باب
آداب النوم
فإذا أردت النوم فتوضأ وضوءك للصلاة (١)، وانفض فراشك بطرف ردائك (٢).
واجمع كفيك واقرأ: ﴿قل هو الله أحد﴾، والمعوذتين، ثم امسح بهما ما استطعت من جسدك، افعل ذلك ثلاث مرات (٣).
ثم اقرأ آية الكرسي (٤)، و﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون ﴾ [البقرة: ٢٨٥] إلى آخر السورة (٥).
وسبح الله واحمده وكبره ثلاثًا وثلاثين (٦).
ثم اضطجع على شقك الأيمن، وضع يدك اليمني تحت خدك ثم قل: «اللهم قِنِي عذابك يوم تبعث عبادك» ثلاث مِرَار (٧)، «باسمك اللهم أموت وأحيا» (٨)، «اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت» واجعلهن من آخر ما تقول (٩).
_________________
(١) البخاري (٢٤٧، ٣٦١١)، ومسلم (٢٧١٠).
(٢) البخاري (٦٣٢٠)، ومسلم (٢٧١٤).
(٣) البخاري (٥٠١٧، ٥٧٤٨، ٦٣١٩).
(٤) البخاري (٢٣١١، ٣٢٧٥، ٥٠١٠)، وراجع "فتح الباري" (٤/ ٥٩٨) ط/دار الحديث.
(٥) البخاري (٤٠٠٨، ٥٠٠٨، ٥٠٠٩، ٥٠٤٠، ٥٠٥١)، ومسلم (٨٠٧).
(٦) البخاري (٦٣١٨)، ومسلم (٢٧٢٧).
(٧) البخاري في "الأدب المفرد" (١٢١٥)، وأبو داود (٥٠٤٥)، والترمذي (٣٣٩٨، ٣٣٩٩)، وفي "الشمائل المحمدية" (٢٤٤)، وابن ماجة (٣٨٧٧) وغيرهم، وراجع "فتح الباري" (١١/ ١٣٥)، و"الصحيحة" (٢٧٠٣، ٢٧٥٤).
(٨) سبق تخريجه. راجع الحاشية رقم (١٤).
(٩) البخاري (٢٤٧، ٦٣١١، ٦٣١٣، ٦٣١٥، ٧٤٨٨)، ومسلم (٢٧١٠).
[ ٥٦ ]
وكان النبي - ﷺ - لا ينام على فراشه حتى يقرأ سورتي: الإسراء، والزمر (١).
وأوصى (ﷺ) إنسانًا فقال له: «إذا أخذت مضجعك من الليل فاقرأ: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ ثم نَمْ على خاتمتها؛ فإنها براءة من الشرك» (٢).
وفي "صحيح مسلم" [في كتاب الذكر والدعاء والتوبة - حديث رَقْم (٢٧١٢)] عن عبد الله بن عمر أنه أمر رجلًا إذا أخذ مضجعه قال: «اللهم خَلَقْتَ نفسي وأنت تَوَفَّاها، لك مَمَاتُها وَمَحْيَاها، إن أَحْيَيْتَهَا فاحْفَظْهَا، وإن أَمَتَّهَا فاغفر لها. اللهم! إني أسألك العافية».
فقال رجل لابن عمر: أَسَمِعْتَ هذا مِن عُمَرَ؟
فقال: مِن خَيْرٍ من عمرَ، من رسول الله (ﷺ).
ثم روى مسلم (﵀) (٢٧١٣) عن سهيل بن أبي صالح قال: كان أبو صالح يأمرنا إذا أراد أحدنا أن ينام، أن يَضْطَجِعَ على شِقِّهِ الأيمن، ثم يقول:
«اللهم! رَبَّ السماوات وربَّ الأرض ورَبَّ العرش العظيم، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شيء، فالقَ الحب والنوى، ومُنْزِلَ التوراةِ والإنجيلِ والفرقان، أعوذ بك من شر كُلِّ شيء أنت آخِذٌ بناصيته.
اللهم! أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقضِ عَنَّا الدَّيْنَ، وَأَغْنِنَا مِنَ الفقر» وكان يروي ذلك عن أبي هريرة (﵁)، عن النبي (ﷺ).
_________________
(١) رواه الإمام أحمد (٦/ ٦٨، ١٢٢، ١٨٩)، والترمذي (٢٩٢٠، ٣٤٠٥) وحسنه، وصححه ابن خزيمة (١١٦٣).
(٢) أخرجه الإمام أحمد (٥/ ٤٥٦)، وأبو داود (٥٠٥٥)، والترمذي (٣٤٠٣)، والدارمي (٣٤٢٧) وغيرهم، وهو حديث حسن كما جزم بذلك شيخنا الحويني - حفظه الله - في "النافلة في الأحاديث الضعيفة والباطلة" تحت الحديث رقم (١٤٦)، وقد صححه ابن حبان (٧٨٩، ٧٩٠)، والحاكم (٢٠٧٧)، ووافقه الذهبي، وأقره المنذري، ورمز له السيوطي بالصحة في "الجامع الصغير" (٣٦٧)، وراجع "فيض القدير" (١/ ٣٢٤ - ٣٢٥)، و"مجمع الزوائد" (١٠/ ١٢١).
