روى عن النبي ﷺ أنه قال: " من اعتذر إليه أخوه المسلم فليقبل عذره، مالم يعلم كذبه " قال عمر بن الخطّاب: لا تلم أخاك على ما يكون العذر في مثله قال الأحنف: إيّاك وما يعتذر منه، فإنّه قلمّا اعتذر أحدٌ فسلم من كذب قال الحسن بن علىّ ﵄: لو أنّ رجلا شتمني في آذني هذه، واعتذر إلى في أذني هذه لقبلت عذره.
ومن النظم في معناه:
قيل لي قد أسا إليك فلانٌ وقعود الفتى على الضّيم عار
[ ١٠٥ ]
قلت: قد جاءنا فأحدث عذرًا دية الذنب عندنا الآعتذار
وقال الأحنف:إذا اعتذر إليك معتذر،فلتلقه بالبشر.
اعتذر إلى قتيبة بن مسلم رجل فقبل منه،ثم قال:لا يدعونك أمرٌ قد تخلصت منه إلى الدخول فيما لعّلك لا تتخلص منه.
قال صالح بن أبى النجم:
ولربّما جاء الفتى بد نيّةٍ ووراءها عذرٌ له لم يفهم
وكان يقال:اعتذار بمنع خير من وعد ممطول وقال صالح بن عبد القدوس:
يلومني النّاس فيما لو أخبّرهم بالعذر منى فيه لم يلوموني
قال البحتري:
اقبل معاذير من يأتيك معتذرًا إن برّ عندك فيما قال أو فجرا
فقد أطاعك من يرضيك ظاهره وقد أجلك من يعضيك مستترا
وله أيضًا:
إذا محاسني اللاتي أدل بها عدّت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر؟
وقال محمود بن داود القياسي:
العذر يلحقه التخويف والكذب وليس في غير ما برضيك لي أرب
فإن أسأت فبالنعمى التي سلفت لمّا منيت بعفو ماله سبب
وقال أبو على البصير:
لم أجن ذنبا فإن زعمت بأن جنيت ذنبًا فغير معتمد
قد تطرف الكف عين صاحبها فلا يرى قطعها من الرّشد
وقال عاىّ بن الجهم:
إنّ ذلّ السّؤال والإعتذار خطّةٌ صعبةٌ على الأحرار
ليس جهلًا بها تورّطها الحرّ ملكن سوابق الأقدار
ارض للسّائل الخضوع وللقا رف ذنبًا مذلّة الإعتذار
وقال آخر:
وما كنت أخشى أن ترى لي زلّةٌ ولكن قضاء الله ما عنه مهرب
إذا اعتذر الجاني محا العذر ذنبه وكلّ امرئ لا يقبل العذر مذنب
كان يقال:من وفّق لحسن الاعتذار خرج من الذنب.
اعتذر رجلٌ إلى أبى عبيد الله الوزير الكاتب،فأساء الاعتذار،فقال أبو عبيد الله: ما رأيت اعتذارًا أشبه باستئناف ذنب من هذا.
