[كان رسول الله - ﷺ - إذا قام إلى الصلاة استقبل الكعبة قائمًا قريبًا من السترة، وكان - ﷺ - يقول: «إنما الأعمال بالنيات، إنما لكل امرئ ما نوى» (١).
ثم كان - ﷺ - يستفتح الصلاة بقوله: "الله أكبر". وكان يرفع يديه مع التكبير، ثم يضع اليمنى على اليسرى فوق صدره، ثم يرمي ببصره نحو الأرض، ثم يستفتح القراءة بأدعية كثيرة متنوعة، يحمد الله تعالى فيها ويمجده ويثني عليه، منها: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جَدُّك، ولا إله غيرك". ثم كان - ﷺ - يستعيذ بالله تعالى من الشيطان الرجيم، ثم يقرأ: "بسم الله الرحمن الرحيم" ولا يجهر بها، ثم يقرأ الفاتحة ويقطعها آية آية. فإذا انتهى من الفاتحة
_________________
(١) أخرجه البخاري (١، ٥٤، ٢٥٢٩، ٣٨٩٨، ٥٠٧٠، ٦٦٨٩، ٦٩٥٣)، ومسلم (١٩٠٧)، ومالك في "الموطإ" (٩٨٣) رواية محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة، وأحمد (١٦٨، ٣٠٠)، وأبو داود (٢٢٠١)، والترمذي (١٦٤٧)، والنسائي (٧٥، ٣٤٣٧، ٣٧٩٤)، وابن ماجة (٤٢٢٧)، وابن خزيمة (١٤٢، ١٤٣)، وابن حبان (٣٨٨، ٣٨٩ - إحسان)، وابن الجارود في "المنتقى" (٦٤)، وابن المبارك في "الزهد" (١٨٨)، وهناد بن السري في "الزهد" (٨٦٩)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (١٣٢١، ١٤٧٧٣)، وفي "الزهد الكبير" (٢٤١)، وابن حزم في "المحلى" (١/ ٦٧) ط/دار التراث من طرق عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص الليثي، عن عمر بن الخطاب - ﵁ - مرفوعًا به. وليس له طريق تصح غير هذه الطريق كما قال علي بن المديني وغيره. قال الإمام الخطابي ﵀: " لا أعلم خلافًا بين أهل الحديث في ذلك ". وقال الإمام الترمذي ﵀: " هذا حديث حسن صحيح ولا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سعيد الأنصاري. قال عبد الرحمن بن مهدي ﵀: ينبغي أن نضع هذا الحديث في كل باب " اهـ. هذا وقد تكلمت على فوائد هذا الحديث، ونبهت على بعض الأوهام التي وقعت لكثير من الأفاضل حوله في القديم والحديث، في كتابيّ: «إتحاف السادات بتخريج أحاديث متفرقات"، و"إتحاف المتقين بفوائد نفيسة متعلقة بأحاديث رياض الصالحين" يسر الله إتمامهما بخير.
[ ٦٢ ]
قال: "آمين"، ويجهر ويمد بها صوته. ثم يقرأ بعد الفاتحة سورة غيرها، وكان يطيلها أحيانًا، ويقصرها أحيانًا. وكان - ﷺ - يجهر بالقراءة في صلاة الصبح، وفي الركعتين الأوليين من المغرب والعشاء، ويسر بها في الظهر، والعصر، والثالثة من المغرب، والأخريين من العشاء.
وكان - ﷺ - يجهر بها أيضًا في صلاة الجمعة، والعيدين، والاستسقاء، والكسوف.
وكان يجعل الركعتين الأخيرتين أقصر من الأوليين قدر النصف قدر خمس عشرة آية، وربما اقتصر فيهما على الفاتحة.
ثم كان - ﷺ - إذا فرغ من القراءة سكت سكتة، ثم رفع يديه وكبر وركع. وكان في الركوع يضع كفيه على ركبتيه، ويفرج بين أصابعه، ويمكن يديه من ركبتيه كأنه قابض عليهما.
وكان - ﷺ - يجافي مرفقيه عن جنبيه، ويبسط ظهره ويسويه، حتى لو صُب عليه الماء لاستقر.
وكان - ﷺ - يطمئن في ركوعه ويقول: "سبحان ربي العظيم" ثلاثُا. وكان يقول في هذا الركن أنواعًا من الأذكار والأدعية، تارة بهذا، وتارة بهذا.