[ ٥٧ ]
واعلم أن النوم مثل الموت، واليقظة مثل البعث، فكن مستعدًا للقائه بأن تنام على طهارة، وتكون وصيتك مكتوبة تحت رأسك، وتنام تائبًا من الذنوب مستغفرًا عازمًا على ألا تعود إلى معصية، واعزم على الخير لجميع المسلمين إن بعثك الله تعالى، وتذكر أنك ستضجع في اللحد وحيدًا فريدًا، ليس معك إلا عملك، ولا تجزى إلا بسعيك.
ولا تستجلب النوم تكلفًا بتمهيد الفرش الوطيئة؛ فإن النوم تعطيل للحياة إلا إذا كانت وبالًا عليك فنومك سلامة لدينك.
واعلم أن الليل والنهار أربع وعشرون ساعة، فلا يكن نومك بالليل والنهار أكثر من ثماني ساعات، فيكفيك إن عشت مثلا ستين سنة أن تضيع منها عشرين سنة وهو ثلث عمرك.
وأعدّ عند النوم سواكك وطهورك، واعزم على قيام الليل أو على القيام قبل الصبح، فركعتان في جوف الليل كنز من كنوز البر، فاستكثر من كنوزك ليوم فقرك، فلن تغني عنك كنوز الدنيا إذا متَّ.
فإذا تقلبت من جنب إلى جنب فقل: «لا إله إلا الله الواحد القهار، رب السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار» (١).
فإذا فزعت من النوم أو رأيت ما تكره في منامك فانفث عن يسارك ثلاثًا، وقل: «أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه وشر عباده، ومن همزات الشياطين، وأن يحضرون» (٢)، وتحول عن جنبك الذي كنت عليه.
واعلم أن النبي - ﷺ - قد قال: «من تعار من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، الحمد لله، وسبحان الله،
_________________
(١) النسائي في "اليوم والليلة" (٨٦٤)، وصححه ابن حبان (٥٥٣٠ - إحسان)، والحاكم، والعراقي. راجع "فيض القدير" (٥/ ١٥٠)، "الصحيحة" (٢٠٦٦).
(٢) رواه الإمام أحمد (٦٦٩٦ - شاكر)، وأبو داود (٣٨٩٣)، والترمذي (٣٥٢٨) وحسنه، والنسائي في "اليوم والليلة" (٧٧١)، وابن السني في "اليوم والليلة" (٧٤٩).
[ ٥٨ ]
ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: اللهم اغفر لي أو دعا؛ استجيب له، فإن توضأ ثم صلى؛ قبلت صلاته» (١).
فإذا استيقظت فارجع إلى ما عرفتك أولًا، وداوم على هذا الترتيب بقية عمرك، فإن شقت عليك المداومة فاصبر صبر المريض على مرارة الدواء انتظارًا للشفاء، وتفكر في قصر عمرك، وإن عشت مثلًا مائة سنة فهي قليلة بالإضافة إلى مقامك في الدار الآخرة وهي أبد الآباد، وتأمل أنك كيف تتحمل المشقة والذل في طلب الدنيا شهرًا أو سنة رجاء أن تستريح بها عشرين سنة مثلًا، فكيف لا تتحمل ذلك أيامًا قلائل رجاء الاستراحة أبد الآباد؟.
ولا تطوِّل أملك فيثقل عليك عملك، وقدِّر قرب الموت، وقل في نفسك: إني أتحمل المشقة اليوم فلعلي أموت الليلة، وأصبر الليلة فلعلي أموت غدًا، فإن الموت لا يهجم في وقت مخصوص وحال مخصوص وسن مخصوص، فلا بد من هجومه، فالاستعداد له أولى من الاستعداد للدنيا، وأنت تعلم أنك لا تبقى فيها إلا مدة يسيرة، ولعله لم يبق من أجلك إلا يوم واحد أو نفس واحد، فقدر هذا في قلبك كل يوم، وكلف نفسك الصبر على طاعة الله يومًا فيومًا، فإنك لو قدرت البقاء خمسين سنة وألزمتها الصبر على طاعة الله تعالى نفرت واستصعبت عليك، فإن فعلت ذلك فرحت عند الموت فرحًا لا آخر له، وإن سوَّفت وتساهلت جاءك الموت في وقت لا تحتسبه، وتحسرت تحسرًا لا آخر له، وعند الصباح يحمد القوم السُّرَى (٢)، وعند الموت أتيك الخبر اليقين، ولتعلمن نبأه بعد حين.
وإذ أرشدناك إلى ترتيب الأوراد، فلنذكر لك آداب الصلاة والصوم والإمامة والقدوة والجمعة.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١١٥٤)، وأحمد (٥/ ٣١٣)، وأبو داود (٥٠٦٠)، والترمذي (٣٤١٤)، وابن ماجة (٣٨٧٨)، والدارمي (٢٦٨٧)، وابن حبان (٢٥٩٦ - إحسان) من حديث عبادة بن الصامت - ﵁ -.
(٢) هذا مثل يُضرب للرجل يتحمل المشقة رجاء الراحة، انظر "مجمع الأمثال" لأبي الفضل الميداني - المثل رَقْم (٢٣٨٢).
[ ٥٩ ]