عن أم المؤمنين عائشة - ﵂ - أن النبي - ﷺ - قال: "إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيءٍ إِلَّا شَانَهُ" (١).
وعنها - ﵂ - قالت: اسْتَأذَنَ رَهْطٌ مِن الْيَهُودِ عَلَى النَّبِيّ ﷺ، فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ، فَقُلْتُ: بَلْ عَلَيْكُم السَّامُ وَاللَّعْنَةُ، فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحب الرِّفْقَ في الْأَمْرِ كلِّهِ"، قُلْتُ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: "قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ" (٢).
وعن جرير - ﵁ - قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: "مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الخَيرَ كُلَّهُ" (٣).
وعن ابن عباس - ﵄ - قال رسول الله - ﷺ - لِأَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ "إِنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الحِلْمُ (٤) وَالْأَنَاةُ" (٥).
وعن خباب بن الأرتِّ - ﵁ - قال: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ- وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ في ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فقلنا: أَلَا
_________________
(١) أبو رواه مسلم (٢٥٩٤)، (١٦/ ١٤٦ - نووي).
(٢) رواه البخاريّ (٦٩٢٧)، واللفظ له، ومسلم (٢١٦٥).
(٣) رواه مسلم (٢٥٩٢)، (١٦/ ١٤٥ - نووي).
(٤) الحِلم: ترك العجلة، وهو خلاف الطيش ونقيض السفه، وقال الراغب: "هو ضبط النفس والطبع عند هيجان الغضب"، "المفردات" ص (١٢٩).
(٥) رواه مسلم في الإيمان (١٧) (٢٥).
[ ٣٧ ]
تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلَا تَدْعُو لنا؟ فَقَالَ: "قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُوْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ في الْأرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهَا، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحَدِيدِ مَا دُونَ لَحمِهِ وَعَظْمِهِ، فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللهِ لَيُتِمَّنَّ اللهُ هذا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ" (١).
وعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "التَّأَنِّي مِنَ الله، وَالعَجَلَةُ مِنَ الشَّيطَان، وَمَا أَحَدٌ أَكْثَر مَعَاذيرَ مِنَ الله، وَمَا مِنْ شَيءٍ أَحَبُّ إِلى الله مِنَ الحِلْمِ" (٢).
والعَجَلة: فعل الشيء قبل وقته اللائق به، وكانت العرب تَكْني العجلة أمَّ الندامات (٣).
وقال عطاء بن أبي رباح -رحمه الله تعالى-: "ما أوى شيءٌ إلى شيءٍ أزين من حِلمٍ إلى علمٍ" (٤).
وقال وهب بن منبه - رحمه الله تعالى-: "الرفق ثِنْيُ الحِلم" (٥).
_________________
(١) رواه البخاريّ (١٢/ ٣١٥، ٣١٦ - فتح).
(٢) عزاه الهيثمي إلى أبي يعلى؛ وقال: "رجاله رجال الصحيح". اهـ. من "مجمع الزوائد" (٨/ ١٩)، وله شاهد من حديث سهل بن سعد - ﵁ -، رواه الترمذي (٢٠١٢).
(٣) "روضة العقلاء"، ص (٢٨٨).
(٤) رواه الدارمي (٥٧٦)، (١/ ١٥٢).
(٥) "الإحياء" (٣/ ١٨٦)، الثِّنْيُ: الولد الثاني.
[ ٣٨ ]
وقال حكيمُ العرب "أكثم بن صيفي" (١): "دِعامة العقل الحِلم، وجِمَاع الأمر الصبر" (٢).
وقال أمير المؤمنين عليٌّ - ﵁ -: "إن أولَ ما عَوَّضَ الحليمَ مِن حِلمه أن الناسَ كلَّهم أعوانُه على الجاهل" (٣).
وقال أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان - ﵄ -: "لا يبلغُ العبدُ مبلغَ الرأي حتى يغلبَ حِلْمُه جهلَه، وصبرُه شهوتَه، ولا يبلغ ذلك إلا بقوة العلم" (٤).
