ودع رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب في مسيره إلى العمرة، فقال: " يا أخي لا تنسنا من دعائك ".
وقال رسول الله ﷺ: " إذا خرج أحدكم إلى سفر فليودع إخوانه، فإن الله جاعل له في دعائهم بركة ".
وكان عبد الله بن عمر إذا ودع رجلا يقول: استودع الله دينك، وأمانتك، وخواتم عملك.
قال الشعبي: السُّنة إذا قدم رجل من سفر، أن يأتيه إخوانه فيسلّموا عليه، إذا خرج إلى سفر أن يأتيهم فيودعهم ويغتنم دعائهم.
ودع شعبة بن الحجّاج رجلا خارجًا إلى الحج فقال له:أما إنَّك إن لم تعدَّ الحلم ذلًا، ولا السّفه شرفًا، سلم حجُّك.
ودع عبد الله بن المبارك رجلا، فقال:
ونحن ننادي أنّ فرقة بيننا فراق حياةٍ لا فراق ممات
[ ٥٠ ]
وقال إبراهيم الموصلي:
تقضَّت لباناتٌ وجدّ رحيل ويشف من أهل الصَّفاء غليل
ومدَّت أكفٌ للوداع تصافحت وكادت عيونٌ للفراق تسيل
ولا بد للإلفين من ذمِّ لوعةٍ إذا ماالخليل بان عنه خليل
فكم من دمٍ قد طلّ يوم تحمَّلت أوانس لا يودى لهنّ قتيل
غداة جعلت الصَّبر شيئًا نسيته وأعولت لو أجدى عليك عويل
وقال محمد بن مقسم، أنشده له ابنه أبو الحسن أحمد بن مقسم:
فراق الأحبَّة داءٌ دخيلٌ ويوم الرَّحيل لنفسٍ رحيل
سمعت ببينك فاعتادني غليلٌ ببقلبي وحزنٌ طويل
أهذا ولم يك يوم الفراق فإن كان لا كان زاد الغليل
وأيقنت أنِّي به تالفٌ ما قد وصفت عليه دليل
حياة الخليل حضور الخليل ويفنى إذا غاب عنه الخليل
وقال آخر:
بكت عيني غداة البين حزنًا والأخرى بالبكا بخلت علينا
فجازيت التي جادت بدمع بأن أقررتها بالوصل عينا
وجازيت التي جادت بدمعٍ بأن غمّضتها يوم التقينا
وقال الزبير بن بكار: شيعني إسحاق بن إبراهيم وقال:
فراقك مثل فراق الحياة وفقدك مثل افتقاد الدّيم
عليك السَّلام فكم من وفاءٍ أفارق منك وكم من كرم
وقال آخر:
ودّع أحبابه فما وقفوا ولا على ذي صبابةٍ عطفوا
كم كبدٍ قطعوا بينهم وكم دموعٍ عليهم تلف
كأنَّهم لم يجاوروك ولم تعرفهم والوصال مؤتلف
وقال آخر:
لم أنس يوم الرَّحيل موقفها وطرفها في دموعها غرق
وقولها والرِّكاب واقفةٌ تركتني هكذا وتنطلق
وقال آخر:؟
ليس شيءٌ من الفراق وإن كا ن أخو الوجد والهًا كلفا
أحرق من وقفة المشيِّع للقل ب يريد الرُّجوع منصرفا
وقال آخر:
أقول له حين ودَّعته وكلٌّ بعشرته مبلس
لئن رجعت عنك أجسامنا لقد سافرت معك الأنفس
وقال آخر:
من يكن يكره الفراق فإنِّي أشتهيه لموضع التَّسليم
إنَّ فيه اعتناقةً لوداعٍ وانتظار اعتناقةٍ لقدوم
وقال آخر:
