يجب على كل مُكلَّف أن يكفَّ لسانه ويحفظه عن كل باطل، وفي جميع الأوقات والأحوال، بيد أنه يتأكد ذلك الحفظ إبَّان الفتنة، وحلول المحنة؛ ففيها تكثر الأقاويل، وتزداد شهوة الإشاعات والمبالغات والأباطيل، وعندها تكون الآذان مستعدة لاستقبال كل ما يُقال، وفي هذا تكمن الخطورة، فربَّ كلمة أشدُّ من وقع السيف أيام الفتنة.
فلذا؛ يجب على المسلمين قاطبة أن يكفُّوا ألسنتهم عن كل كلمة تزيد من وَهَج الفتنة. وليُعلم أن اللسان من أخطر ما خلق الله في جسم الإنسان، لذا يقول تعالى منبهًا المؤمنين: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (٥٣)﴾ [الإسراء: ٥٣]، وقال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق: ١٨]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾ [الفجر: ١٤]، وقال سبحانه: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢]، وقوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾ [الزخرف: ٨٠].
قال الإِمام المحقق ابن قيم الجوزية -رحمه الله تعالى-: "ومن العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام، والظلم، والزنى، والسرقة، وشُرب الخمر، ومن النظر المحرم وغير ذلك، ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه، حتى تَرى الرجل يُشار إليه
[ ٦٢ ]
بالدين والزهد والعبادة، وهو يتكلم بالكلمات من سخط الله، لا يُلقي لها بالًا ينزل بالكلمة الواحدة منها أبعد مما بين المشرق والمغرب، وكم ترى من رجل متورِّع عن الفواحش والظلم ولسانه يفري (١) في أعراض الأحياء والأموات، ولا يُبالي ما يقول! " (٢) اهـ.
وقد كان السلف الصالح - ﵏ - يحاسب أحدهم نفسه في قوله: يوم حار، ويوم بارد. ولقد رُؤيَ بعض الأكابر من أهل العلم في النوم فسُئل عن حاله؟ فقال: أنا موقوف على كلمةٍ قلتُها؛ قلتُ: ما أحوجَ الناسَ إلى غيث!، فقيل لي: وما يدريك؟ أنا أعلم بمصلحة عبادي (٣).
وليُعلم أن أيسر حركات الجوارح حركة اللسان، وهي أضرها على العبد. وما أكثر الأحاديث والآثار الواردة في التحذير من آفات هذه الآلة الخطيرة، في كل الأوقات عمومًا، وفي زمن الفتن والمحن خصوصًا.
فمما ورد في التحذير من آفات اللسان عمومًا: سؤال معاذٍ النبيَّ - ﷺ - عن العملِ الذي يدخله الجنة ويباعده من النار، فأخبره برأسه وعموده وذروة سنامه، ثم قال: "ألا أخبرك بمِلاك (٤) ذلك كله؟ " قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسان نفسه، ثم قال: "كُفَّ عليك هذا"،
_________________
(١) يقال: فَرَى الجلدَ: مزَّقه.
(٢) "الداء والدواء" ص (١٨٧، ١٨٨).
(٣) "المصدر نفسه"، ص (٢٨٠).
(٤) مِلاك الشيء: قِوامه، ونظامه، وما يُعتمد عليه فيه.
[ ٦٣ ]
فقال: وإنَّا لمُؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: "ثكلتك أُمك يا معاذ، وهل يَكُبُّ الناسَ على وجوههم -أو مناخيرهم- إلَّا حصائدُ ألسنتهم" (١).
وقال الحافظ ابن رجب -رحمه الله تعالى- معلقًا على قول النبي ﷺ لمعاذ ﵁: "ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ "، قلت: بلى. فأخذ بلسانه، فقال: "تكف عليك هذا"
الحديث:
"هذا يدل على أن كفَّ اللسان وضبطه وحبسه هو أصل الخير كله، وأن مَنَ مَلَك لسانه، فقد ملك أمره، وأحكمه وضبطه" (٢) اهـ.