وكان - ﷺ - ينهى عن قراءة القرآن في الركوع والسجود.
ثم كان النبي - ﷺ - يرفع صلبه من الركوع قائلًا: "سمع الله لمن حمده". وكان يرفع يديه عند هذا الاعتدال، ويقول وهو قائم: "ربنا ولك الحمد". وكان تارة يزيد على ذلك.
ثم كان - ﷺ - يكبر ويهوى ساجدًا، وكان يضع يديه على الأرض قبل ركبتيه (١). وكان يعتمد على كفيه ويبسطهما، ويضم أصابعه ويوجهها قِبلَ القبلة. وكان يجعلهما حذو منكبيه، وأحيانًا حذو أذنيه. وكان يمكن أنفه وجبهته من الأرض،
_________________
(١) نقل شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" اتفاقَ العلماء على أن المصلي إذا وضع يديه قبل ركبتيه، أو ركبتيه قبل يديه، فصلاته صحيحة، ولكنهم تنازعوا في الأفضل، والأفضل إن شاء الله ما أثبتنا. وانظر رسالة "نهي الصحبة عن النزول بالركبة" لفضيلة الشيخ أبي إسحاقَ الحويني (حفظه الله تعالى).
[ ٦٣ ]
وكان يقول: «أُمِرْتُ أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة-وأشار بيده على أنفه-، واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين، ولا نَكْفِتَ الثياب والشَّعَر» (١).
وكان - ﷺ - يطمئن في سجوده، ويقول: " سبحان ربي الأعلى " ثلاثًا. وكان يقول أنواعًا من الأذكار والأدعية، تارة بهذا، وتارة بهذا.
وكان - ﷺ - يأمر بالاجتهاد والإكثار من الدعاء في هذا الركن.
ثم كان رسول الله - ﷺ - يرفع رأسه مكبرًا. ثم يفرش رجله اليسرى فيقعد عليها مطمئنًا، وكان ينصب رجله اليمنى ويستقبل بأصابعها القبلة. وكان يقول في هذه الجلسة: " اللهم اغفر لي، وارحمني، واجبرني، وارفعني، واهدني، وعافني، وارزقني ".
ثم يكبر ويسجد السجدة الثانية كالأولى. ثم يرفع رأسه مكبرًا.
ثم يستوي قاعدًا على رجله اليسرى معتدلًا حتى يرجع كل عظم إلى موضعه (٢).
ثم ينهض معتمدًا على الأرض بيديه إلى الركعة الثانية، وكان يصنع فيها مثل ما يصنع في الأولى، إلا أنه كان يجعلها أقصر من الأولى.
ثم كان رسول الله - ﷺ - يجلس للتشهد بعد الفراغ من الركعة الثانية: فإذا كانت الصلاة ركعتين جلس مفترشًا كما كان يجلس بين السجدتين، وكذلك كان يجلس في التشهد الأول من الصلاة الثلاثة والرباعية. وفي التشهد الأخيركان يجلس متوركًا: يفضي بوركه اليسرى إلى الأرض ويخرج قدميه من ناحية واحدة ويجعل اليسرى تحت فخذه وساقه وينصب اليمنى، وربما فرشها أحيانًا.
وكان - ﷺ - إذا قعد في التشهد وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى، ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى، وكان يبسط اليسرى ويقبض اليمنى، ويشير
_________________
(١) أخرجه البخاري (٨١٢)، ومسلم (٤٩٠/ ٢٣٠ - عبد الباقي). قال الإمام النووي ﵀: " قوله: "لا نكفت الثياب ولا الشعر" أي: لا نضمهما ولا نجمعهما، والكفت: الجمع والضم، وقد اتفق العلماء على النهي عن الصلاة وثوبه مشمر أو كمه أو نحوه، أو رأسه معقوص، أو مردود شعره تحت عمامته أو نحو ذلك، فكل هذا منهي عنه باتفاق العلماء " اهـ.
(٢) وهذه الجلسة تعرف عند العلماء بجلسة الاستراحة.
[ ٦٤ ]
بالسبابة ويرمي ببصره إليها، وكان يحركها (١) يدعو بها ويقول: «لَهِيَ أشد على الشيطان من الحديد» (٢) يعني: السَّبَابَةَ.
ثم كان - ﷺ - يقرأ في كل ركعتين التحية، يقول: «التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله».