صاح الغراب بوشك البين فارتحلوا وقرَّبوا العيس قبل الصُّبح واحتملوا
وغادروا القلب ما تهدا لواعجه كأنَّه بضرام النَّار مشتعل
وفي الجوانح نار الحبِّ تقذفها أيدي النّوى بزناد الشَّوق إذ رحلوا
لمَّا أناخوا قبيل الصّبح عيرهم ورحَّلوها وسارت بالدُّمى الإبل
وقلَّبت من خلال السُّجف ناظرها ترنو إليًّ ودمع العين منهمل
وودّعت ببنان عقده عنمٌ ناديت: لا حملت رجلاك يا جمل
ويحيى من البين ماذا حلَّ بي وبهم من نازل البين حلَّ البين وارتحلوا
يا راحل العيس عرِّج كي نودِّعهم يا راحل العيس في ترحالك الأجل
إنِّي على العهد لم أنقض مودّتهم يا ليت شعري لطول البين ما فعلوا
أنشدني أبو القاسم خلف بن قاسم ﵀، قال أنشدني أبو بكر بن محمد ابن عبد الله بن الصَّيدلاني، قال: أنشدني أبو الحسن علي بن سليمان بن الفضل الأخفش:
سقيًا ورعيًا وإيمانًا ومغفرةً للباكيات علينا حين نرتحل
يبكي علينا ولا نبكي على أحدٍ أنحن أغلظ أكبادًا أم الإبل
وقال آخر:
أحجَّاج بيت الله في أيِّ هودجٍ وفي أيِّ خدرٍ من خدوركم قلبي
أأبقى نحيل الجسم في أرض غربةٍ وحاديكم يحدو بقلبي مع الرَّكب
وقال عمر بن أبي ربيعة:
هاج القريض الذِّكر لمَّا غدوا فانشمروا
على بغالٍ شحَّجٍ قد ضمَّهنَّ السَّفر
[ ٥١ ]
فيهنَّ هندٌ ليتني ما عمِّرت أعمَّر
حتَّى إذا ما جاءها حتفٌ أتاني القدر
وقال آخر:
أيا عجبًا ممَّن يودِّع إلفه يمدَّ يدًا نحو الفراق فيسرع
هممت بتوديع الحبيب فلم أطق فودَّعته بالقلب والعين تدمع
وينظر إليه في قول الآخر:
ودَّعها طرفي فقالت له بالدَّمع أستودعك الله
وقال حبيب
مااليوم أوَّل توديعي ولا الثَّاني البين أكثر من شوقي وأحزاني
حسب الفراق بأنَّ الدَّهر ساعده فصار أملك من روحي بجثماني
وماأظنُّ النَّوى يرضى بما صنعت حتَّى تشافه بي أقصى خرسان
وقال آخر:
أهدى إليه سفرجلًا فتطيَّرا منه وظلّ مفكِّرًا مستعبرًا
خوف الفراق لأنَّ شطر هجائه سفرٌ وحقَّ له بأن يتطيَّرا
وقال آخر:
أقيم وتظعنين وأنت روحي وهل جسدٌ يعيش بغير روح
لئن كان الفراق غدًا فإنِّي سأحمل لا أشكُّ إلى ضريحي
تعالي بعد فرقتنا لنبكي فإنِّي نائحٌ أبدًا فنوحي
وقال أبو الشيص، وهو محمد بن عبد الله بن رزين:
مافرَّق الأحباب بع د الله إلاَّ الإبل
والنَّاس يلحون غرا ب البين لمَّا جهلوا
وماعلى ظهر غرا ب البين تطوى الرِّحل
ولا إذا صاح غرا بٌ في الدِّيار ارتحلوا
وماغراب البين إلاَّ ناقةٌ أو جمل
أنشدنيها عبد الوارث عن قاسم عن أبي خيثمة لأبي الشِّيص.
