان (٧).
_________________
(١) رواه الإِمام أحمد في "مسنده" (٥/ ٨٦، ٨٨) عن جابر بن سمرة ﵁، ورواه البيهقي بلفظ: "كان طويلَ الصمت" (٧/ ٥٢)، (١٠/ ٢٤٠)، والبغوي في "شرح السُّنَّة" (١٣/ ٢٥٦)، وحسَّنه الألباني في "المشكاة" رقم (٥٨٢٦).
(٢) "مختصر الشمائل المحمدية للترمذي" للألباني ص (٢٠).
(٣) يخزن: يحبس.
(٤) "مختصر الشمائل المحمدية للترمذي"، ص (٢٣).
(٥) أي: لا يطلب عورة أحد، وهي: ما يُستحيى منه إذا ظهر، والمعنى: لا يُظهر ما يريد الشخصُ ستره، ويخفيه عن الناس.
(٦) "مختصر الشمائل المحمدية" ص (٢٥).
(٧) أخرجه الإِمام أحمد في "الزهد" (١٦٢)، ووكيع في "الزهد" رقم (٢٨٥)، وابن أبي عاصم في "الزهد" رقم (٢٣)، وغيرهم.
[ ٦٩ ]
وعن يزيد بن أبي حبيب، قال: "إن المتكلم لينتظر الفتنة، وإن المُنْصِتَ لينتظر الرحمة" (١).
وقد قيل: "ما نَدِمَ حليمٌ ولا ساكت".
وقال الفضيل: "خصلتان تُقَسِّيان القلب: كثرةُ الكلام، وكثرةُ الأكل" (٢).
وعن سفيان، قال: "طول الصمت مِفتاحُ العبادة".
وعن محمَّد بن النضر الحارثي، قال: كان يقال: "كثرة الكلام تُذْهِبُ الوقَار" (٣).
وعن أبي الذيَّال، قال: "تعلم الصمتَ كما تتعلمُ الكلامَ، فإن يكن الكلامُ يهديك؛ فإن الصمت يقيك، ولك في الصمت خَصلتان: تأخذ به عِلْمَ مَن هو أعلمُ منك، وتدفع به عنك مَن هو أجدلُ منك" (٤).
وقال إبراهيم بن الأشعث: "سمعت الفضيل يقول: مَن استوحش مِن الوَحْدة، واستأنس بالناس، لم يسلم من الرياء، ولا حجَّ ولا جهادَ أشدُّ من حبس اللسان، وليس أحدٌ أشدَّ غَمًّا ممن سجن لسانه" (٥).
_________________
(١) "جامع بيان العلم وفضله" (١/ ٥٤٩).
(٢) "سير أعلام النبلاء" (٨/ ٤٤٠).
(٣) "الصمت" لابن أبي الدنيا رقم (٥٢)، ص (٦٨).
(٤) "جامع بيان العلم" (١/ ٥٥٠).
(٥) "سير أعلام النبلاء" (٨/ ٤٣٦).
[ ٧٠ ]
وقال إبراهيم بن أدهم: "إذا اغتممت بالسكوت، فتذكر سلامتك من زلل اللسان" (١).
وعن مروان بن محمَّد، قال: قيل لإبراهيم بن أدهم: "إن فلانًا يتعلم النحو"، فقال: "هو إلى أن يتعلمَ الصمتَ أحوجُ" (٢).
وعن المُعَلَّى، قال: قال مورِّق: "أمْرٌ أنا في طلبه منذ كذا وكذا سنة، لم أقدر عليه، ولستُ بتاركٍ طلبَه أبدًا"، قالوا: "وما هو يا أبا المعتمر؟ "، قال: "الكفُّ عما لا يعنيني" (٣).
وقال رياح القيسي: قال لي عتبة الغلام: "يا رياح، إن كنتُ كلما دعتني نفسي إلى الكلام تكلمتُ، فبئس الناظرُ لها أنا، يا رياح، إن لي موقفًا يُغتبط فيه بطول الصمت عن الفضول" (٤).
وقال طاوس:"لساني سَبُع، إن أرسلتُه أكلني" (٥).
وعن شيخ من قريش قال: قيل لبعض العلماء: "إنك تُطيل الصمتَ"، فقال: "إني رأيتُ لساني سَبُعًا عَقورًا، أخافُ أن أخَلِّيَ عنه فَيَعْقِرني" (٦).
_________________
(١) "حلية الأولياء" (٨/ ٢٠).
(٢) "نفسه" (٨/ ١٦).
(٣) "الصمت" لابن أبي الدنيا رقم (٥٧٥).
(٤) "صفة الصفوة" (٣/ ٣٧٢).
(٥) "الإحياء" (٣/ ١٢٠).
(٦) "الصمت" رقم (٦٩٩) ص (٣٠٠).
[ ٧١ ]
وقال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: "والكلام أسيرك، فإذا خرج من فِيكَ صِرْتَ أنت أسيرَه، واللهُ عندَ لسانِ كلِّ قائلٍ: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق: ١٨] " (١).
وقال بعضهم: "رأيت مالكًا صامتًا لا يتكلم، ولا يلتفت يمينًا ولا شمالًا، إلَّا أن يكلمه إنسان فيسمع منه، ثم يجيبه بشيء يسير، فقيل له في ذلك، فقال: وهل يَكُبُّ الناسَ في جهنم إلَّا هذا؟ وأشار إلى لسانه" (٢).
وعن أبي بكر بن عياش قال: "أدنى نفعِ السكوتِ السلامةُ،- وكفى به عافية، وأدنى ضررِ المنطقِ الشهرةُ، وكفى بها بلية" (٣).
ما إن ندمت على سكوتي مرّة ولقد ندمت على الكلام مرارا
وعن إبراهيم، قال: "كانوا يجلسون، فأطولهم سكوتَا أفضلُهم في أنفسهم" (٤).
وعن محارب، قال: "صحبنا القاسم بن عبد الرحمن فغلبنا بثلاث: بكثرة الصلاة، وطولِ الصمت، وسخاء النفس" (٥).
وحضر ابن المبارك يومًا عند الثوري، فلم يتكلم بحرف حتى قام، فلما قام قال الثوري لأصحابه: "وددت أني أقدر أن أكون مثلَه" (٦).
_________________
(١) "الجواب الكافي" ص (٢٨١).
(٢) "ترتيب المدارك" (١/ ١٧٩).
(٣) "سير أعلام النبلاء" (٨/ ٥٠١).
(٤) "الحلية" (٤/ ٢٢٤)، "الزهد" لابن أبي عاصم رقم (٥٥) ص (٣٨).
(٥) "الزهد" لابن أبي عاصم رقم (٧٩) ص (٤٦).
(٦) تقدمة "الجرح والتعديل" ص (٢٦٦).
[ ٧٢ ]
وقال عبد الله بن أبي زكريا: "عالجتُ الصمتَ ثنتي عشرةَ سنةً، فما بلغتُ منه ما كنت أرجو" (١).
وعن مالك، عن سعيد بن أبي هند، قال: "وجدت الصمت أشدَّ من الكلام" (٢).
وعن أرطاة بن المنذر قال: "تعلَّم رجل الصمتَ أربعين سنة، بحَصَاةٍ يضعها في فيه، لا ينزِعُها إلَّا عند طعام، أو شراب، أو نوم" (٣).
قال الإِمام مُوَرِّقٌ العِجْلِيُّ: "تعلمت الصمت في عشر سنين، وما قلتُ شيئًا قَطُّ إذا غضبت، أندم عليه إذا زال غضبي" (٤).