قال رسول الله ﷺ: " خير الناس منزلةً يوم القيامة، رجل آخذ بعنان فرسه في سبيل الله يخيف العدو ويخيفونه ". وفي رواية أخرى: " حتى يموت أو يقتل، والذي يليه رجل معتزل في شعب من الشّعاب يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، ويعتزل شرور النّاس ".
قال عمر بن الخطاب ﵁ الطمع فقرٌ واليأس غنيٌ، والعزلة راحةٌ من جليس السوء، وقرين الصدق خير من الوحدة.
قال أبو الدردّاء: نعم صومعة الرجل المؤمن بيته، يصون دينه وعرضه، وأياكم والأسواق، فإنها تلغي وتلهي.
قال مكحول:إن كان في الجماعة فضل، فإن في العزلة سلامه.
قال عمر بن الخطاب: خالطوا الناس في معايشكم، وزايلوهم بأعمالكم.
قال أبو الدّرداء: كان الناس ورقًا لا شوك فيه، وهم اليوم شوك لا ورق فيه.
يقال: إن فيما أنزل الله في الإنجيل على عيسى ﵇. كن وسطًا وامشي جانبًا.
قال ابن المقفع: وحشة الانفراد أبقى على المرء من أنس التلاقي.
قال بعض العلماء العزلة عن الناس توقي العرض، وتبقي الجلالة، وترفع مؤونة المكافأة في الحقوق اللازمة، وتستر الفاقة.
قال أوس ابن حجر:
وإنّي رأيت النّاس إلا أقلهم خفاف العهود يكثرون التّنقّلا
بنى أمّ ذي المال الكثير يرونه وإن كان عبدًا سيّد القوم جحفلا
وهم لمقلّ الممال أولاد علّةٍ وإن كان محضًا في العمومة مخولا
وليس أخوك الدائم العهد بالذي يسوءك إن ولّي ويرضيك مقبلا
ولكن الأخ النّائي إذا كنت آمنًا وصاحبك الأدنى إذا الأمر أعضلا
وقال الحسن بن عبد الرحمن.
توحشت ولكنّي أسرّ بالوحشة أحيانا
وفي الوحشة ما يؤ نس من صحبة من خانا
وقال أيضًا:
يا حبّذا الوحشة من أنيس إذا خشيت من أذى الجليس
وقال أبو العتاهية:
برمت بالناس وأخلاقهم فسرت أستأنس بالوحده
ما أكثر النّاس لعمري وما أقلّهم في حاصل العدّه
كتب شيخ من أهل الرّى على باب داره: جزى الله عنا من لا نعرفه ولا يعرفنا خيرًا، وأما أصدقاؤنا الخاصة فلا جزاهم الله خيرًا، فإن لم نؤت إلا منهم.
قال سفيان وما وجدت من يغفر لي ذنبًا، ولا يستر لي عيبًا، فرأيت في الهرب من الناس السّلامة.
قال الفضيل بن عياض لسفيان الثوري: دلّني على رجل أجلس إليه، قال: تلك ضالّة لا توجد.
قال أكثم ابن صيفي: الانقباض عن الناس مكسبه للعداوة، وإفراط الأنس مكسبة لقرناء السوء.
وقال سهل الوراق:
ألا ما لذا الناس قد بدّلوا فهم كذئاب عليها ثياب
تواطئوا على كلّ مستقبحٍ فما لقبيح لديهم معاب
وخانوا الأمانة ما بينهم وهل بالأمانة توفى الذئاب
قال الأضبط بن قريع:
أذود عن حوضه ويدفعني يا قوم من عاذري من الخدعه
أنشد الخريري لنفسه:
[ ١٤٤ ]
مخالط الناس في الدّنيا على خطر وفي بلاءٍ وصفو شيب بالكدر
كراكب البحر إن تسلم حشاشته فليس يسلم من خوف ومن حذر
وقال قدامة بن إبراهيم الجمحى:
العجز ضعف ومالجزم من ضررٍ وأحزم الحزم سوء الظنّ بالناس
لا تترك الحزم في أمر تحاذره فإن أصبت فما بالحزم من باس