وسأل - ﵁ - عمرَو بنَ الأهتم: أيُّ الرجال أشجع؟ قال: "من رَدَّ جهلَه بحِلْمِه"، قال: فأي الرجال أسخى؟ قال: "من بذل دنياه لصالح دينه" (٥).
وقال معاوية - ﵁ - لرجلٍ شَهِدَ عنده بشهادةٍ: "كذبتَ"، فقال الأعرابي: "إن الكاذب لَلْمُتَزَمّلُ في ثيابك"، فقال معاوية - ﵁ -: "هذا جزاء من يَعْجَل" (٦).
وقال الأوزاعي: "كان عمر بن عبد العزيز إذا أراد أن يعاقب رجلًا حبسه ثلاثًا، ثم عاقبه؛ كراهيةَ أن يعجل في أول غضبه" (٧).
_________________
(١) انظر: "الإصابة" (١/ ٢٠٩)، و"الأعلام" للزركلي (٢/ ٦).
(٢) "نفس المصدر" (٣/ ١٧٨).
(٣) "السابق" (٣/ ١٧٨).
(٤) "السابق" (٣/ ١٧٨).
(٥) "السابق" (٣/ ١٧٨).
(٦) "روضة العقلاء"، ص (٢٩٠).
(٧) "سير أعلام النبلاء" (٥/ ١٣٣).
[ ٣٩ ]
وقال مُطَرِّف: "أتى على الناسِ زمانٌ خيرُهم في دينهم المتسارع، وسيأتي على الناس زمان خيرهم في دينهم المتأنِّي".
قال علي بن عَثَّام في تفسيره: "كانوا مع رسول الله - ﷺ - وأصحابه إذا أُمروا بالشيء تسارعوا إليه، وأمَّا اليومَ فينبغي للمؤمن أن يتبين، فلا يُقدم إلا على ما يعرف" (١).
وقال محمَّد بن بشير:
قدِّر لرِجالك قبل الخطوِ موضعَها فمن علا زَلَقًا عن غِرَّةٍ زَلجَاَ (٢)
أي: لا تأتِ أمرًا حتى تفكر في مغبته وعاقبته: فإن كان لك أقبلت عليه، وإن كان عليك كففتَ عنه.
وعن حفص بن غياث، قال: قلت لسفيانَ الثوريِّ: "يا أبا عبد الله، إن الناسَ قد أكثروا في المهدي، فما تقول فيه؟ قال: إن مَرَّ على بابك؛ فلا تكن منه في شيء، حتى يجتمع الناس عليه" (٣).
وقال عبد الله: "إنها ستكون هَنَاتٌ، وأمورٌ مشبهات، فعليك بالتؤدة، فتكون تابعًا في الخيرِ خيرٌ من أن تكون رأسًا في الشر" (٤).
وعن حذيفة - ﵁ - قال: "إياكم والفتنَ لا يشخص إليها أحد؛ فوالله، ما شخص فيها أحد، إلا نسفته، كما ينسف السيلُ
_________________
(١) "حلية الأولياء" (٢/ ٢٠٩)، و"شعب الإيمان" (٢/ ٣٠٥)، واللفظ له.
(٢) الغِرَّة: الجهالة والغفلة. زَلَجَ: زلق. أي: من لم يأت أمره عن علم لم يُصِب بغيته.
(٣) "حلية الأولياء" (٧/ ٣١).
(٤) "المصنف" لابن أبي شيبة (١٥/ ٣٤)، والهَنَاتُ: جمع هَنَة، تأنيث هَنٍ، وهو كناية عن كل اسم جنس، والمراد: شرورٌ، وفساد، وشدائد، وأمور عظام، وانظر: "النهاية" (٥/ ٢٧٩).