وللشافعي ﵁، وقد قيل:أنما تمثّل بها:
يالهف نفسي على مال أفرّقه على المقلّين من أهل المروءات
إن اعتذاري إلى من جاء يسألني ما ليس عندي من إحدى المصيبات
ومما ينشد للفراء من قوله:
أردت لكيما لا ترى لي عثرةٌ ومن ذا الذي يعطى الكمال فيكمل
وقال محمود الوراق:
أراني إذا ما زدت مالًا ورفعةً وخيرًا إلى خيرٍ تزيّدت في الشّرّ
فكيف بشكر الله إذ كنت إنما أقوم مقام الشكر لله بالكفر
بآي اعتذار أم بأية حجةٍ يقول الذي يدرى من الأمر: ما أدرى
إذا كان وجه العذر ليس بواضحٍ فإنّ اطّراح العذر خيرٌ من العذر
قال أبو الصولى، أخبرنى أبو بكر بن عبد الله، قال: سألني أبو سليمان الشاشى حاجة فاعتذرت بشغل في تأخيرها، فكتب إلىّ:
سكنت نفسي لمّا ال تف حبلى بحبالك
إنما أطلب من جا هك نفعًا لا بمالك
لا تصيّر شغلك اليو م اعتذارًا لطلابك
لو تفرغت من الشغ ل استوينا في المسالك
وهذا عندي مأخوذ من قول أبى العتاهية:
ليس ذا الشغل عاذرٌ لك عندي إنّما ترتجى إذا كان شغل
وقال آخر:
ولا تعتذر بالشغل عنّا فإنّما تناط بك الآمال ما اتّصل الشّغل
ولا ترتفع عنّا بشئ وليته كما لم يصغرّ عندنا شأنك العزل
وقال آخر:
وقد علمت لو انّ العلم ينفعني أنّ انطلاقي إلأى الحجاّج تغرير
لئن رحلت إلى الحجّاج معتذرًا إنّي لأحمق من تجرى به العير
وقال آخر:
لا ترج توبة مذنب خلط احتجاجًا باعتذار
وقال ابن الدّمينة:
بنفسي ومالي من إذا عرضوا له ببعض الأذى لم يدر كيف يجيب
ولم يعتذر عذر البرئ ولم يزل به سكتةٌ حتّى يقال مريب
وقال آخر:
[ ١٠٦ ]
فلا تعذراني في الإساءة إنّه شرار الرّجال من يسئ ويعذر
وقال آخر:
وما حسنٌ أن يعذر المرء نفسه وليس له من سائر النّاس عاذر
وقال آخر:
هي المقادير فلمنى أو فذر إن كنت أخطات فما أخطأ القدر
وقال آخر:
وعاجز الرأي مضياعٌ لفرصه حتى إذا فات أمر عاتب القدرا
وقال آخر:
إذا عيّروا قالوا مقادير قد جرت وما العار إلاّ ما تجرّ المقادر
قال بعض الحكماء: إياك وما يسبق للقلوب إنكاره، وإن كان عندك اعتذاره.
قال محمود الوراق:
أراني مع الأحياء وأكثري على الدهر ميتٌ قد تخونّه الدّهر
فما لم يمت منّى لما مات ميّتٌ وبعض لبعض قبل قبر البلى قبر
فيا ربّ قد أحسنت بدءًا وعودةً إلىّ فلم ينهض بإحسانك الشّكر
فمن كان ذا عذر لديك وحجةٍ فعذري إقراري بأن ليس لي عذر
وفي الأشعار في الأعتذار من الفرار قال الأصمعي: أحسن ما قيل في الأعتذار من الفرار، قول الحارث بن هشام المخزومى:
الله يعلم ما تركت قتالهم حتّى علوا مهرى بأشقر مزبد
وعلمت أنّى إن أقاتل واحدًا أقتل ولا يحزن عدوّى مشهدي
فصدرت عنهم والأحبّة فيهم طمعًا لهم بعقاب يوم مفسد
وقال خلف الأحمر: أحسن ما قيل في الأعتذار في الفرار، قول هبيرة بن أبى وهب المخزومى:
لعمرك ما وليت ظهري محمدًا وأصحابه جبنًا ولا خفية القتل
ولكنني قّلبت آمري فلم أجد لسيفي غناء إن ضربت ولا نبلى
وقفت فلما خفت ضيعة موقفي رجعت لعود كالهزبر أبى الشّبل
فر ابن مطيع يوم الحرّة، وسار إلى ابن الزبير، فلما قوتل ابن الزبير، جعل يجتهد معه في القتال، ويقول:
أنا الذي فررت يوم الحرّة والحرّ لا يفرّ إلا مرّة
فاليوم أجزى فرّة بكرّه يا حبّذا الكرّة بعد الفرّه
وقال أوس بن حجر:
أتونا فردوا حافتينا بزاعقٍ من الضّرب ضرم النّار في الحطب اليبس
وما بفرار اليوم عارٌ على الفتى إذا عرفت منه الشّجاعة بالأمس
قال الأحنف بن قيس: أسرع النّاس إلى الفتنة، أقلّهم حياء من الفرار وقال آخر:
العبد يذيب والمولى يقوّمه والعبد يجهل والمولى يعلّمه
إنّي ندمت على ما كان من ذلل وزلّة المرء يمحوها تندّمه