وقد سُئل النبي - ﷺ - عن أكثر ما يُدخل الناسَ النارَ؟ فقال: "الأجوفان: الفم، والفرج" (٣).
وعن عبد الله بن عمرو - ﵄- قال رسول الله - ﷺ -: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده " الحديث (٤).
_________________
(١) رواه الترمذي رقم (٢٦١٦)، وقال: "حسن صحيح"، وابن ماجه رقم (٧٩٧٣)، والإمام أحمد (٥/ ٢٣١)، وصححه الألباني في "صحيح الترمذي" رقم (٢١١٠).
(٢) "جامع العلوم والحكم" (٢/ ١٤٦).
(٣) أخرجه من حديث أبي هريرة -﵁ - الترمذي (٤/ ٣٦٣) رقم (٢٠٠٤)، وقال: "صحيح"، وابن ماجه (٢/ ١٤١٨) رقم (٤٢٤٦)، والإمام أحمد (٢/ ٢٤٢)، وابن حبَّان (٢/ ٩٥ - إحسان)، واللفظ له، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترمذي" (٢/ ١٩٤).
(٤) رواه البخاريّ (١/ ٥٣) رقم (١٠)، ومسلم رقم (٤٠)، وأبو داود رقم (٣٤٨١)، والنَّسائيّ (٨/ ١٠٥).
[ ٦٤ ]
وعن علقمة بن وقاص؛ قال: مَرَّ به رجل له شرف، فقال له علقمة: إن لك رحمًا، وإن لك حقًّا، وإني رأيتك تدخل على هؤلاء الأمراء، وتتكلم عندهم بما شاء الله أن تتكلم به، وإني سمعت بلال بن الحارث المزنيِّ، صاحبَ رسول الله ﷺ، يقول: قال رسول الله - ﷺ -: "إن أحدكُم ليتكلَّمُ بالكلمة من رضوان الله، ما يظُنُّ أن تبلُغَ ما بلغت، فيكتبُ الله -﷿- لهُ بها رضوانه إلى يوم القيامة، وإن أحدكم ليتكلم بالكلمة من سخط الله، ما يَظُنُّ أن تبلُغَ ما بَلَغَتْ، فيكتب الله - ﷿- عليه بها سُخْطَةُ إلى يوم يلقاهُ".
قال علقمة: فانظر، ويحك! ماذا تقول، وماذا تكلَّمُ به، فَرُبَّ كلامٍ، قد منعني أن أتكلم به، ما سمعت من بلال بن الحارث (١).
وعن أبي هريرة ﵁، عن النبيَّﷺ - قال: " وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا يهوي بها في نار جهنم" (٢). وفي لفظ: "إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها يهوي بها في النار أبعدَ ما بين المشرق والمغرب" (٣).
وعن شَكَل بن حميد - ﵁ - قال: أتيت النبيَّ ﷺ، فقلت: يا رسول الله؛ عَلِّمْني تعوذًا أتعوذ به، قال: فأخذ
_________________
(١) رواه الإِمام أحمد (١/ ٤٥، ٤٦)، والترمذي رقم (٢٣١٩)، وقال: "حسن صحيح"، وابن ماجه رقم (٣٩٦٩)، وصححه الألباني في "صحيح ابن ماجه" (٢/ ٣٥٨)، رقم (٣٢٠٥).
(٢) رواه البخاريّ رقم (٦١١٣)، والإمام أحمد (٢/ ٣٣٤).
(٣) رواه مسلم رقم (٢٩٨٨)، والإمام أحمد (٢/ ٣٧٩).
[ ٦٥ ]
بكفِّي، فقال: قل: "اللهمَّ إني أعوذ بك من شر سمعي، ومن شر بصري، ومن شر لساني، ومن شر قلبي، ومن شر منيي" (١).