وكان يصلي على نفسه في التشهد الأول وغيره، وشرع ذلك لأمته. وكان - ﷺ - يدعو في صلاته بأدعية متنوعة (٣).
ثم كان - ﷺ - يسلم عن يمينه: " السلام عليكم ورحمة الله "، وعن يساره كذلك. وكان أحيانًا يزيد في التسليمة الأولى: " وبركاته "] ا. هـ.
«واعلم: أن للصلاة أركانًا وواجباتٍ وسننًا (٤)، وروحها النية والإخلاص والخشوع وحضور القلب، فإن الصلاة تشتمل على أذكار ومناجاة وأفعال، ومع
_________________
(١) تحريك السبابة في التشهد لا زلت في ريب منه، فقد تفرد زائدة بن قدامة (﵀) بذكره كما هو معروف عند أهل العلم، فلتحرر المسألة. وانظر "طليعة سمط اللالي" لشيخنا العلامة أبي إسحاق الحويني (ص١٢٦ - ١٢٨).
(٢) رواه الإمام أحمد (٦٠٠٠)، والطبراني في "الدعاء" ص٢٠٥ ط/دار الكتب العلمية، والبزار كما في "المجمع" (٢/ ١٤٠) بسند حسن؛ فيه كثير بن زيد وهو صدوق يخطئ كما في "التقريب" (٥٦١١)، وصححه أبو الأشبال أحمد شاكر ﵀. ومن الأخطاء التي يقع فيها بعض المصلين الإشارة بالسبابتين أثناء التشهد، وقد رأى النبي - ﷺ - رجلًا يدعو بإصبعيه فقال: "أَحِّدْ، أَحِّدْ "، وأشار بالسبابة. ومعنى قول النبي - ﷺ -: «أَحِّد أَحِّد» أي: أشر بأصبع واحدة وهي المسبحة؛ فإن الذي تدعوه واحد. قال الزمخشري: «أراد: وحد، فقلبت الواو همزة، كما قيل: أحد وإحدى وآحاد. فقد تقلب بهذا القلب مضمومة ومكسورة ومفتوحة» ا. هـ من "فيض القدير" (١/ ٢٣٧) ط/ مكتبة مصر.
(٣) روى الإمام أبو يعلى (﵀) في "مسنده" (ج١٠/رقم٦٠٢٩) بسند حسن من حديث أبي هريرة (﵁) أن النبي (ﷺ) كان إذا أراد أن يسجد كبر ثم يسجد، وإذا قام من القعدة كبر ثم قام» ولم أره في "مجمع الزوائد" وهو على شرطه، وأورده الشيخ الألباني (﵀) في "الصحيحة" (٦٠٤) وجود إسناده، وقال: «الحديث نص صريح في أن السنة التكبير ثم السجود، وأنه يكبر وهو قاعد ثم ينهض. ففيه إبطال لما يفعله بعض المقلدين من مد التكبير من القعود إلى القيام!» انتهى.
(٤) وراجع تفصيل ذلك في كتب الفقه، وأرشح لك في البداية كتاب "الوجيز في فقه السنة والكتاب العزيز" لشيخنا العلامة عبد العظيم بن بدوي الخلفي -حفظه الله-.
[ ٦٥ ]
عدم حضور القلب لا يحصل المقصود بالأذكار والمناجاة؛ لأن النطق إذا لم يُعْربْ عما في الضمير كان بمنزلة الهذيان، وكذلك لا يحصل المقصود من الأفعال؛ لأنه إذا كان المقصود من القيام: الخدمة، ومن الركوع والسجود: الذل والتعظيم، ولم يكن القلب حاضرًا، لم يحصل المقصود؛ فان الفعل متى خرج عن مقصوده بقي صورة لا اعتبار بها، قال الله تعالى: ﴿لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم﴾ [الحج: ٣٧].
والمقصود أن الواصل إلى الله ﷾ هو الوصف الذي استولى على القلب حتى حمل على امتثال الأوامر المطلوبة، فلا بد من حضور القلب في الصلاة، ولكن سامح الشارع في غفلة تطرأ؛ لأن حضور القلب في أولها ينسحب حكمه على باقيها» (١).
_________________
(١) نقلًا من "مختصر منهاج القاصدين" للإمام ابن قدامة المقدسي ﵀، وأوصيك يا سالك طريق الهداية أن تظفر بهذا الكتاب، فإنه نافع جدًا.
[ ٦٦ ]
باب