وقال العلوي علي بن محمد:
ولقد نظرت إلى الفراق فلم أجد للموت لو فقد الفراق سبيلا
ياساعة البين الطَّويل كأنَّما واصلت ساعات القيامة طولا
وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة الفقيه:
لعمري لئن شطَّت بعثمة دارها لقد كدت من قبل الفراق أليح
أروح بهمٍّ ثم أغدو بمثله ويحسب أنِّي في الثِّياب صحيح
وقال حبيب:
يوم الفراق لقد خلقت طويلا لم تبق لي جلدًا ولا معقولا
لو جاء مرتاد المنيَّة لم تجد إلاَّ الفراق على النُّفوس دليلا
قالوا الرَّحيل فما شككت بأنَّها نفسي عن الدُّنيا تريد رحيلا
وهذا باب أكثر فيه أهل الظرف، فرأيت اختصاره، قال الحارث بن وعلة، وتنسب إلى العتّابي كلثوم بن عمرو، وهي أبيات كثيرة أولها:
ماغناء الحذار والإشفاق وشآبيب دمعك المهراق
غرَّ من ظنَّ أن يفوت المنايا وعراها قلائد الأعناق
ويد الحادثات رهنٌ بمرَّا تٍ من العيش مصرَّات المذاق
كم صفيَّين متّعا باتفاقٍ ثمَّ صارا من بعده لافتراق
قلت للفرقدين والَّليل ملقٍ سود أكنافه على الآفاق
ابقيا ما بقيتما سوف يرمي بين شخصيكما بسهم الفراق
هوِّني ذا عليك واقني حياءً لست تبقين لي ولست بباق
أيُّنا قدَّمت حمام المنايا فالَّذي أخَّرت سريع الَّلحاق
لا يدوم البقاز للخلق ل كنَّ دوام البقاء للخلاَّق
إن قضى الله أن يكون تلاقٍ بعد ما قد ترين كان التّلاقي
وقال آخر، وهو نفطويه:
شيئان لو بكت الدِّماء عليهما عيناي حتَّى تؤذنا بذهاب
لم يبلغا المعشار من حقَّيهما فقد الشَّباب وفرقة الأحباب
وقال الغزال:
وإن رجائي في الإياب إليكم وإن أنا أظهرت العزاء قصير
وإن كنت تبغين الوداع فبالغي فدونك أحوالٌ أرى وشهور
وقال آخر:
ليس الفراق وإن جزعت بضائرٍ ما لم تفرِّق بيننا الأخلاق
إن لم يحل حدث المنيَّة بيننا فسنلتقي وسيحفظ الميثاق
[ ٥٢ ]
والدَّهر يجمع بين كلِّ مفارقٍ ولكلِّ ملتقيين منه فراق
وقال محمد بن عبد الله بن طاهر بن الحسين:
مدَّت إلى البين أطرافًا مخضَّبةً لمَّا تولَّت وذاقت حرقة البين
وودَّعتني وما همَّت ولا نطقت وإنَّما ودّعت وحيًا بعينين
بلى لقد أومأت نحوي بإصعبها إيماءةً ختلت عنها الرَّقيبين
وقال آخر:
أتذكر إذا تودِّعنا سليمى بعود بشامةٍ سقى البشام
يريد: تشير إلينا بمسواكها مودعة.
وقال أبوعوانة: كنت أجالس أبا العتاهية فأراد الخروج إلى مكة فودعني وقال:
إن نعش نجتمع وإلاَّ فما أشغل من مات عن جميع الأنام
قالت أعرابية لابن لها، وقد ودعته وهو يريد سفرًا: امض مصاحبًا مكلوءًا، لا أشمت الله بك عدوًا، ولا أرى محبيك فيك سوءًا.
ودع أعرابي رجلا، فقال كبت الله لك كل عدوّ إلا نفسك، وجعل خير عملك، ما ولى أجلك. بيت قديم:
وكلُّ مصيبات الزَّمان وجدتها سوى فرقة الأحباب هيِّنة الخطب
قال محمد بن عبد السلام الخشني:
كأن لم يكن بينٌ ولم تك فرقةٌ إذا كان من بعد الفراق تلاق
كأن لم تؤرَّق بالعراقين مقلتي ولم تمر كفُّ الشَّوق ماء مآق
ولم أزر الأعراب في خبت أرضهم بذات اللِّوى من رامةٍ وبراق
ولم أصطبح في البيد من قهوة النَّوى بكأسٍ سقانيها الفراق دهاق
وقال آخر:
خليليّ إلاَّتبكيا لي أستعن خليلًا إذا أفنيت دمعي بكى ليا
كأن لم تكن بينٌ إذا كان بعده تلاق ولكن لا إخال تلاقيا
قالوا: كم بين لوعة الفراق وفرح التلاق.