وعن سفيان بن عبد الله الثقفي، قال: قلت: يا رسول الله! ما أخوفُ ما تخافُ عليَّ؟ فأخذ بلسَانِ نفسه، ثم قال: "هذا" (٢).
ورُوِيَ أُم حبيبة زوج النبي ﷺ، عن النبيِّ ﷺ، قال: "كلُّ كلامِ ابنِ آدمَ عليه لا لَهُ، إلاَّ أمرٌ بمعروف، أو نهيٌ عن منكر، أو ذِكرٌ لله ﷿" (٣).
وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن النبيَّﷺ - قال: "إذا أصبحَ ابنُ آدمَ فإنَّ الأعضاء كلَّها تُكَفِّرُ اللسانَ (٤) فتقول: اتقِ الله فينا، فإنما نحن بك، فإن استقمتَ استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا" (٥).
هذا وقد اطَّلع عمر بن الخطاب على أبي بكر - ﵄ - وهو يمُدُّ لسانه، فقال: ما تصنعُ يا خليفة رسول الله؟ فقال: إن هذا أوردني
_________________
(١) رواه الترمذي رقم (٢٧٧٥ - صحيح الترمذي)، و"صحيح أبي داود" رقم (١٣٨٧).
(٢) رواه مسلم رقم (٣٨)، وابن ماجه رقم (٢٩٧٢)، والإمام أحمد (٣/ ٤١٣).
(٣) رواه الترمذي رقم (٢٤١٢)، وقال: "هذا حديث حسن غريب"، وابن ماجه رقم (٣٩٧٤)، وضعَّفه الألباني في "ضعيف ابن ماجه" رقم (٨٦١).
(٤) أي: تَذِلُّ له وتخضع، كما في "فيض القدير" (١/ ٢٨٦).
(٥) رواه الترمذي (٤/ ٦٠٥، ٦٠٦) رقم (٢٤٠٧)، والإمام أحمد (٣/ ٩٦)، وحسَّنه الألباني في "صحيح الجامع" (١/ ١٢٤) رقم (٣٥١).
[ ٦٦ ]
المواردَ، إنَّ رسول الله - ﷺ - قال: "ليسَ شيءٌ من الجسدِ إلَّا وهو يشكُو ذَرَبَ (١) اللسانِ" (٢).
وعن شقيق قال؛ لبَّى عبد الله - ﵁ - على الصفا، ثم قال: "يا لسان! قُلْ خيرًا تغنم، اسكت تسلم، من قبل أن تندم"، قالوا: "يا أبا عبد الرحمن، هذا شيء أنت تقوله أم سمعته؟ " قال: "لا، بل سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "أكثرُ خطايا ابنِ آدمَ في لسانه" (٣).
_________________
(١) ذَرَبُ اللسان: سلاطته، وفساد مَنْطِقِه، من قولهم: "ذَرِبَ لسانُه" إذا كان حادَّ اللسان، لا يُبالي ما قال.
(٢) أخرجه أبو يعلى في "مسنده" (١/ ١٧) رقم (٥)، وقال الهيثمي في "المجمع": "ورجاله رجال الصحيح" (١٠/ ٣٠٢)، وصححه الألباني على شرط البخاريّ، في "الصحيحة" (٢/ ٦٢) رقم (٥٣٥).
(٣) رواه الطبراني في "الكبير" (١٠/ ٢٤٣) رقم (١٠٤٤٦)، وأبو نعيم في "الحلية" (٤/ ١٠٧)، وقال المنذري: "رواته رواة الصحيح" كما في "الترغيب" (٣/ ٥٣٤)، وكذا قال الهيثمي في "المجمع" (١٠/ ٣٠٠)، وقال الألباني في "الصحيحة" رقم (٥٣٤): "وهذا إسناد جيد، وهو على شرط مسلم". اهـ.
[ ٦٧ ]