[ ٤٠ ]
الدّمَن؛ إنها مُشَبَّهَةٌ مقبلةً، حتى يقولَ الجاهلُ: هذه تُشَبَّه؛ وتبيَّنُ مدبرةً؛ فإذا رأيتموها: فاجثموا في بيوتكم، وكسِّروا سيوفكم، وقطعوا أوتاركم" (١).
وعنه - ﵁ - أنه ذكر فتنة، فقال: "تُشَبَّهُ مُقْبِلَةً، وتُبَيَّنُ مُدْبِرةً" (٢).
قال شمر: "معناه: أن الفتنة إذا أقبلت شَبَّهَت على القوم، وأرتهم أنهم على الحق؛ حتى يدخلوا فيها، ويركبوا منها ما لا يحل؛ فإذا أدبرت وانقضت بَانَ أمرها، فَعَلِمَ من دخل فيها أنه كان على الخطأ" (٣).
فلا تُخْدَعْ بأولِ ما تراه فأولُ طالعٍ فجرٌ كذوبُ
وفي مثل هذا المعنى قال شبيب بن البرصاء:
تَبَينُّ أعجازُ (٤) الأمورِ مَواضيًا وتُقْبِلُ أَشْباهًا عليكَ صُدُورُها (٥)
ومثله قول الشاعر:
تشابَهُ أعناقُ (٦) الأمورِ بواديًا وتظهرُ في أعقابها حين تُدْبِرُ
ومثله قول قتيبة بن عمروٍ الأسدي:
يشكُّ عليك الأمرُ ما دام مقبلا وتعرفُ ما فيه إذا هو أَدْبَرا
_________________
(١) "حلية الأولياء" (١/ ٢٧٣).
(٢) "المصنف" لابن أبي شيبة (١٥/ ٢٠).
(٣) "لسان العرب" (١٣/ ٥٠٣، ٥٠٤).
(٤) أعجاز الأمور: أواخرها.
(٥) صدورها: أوائلها.
(٦) أعناق الأمور: أوائلها.
[ ٤١ ]
وقال الشاعر يذم قومًا:
ولا يتقونَ الشرَّ حتى يصيبَهم ولا يعرفونَ الأمرَ إلا تدبرا
قال أبو حاتم محمَّد بن حبان البستي -رحمه الله تعالى-: "إن العاجل لا يَكاد يلحق؛ كما أن الرافق لا يكاد يُسْبَق، والساكت لا يكاد يندم، ومن نطق لا يكاد يسلم، وإن العَجِل يقول قبل أن يعلم، ويجيب قبل أن يفهم، ويحمد قبل أن يُجَرِّبَ، ويذم بعد ما يحمد، ويعزم قبل أن يفكر، ويمضي قبل أن يعزم، والعَجِلُ تصحبهُ الندامة، وتعتزله السلامة، وكانت العرب تَكْني العجلَةَ أمَّ الندامات" (١).
لا تَعْجَلَنَّ فَرُبَّمَا عَجِلَ الْفَتَى فِيمَا يَضُرُّهْ
وَلَرُبَّمَا كَرِهَ الْفَتَى أَمْرًا عَوَاقِبُهُ تَسُرُّهْ (٢)
وفي المثل: "إذا لم تستعجل؛ تَصِلْ".
وقال القُطامي:
قَدْ يُدْرِكُ المتَأَنِّي بَعْضَ حَاجَتِهِ وَقَدْ يَكُونُ مَعَ الْمستَعْجِلِ الزَّلَلُ
وربما فات بعض القومِ أمرهمُ مع التأني وكان الرأيُ لو عَجِلُوا (٣)
وقال عمرو بن العاص لابنه عبد الله - ﵄ -: "الخَرَقُ معاداةُ إمامِك، ومناوأةُ مَن يَقْدِرُ على ضررك" (٤).
_________________
(١) انظر: "روضة العقلاء"، ص (٢١٦).
(٢) "بصائر ذوي التمييز" (٤/ ٢٤).
(٣) "العقد الفريد" (٣/ ٥٢).
(٤) "الإحياء" (٣/ ١٨٨).
