باب
آداب الصيام
لا ينبغي أن تقتصر على صوم رمضان فتترك التجارة بالنوافل، وكسب الدرجات العالية في الفراديس، فتتحسر إذا نظرت إلى منازل الصائمين، كما تنظر إلى الكواكب الدرية وهم في أعلى عليين.
والأيام الفاضلة التي شهدت الأخبار بشرفها وفضلها وبجزالة الثواب في صيامها:
يوم عرفة لغير الحاج، ويوم عاشوراء، والعشر الأول من ذي الحجة، والمحرم، وشعبان، وهذه في السنة.
وأما في الشهر: فأول الشهر وأوسطه وآخره، والأيام البيض وهي: الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر.
وأما في الأسبوع فيوم الاثنين والخميس.
واعلم أن «أحب الصيام إلى الله صيام داود - ﷺ -، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا» (١).
ولا تظن إذا صمت أن الصوم هو ترك الطعام والشراب والوقاع فقط، فقد قال - ﷺ -: «رُبَّ صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش» (٢)، بل تمام الصوم بكف الجوارح كلها عما يكرهه الله تعالى، فينبغي أن تحفظ العين عن النظر إلى المكاره، واللسان عن النطق بما لا يعنيك، والأذن عن الاستماع إلى ما حرمه الله كالغيبة؛ فإن المستمع شريك القائل وهو أحد المغتابين، وكذلك تكف جميع الجوارح كما تكف البطن والفرج؛ فقد قال - ﷺ -: «الصيام جُنَّة،
فإذا كان
_________________
(١) البخاري (١١٣١، ٣٤٢٠)، ومسلم (١١٥٩/ ١٩٠)، والإمام أحمد (٦٤٩١، ٦٩٢١)، وأبو داود (٢٤٤٨)، والنسائي (٢٣٤٤)، وابن ماجة (١٧١٢)، والدارمي (١٧٥٢).
(٢) رواه الإمام أحمد (٢/ ٣٧٣، ٤٤١)، وابن ماجة (١٦٩٠)، وصححه ابن خزيمة (١٩٩٧)، والحاكم (١٥٧١)، وله شاهد من حديث ابن عمر ﵄، انظره في "مجمع الزوائد" (٣/ ٢٠٢)، وراجع "فيض القدير" (٤/ ٢١).
[ ٧٢ ]
أحدكم صائمًا فلا يرفث ولا يجهل. فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم. إني صائم» (١).
وقال النبي - ﷺ -: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» (٢).
وقال جابر بن عبد الله ﵄: «إذا صمت فليصم سمعك، وبصرك، ولسانك عن الكذب والمأثم، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صيامك، ولا تجعل يوم فطرك ويوم صومك سواء» (٣).
أهلُ الخصوصِ من الصُّوامِ صومهمُ صون اللسانِ عن البهتانِ والكذبِ
والعارفون وأهلُ الأنسِ صومهمُ صون القلوبِ عن الأغيارِ والحُجُبِ
ثم اجتهد أن تفطر على طعام حلال، ولا تستكثر فتزيد على ما تأكله كل ليلة لأجل صيامك، فلا فرق إذا استوفيت ما تعتاد أن تأكله دفعتين في دفعة واحدة، وإنما المقصود بالصيام كسر شهوتك وتضعيف قوتك؛ لتقوى بها على التقوى.
فإذا أكلت عشية ما تداركت به ما فاتك ضحوة فلا فائدة في صومك، وقد ثقلت عليك معدتك وما وعاء يملأ أبغض إلى الله تعالى من بطن ملئ من حلال، فكيف إذا ملئ من حرام.
واعلم أن «للصوم تأثيرًا عجيبًا في حفظ الجوارح الظاهرة، والقوى الباطنة، وحميتها عن التخليط الجالب لها المواد الفاسدة التي إذا استولت عليها أفسدتها، واستفراغ المواد الرديئة المانعة لها من صحتها.
_________________
(١) رواه الإمام مالك في "الموطإ" (١/ ٣١٠/٥٧)، والبخاري (١٨٩٤، ١٩٠٤)، ومسلم (١١٥١).
(٢) رواه البخاري (١٩٠٣، ٦٠٥٧)، وأحمد (٢/ ٤٥٢ - ٤٥٣، ٥٠٥)، وأبو داود (٢٣٦٢)، والترمذي (٧٠٧)، وابن ماجة ١٦٨٩).
(٣) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"، ومن طريقه أخرجه ابن حزم في "المحلى" (٦/ ٢٠٨ - ٢٠٩) ط/دار التراث.