أنشدني عبد الرّحمن بن أبان، عن عثمان، قال: أنشدني أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدى لنفسه:
أشعرن قلبك ياسا ليس هذا الناس ناسا
قد مضى الإبريز منهم وبقوا بعد بحاسا
سامريين يقولو ن جميعًا مساسا
لهلال بن العلاء:
لما عفوت ولم أحقد على أحدٍ أرحت نفسي من هم العداوات
إني أحيّى عدّوى عند رؤيته لأدفع الشرّ عنّى بالتحيات
وأحسن البشر للإنسان أبغضه كأنه قد ملا قلبي محبّات
ولست أسلم ممن لست أعرفه فكيف أسلم من أهل المودات
وقال ابن الرومى:
يا ذا الذي منه التغي ر والتّنكر والنبوّ
إن كان أدر كك الملا ل فقد تداخلني السّلوّ
وقال آخر:
قد كنت عبدًا والهوى مالكى فصرت حرّا والهوى خادمى
وصرت بالوحدة مستأنسًا من شرّ أولاد بني آدم
ما في اختلاط الناس خير ولا ذو الجهل بالأشياء كالعالم
يا عاذلى في تركهم جاهلا عذرى منقوش على خاتمي
وكان في خاتمه منقوشًا: " وما وجدنا لأكثرهم من عهد " وقال منصور الفقيه:
نفرت من كلّ من وثقت به إذ كلهم خانني ولم أخن
من لان لي جانباه لنت له ومن أبي أن يلين لم ألن
وقال آخر:
هذا زمانٌ ليس إخوانه يامعشر الناس بإخوان
إخوان سوءٍ كلّهم فاسقٌ له لسانان ووجهان
يلقاك بالبشر وفي قلبه داءٌ يواريه بكتمان
حتّى إذا ما غبت عن وجهه رماك في الغيب ببهتان
يأيها المرء فكن واحدًا فردًا ولا تأنس بإنسان
منصور الفقيه:
الناس بحرٌ عميقٌ والبعد منهم سفينه
وقد نصحتك فانظر لنفسك المسكينه
طرفة بن العبد:
كلّ خليل كنت خاللته لا ترك الله له واضحه
كلهم أروع من ثعلب ماأشبه الليلة بالبارحه
وقال منصور الفقيه:
يا أخا الدّهر إن وفا وأخا الدهر إن غدر
كن من الناس كيف شئ ت على غاية الحذر
كان يقال: صحبة الأشرار تورث سوء الظن بالأخيار وقال ابن وكيع:
فسد الناس كلّهم وانقضى الودّ فما في الورى أخٌ ذو صفاء
وأرى طالب الفرار من النا س ومرتاد مربهم في بلاء
ذاك بالانقباض يكسب المق ت ويعزى به إلى الكبرياء
وأخو الانبساط يخشى انقلابًا من صديق يضيع حق الإخاء
وإذا ما الصديق عاد عدوًا فهو مستفرهٌ من الأعداء
وقال منصور الفقيه:
في الناس خيرٌ كثيرٌ والشرفى الناس أكثر
وقد نصحتك حهدى فانظر لنفسك واحذر
فإن وثقت بقولي فيهم وإلا فغرر
وله أيضًا:
إنما الناس فزعةٌ ليس في الناس مفزع
ذم من شئت منهم فهو للذمّ موضع
ولما حضرته الوفاة، قال: أستغفر الله من هذين البيتين.
قال سويد بن منجوف:
قبلغّ مصبعًا عنّي رسولا وهل تجد النصيح بكل واد
تعلّم أن كثر من تناجى وإن ضحكوا إليك هم الأعادي
أنشد الزبير لأبي همهمة:
إخوة ما حضرت سرّون برّو ن فإن غبت فالسّباع الجياع
[ ١٤٥ ]
با ينوي حتى إذا عانيوني بان منهم تضاؤلٌ واجتشاع
فهم يغمزون مني قناةً ليس يألون عمزها ما استطاعوا
ما كذا يفعل الكرام ولكن هكذا يفعل اللثام الوضاع
قال أبو غسان مالك بن الله غلام أبي العتاهية:كنت عند أبي العتاهية قبل موته بثلاثة أيام،وإنه لشديد العلّة لما به،فرفع رأسه إلى وقال:يا أبا غسان!