[ ٤٢ ]
وقال الحسن البصريّ -رحمه الله تعالى-: "إنما يُكَلَّمُ مؤمنٌ يُرجَى، أو جاهلٌ يُعَلَّم، فأما من وضع سيفه أو سوطه؛ وقال لك: اتقني اتقني! فما لك وله؟! " (١)
وعن الشعبي قال: أغلظ رجلٌ لمعاوية، فقال: "أنهاك عن السلطان، فإن غَضبَه غضبُ الصبي، وأخذَهُ أخذُ الأسد" (٢).
فَائدَةٌ
مَعْنَى قَوْلِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - ﵁ - في الرُّومِ: "إِنَّهُمْ لأَحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَةٍ":
قال المستورِدُ القرشي عند عمرو بن العاص - ﵁ -: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِﷺ- يَقُولُ: "تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرُّومُ أكثَرُ النَّاسِ" فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: أَبْصِرْ مَا تَقُولُ، قَالَ: أَقُولُ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ: "لَئِنْ قُلْتَ ذَلِكَ؛ إِنَّ فِيهِمْ لَخِصَالًا أَرْبَعًا-: إِنَّهُمْ لَأَحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَةٍ، وَأَسْرعُهُمْ إِفَاقَةً بَعْدَ مُصِيبَةٍ، وَأَوْشَكُهُمْ كَرَّةً بَعْدَ فرَّةٍ، وَخَيْرُهُمْ لِمِسْكِين وَيَتِيمٍ وَضَعِيفٍ، وَخَامِسَةٌ حَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ: وَأَمْنَعُهُمْ مِنْ ظُلْمِ الملُوكِ" (٣).
_________________
(١) انظر: "حلية الأولياء" (٢/ ٢٠٩)، و"التمهيد" لابن عبد البر (٢٣/ ٢٨٢)، و"جامع العلوم والحكم" ص (٣٢٣).
(٢) "سير أعلام النبلاء" (٣/ ١٥٣).
(٣) رواه مسلم في "الفتن" (١٨/ ٢٢ - نووي)، وحكى الأُبِّيُّ في "إكمال إكمال المُعْلِم" عن القرطبي قوله: "هذه الخلال الأربع الحميدة لعلها كانت في الروم التي أدرك، =
[ ٤٣ ]
والشاهد قوله - ﵁ -: "إِنَّهُمْ لأَحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَةٍ"؛ "يعني: إذا ظهر تغير الحال، وظهرت الفتن؛ فإنهم يحلُمون، ولا يعجلون، ولا يغضبون؛ لِيقُوا أصحابهم النصارى القتلَ، ويقوهم الفتنَ؛ لأنهم يعلمون- أن الفتنة إذا ظهرت؛ فإنها ستأتي عليهم؛ فلأجل تلك الخصلة فيهم، بقوا أكثر الناس إلى قيام الساعة؛ ولهذا فإننا نعجب أن لا نأخذ بهذه الخصلة التي حمد بها عمرو بن العاص - ﵁ - الروم، وكانت فيهم تلك الخصلة الحميدة، ونحن أولى بكلِّ خَيْرٍ عند مَن هم سوانا" (١).
_________________
(١) = وأما اليوم فهم أنحس الخليقة، وعلى الضد من تلك الأوصاف"، وقال الأُبِّيُّ: "هو مدح لتلك الأوصاف، لا أنها مدحٌ لهم؛ من حيث اتصافهم بها، ويحتمل أنه إنما ذكرها من حيث إنها سبب كثرتهم، وإلا فهم على الضد كما ذكر، ولا سيما فيما ذكر من كَرِّهِم بعد فرِّهم؛ فإنهم الآن ليسوا كذلك". اهـ (٧/ ٢٤٦).
(٢) "الضوابط الشرعية لموقف المسلم من الفتن"، للشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ -حفظه الله تعالى-، ص (١٨، ١٩).
[ ٤٤ ]