[ ٧٣ ]
فالصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتها، ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات، فهو من أكبر العون على التقوى؛ كما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ [البقرة: ١٨٣]» (١).
فإذا عرفت معنى الصوم فاستكثر منه ما استطعت؛ فإنه أساس العبادات، ومفتاح القربات، قال رسول الله - ﷺ -: «كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله تعالى: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخُلُوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» (٢).
وقال - ﷺ -: «إن في الجنة بابًا يقال له الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيدخلون منه، فإذا دخل آخرهم أغلق فلم يدخل منه أحد» (٣).
وقال رسول الله - ﷺ -: «الصيام جُنَّة من النار، كَجُنَّة أحدكم من القتال، وصيامٌ حسنٌ ثلاثة أيام من كل شهر» (٤).
وقال - ﷺ -: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه» قال: «فيُشَفَّعَان» (٥).
_________________
(١) "زاد المعاد في هدي خير العباد" للعالم الرباني ابن قيم الجوزية أثابه الله، وبل بالرحمة ثراه، وجعل الجنة متقلبه ومثواه؛ إن ربي لسميع الدعاء.
(٢) رواه البخاري (١٩٠٤)، ومسلم (١١٥١/ ١٦٤) واللفظ له.
(٣) رواه البخاري (١٨٩٦، ٣٢٥٧)، ومسلم (١١٥٢) واللفظ له.
(٤) رواه الإمام أحمد (٤/ ٢٢)، وصححه ابن خزيمة (١٨٩١). ورواه مختصرًا النسائي (٢٢٣٠، ٢٢٣١)، وابن ماجة (١٦٣٩)
(٥) رواه الإمام أحمد (٦٦٢٦)، والحاكم وصححه، والطبراني في "الكبير" وقال المنذري: "رجاله محتج بهم في الصحيح، ورواه ابن أبي الدنيا في "كتاب الجوع" وغيره بسند حسن"اهـ. والحديث صححه أيضًا أبو الأشبال والألباني رحمهما الله. وراجع "المجمع" (٣/ ١٨١ - ١٠/ ٣٨١).
[ ٧٤ ]
وقال - ﷺ -: «ما من عبد يصوم يومًا في سبيل الله تعالى إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفًا» (١).
وقال - ﷺ -: «من صام يومًا في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقًا كما بين السماء والأرض» (٢).
وعن أبي أمامة - ﵁ - قال: قلت: يا رسول الله مُرْنِي بعمل، قال: «عليك بالصوم فإنه لا عِدْلَ له»، قلت: يا رسول الله مرني بعمل، قال: «عليك بالصوم فإنه لا عدل له» (٣).
واعلم أن للصوم سننًا، منها: السحور ويستحب تأخيره، وتعجيل الفطر، ويستحب أن يفطر الصائم على رطبات، فإن لم تكن رطبات فعلى تمرات، فإن لم تكن حسا حسوات من الماء، ولا ينبغي أن يغفل عن هذا الدعاء عند فطره: «ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله» (٤).
- - -
وبعد:
فهذا القدر من شرح الطاعات يكفيك من بداية الهداية، فإذا احتجت إلى الزكاة والحج أو إلى مزيد شرح الصلاة والصيام فاطلب ذلك في مظانه من كتب القوم.
_________________
(١) رواه البخاري (٢٨٤٠)، ومسلم (١١٥٣)، وهو مخرج في "إتحاف اللبيب" (٣٠٠).
(٢) رواه الترمذي (١٦٢٤) من حديث أبي أمامة - ﵁ - وحسنه، وله شاهد من حديث أبي الدرداء - ﵁ - وغيره. راجع "الصحيحة" (٥٦٣).
(٣) رواه الإمام أحمد (٥/ ٢٤٨ - ٢٤٩، ٢٥٥، ٢٥٨)، والنسائي (٢٢٢٠، ٢٢٢١، ٢٢٢٢، ٢٢٢٣) مختصرًا ومطولًا، وابن خزيمة (١٨٩٣)، والحاكم (١٥٣٣) وصحح إسناده، وصححه أيضًا الحافظ ابن حجر ﵀ في "الفتح" (٤/ ١٢٩)، واللفظ للنسائي في إحدى رواياته. وانظر "المجمع" (٣/ ١٨١ - ١٨٢).
(٤) رواه أبو داود (٢٣٥٧)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (٣٠١)، وعنه ابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٤٧٨)، والحاكم (١٥٣٦) وصححه، ووافقه الذهبي، ورواه أيضًا الدارقطني وقال: "إسناده حسن"، وقال الألباني: "وهو كما قال". انظر "الإرواء" (٩٢٠).
[ ٧٥ ]