لله درّ أبيك أيّ زمان أصبحت فيه وأيّ أهل زمان
كلٌّ يوازنك المودة دائبًا يعطى ويأخذ منك بالميزان
لإغذا رأى رجحان حبة خردلٍ مالت مودته مع الرّجحان
في كلّ يومٍ منه تبدو قصّةً تنعي إليك مودّة الإخوان
وقال منصور الفقيه:
أيّ زمان نشأت فيه كذي ضلالٍ بأرض تيه
ما شئت من عالم خبيثٍ فيه ومن جاهلٍ سفيه
وقال أبو العتاهية:
إن الزمان يغرّني بأمانه ويذيقني المكروه من حدثانه
فأنا النذير من الزمان لكلّ من أمسي وأصبح وائقًا بزمانه
ما الناس إلا للكثير المال أو لمسلّط ما دام في سلطانه
فإذا الزمان رماهما بملمّةٍ كان الثّقات هناك من أعوانه
قال إبراهيم بن العباس الصولى:
بلوت الزمان وأهل الزمان فكلّ بذم ولوم حقيق
وأوحشني من صديقي الزمان وآنسني بالعدوّ الصديق
وله أيضًا
وربّ أخ ناديته في ملمةٍ فألفيته منها أجلّ وأعظما
أنشدني محمد بن نصير الكاتب لنفسه:
تطلّب سبيل الهدى جاهدًا ودع عنك مشتبهات السّبل
وأصبح من الناس مستوفزًا فأكثرهم راصدٌ للزّلل
وأجبن من قد ترى منهم لعمرك يردى الشجاع البطل
وتصمى المقاتل أقوالهم بألسنةٍ وقعها كالأسل
ومن حكّم الناس في عرضه فمن جار أكثر ممن عدل
وقال آخر:
وإذا دعوت أخا إخائك عند نائبةٍ تنوب
ألفيته أحد الخطوب إذا تتابعت الخطوب
وهذا كله عندي والله أعلم مأخوذ من قول القائل:
كنت من كربتي أفر إليهم فهم كربتي فأين الفرار
منصور الفقيه:
تبارك من لو شاء ملكني نفسي وصيّر في الإيحاش من خلقه أنسي
وباعد داري عاجلًا عن ديارهم كعبد مغيب الشمس عن مطلع الشمس
لعلّى أن أمسي من الشر آمنا وأصبح مسرورًا بذاك كما أمسي
فما نكّد الدنيا على طيب ظلها وقرب جناها العذب شئ سوى الإنس
قال أعرابي،وهو جابر بن ثابت،ويعرف بتأبط شرا:
عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى وصوّت أنسان فكدت أطير
درى الله أني للأنيس لشانئٌ وتبغضهم لي مقلةٌ وضمير
وقال آخر:
قد بلوت النّاس طرّا لم أجد في الأرض حرًا
صار أحلى الناس في عيني إذا ما ذيق مرّا
ووجدت الحلو منهم عندما جرّبت صبرا
وقال منصور الفقيه:
إن بني دهرنا أفاع ليس لمن ساورت طبيب
فلا يكن فيك بعد هذا لواحدٍ منهم نصيب
وقال آخر:
قد لزمت السّكوت من غير عىّ ولزمت الفراش من غير علّه
وهجرت الإخوان لما أتتني عنهم كلّ خصلة مضمحلّه
فعلى أهل ذا الزمان جميعًا ضعف قطر السّماء من لعنة الله
وقال آخر:
لا تعرفن أحدًا فلست بواجدٍ أحدًا أضرّ عليك ممن تعرف
أما نظيرك فهو حاسد نعمةٍ أو دون ذاك فذو سؤال ملحف
أو فوق ذلك حال دون لقائه بواب سوءٍ واليفاع المشرف
وللشافعي الفقيه ﵀،وقيل إنه تمثل بها،وهي:
[ ١٤٦ ]
ليت الباع لنا كانت مجاورةً وليتنا لا نرى مما نرى أحدا
إن السباع لتهدا في مرابضها والناس ليس بهاءٍ شرّهم أبدا
فاهرب بنفسك واستأنس بوحدتها تعش سليمًا إذا ما كنت منفردًا
وقال منصور الفقيه:
أحذّرك الناس إلاّ قليلا فلا تبغين إليهم سبيلا
وفارقهم عن قليّ واتخذ إذا ما خشيت انفرادًا خليلا
من الجنّ والجنّ إن تلقهم تجدهم أبرّ فعالا وقليلا
من الإنس،لا كان مستأنسًا بهم طالبٌ من سواهم بديلًا
وقال أبو العتاهية:
أياربّ إنّ الناس لا ينصفونني وإن أنا لم أنصفهم ظلموني
وإن كان لي شيْ تصدّوا لأخذه وإن جئت أبغي شيئهم منعوني
وإن نالهم بذلي فلا شكر عندهم وإن أنا لم أبذل لهم شتموني
وإن طرقتني نكبةٌ فرحوا بها وإن صحبتني نعمةٌ حسدوني
سأمنع قلبي أن يحنّ إليهم وأحجب عنهم ناظري وجفوني
أنشدني حكم بن المنذر لنفسه:
وكنتم أخلائي الذين أعدّهم لصرف زمان إن ألمّ بداهيه
فأخلفتم ظني بكم فقليتكم فنفسي عنكم أخر الدهر ساليه
وقال آخر:
ولما رأيت الناس لا عهد عندهمصدفتوبيت اللهعن صحبة الناس
وصرت جليس الكتب ما عشت فيهم وأعلمت حسن الصبّر عنهم مع الياس
رأيت لهم كاسًا من الغذر بينهم تدار وما بالقوم صبرٌ عن الكاس
وهذا الباب وما جانسه من معاني صحبة الناس والفرار منهم،واتخاذ الإخوان والزهد فيهم،قد أكثر الناس فيه جدا،وقد جمع فيه ابن وكيع فتقصىّ وكثّر وجوّد وغزر،وغرضنا في الكتاب أن نورد فيه ما تصلح المذاكرة به من غير تطويل،لأن الحفظ أكثر ما يكون مع التقليل،وبالله العون والتأييد والحول والقوة.