قال رسول الله ﷺ: " لا مانع لما أعطى الله، ولا معطي لما منع، ولا ينفع ذا الجدِّ منه الجدّ ".
[ ٣٦ ]
قال أكثم بن صيفي: جدُّك لا كدُّك.
قال أشجع السُّلمي:
سبق القضاء بكلِّ ما هو كائنٌ فليجهد المتقلِّب المحتال
قالوا: أسعد الناس: من كان القضاء له مساعدًا، وكان لذلك أهلا، وأشقى الناس: من كان مشغولًا بلا دين ولا دنيا، ولم يثق بأحد لسوء ظنه، ولا وثق به أحدٌ لسوء فعله.
قال أبو الأسود الدُّؤلي:
المرء يحمد سعيه من جدِّه حتَّى يزيَّن بالَّذي لم يعمل
وترى الشَّقيَّ إذا تكامل حدُّه يرمي ويقذف بالَّذي لم يفعل
أنشد ابن الأعرابي:
الجدُّ أنهض بالفتى من عقله فانهض بجدٍّ في الحوادث أو ذر
فلقد يجد المرء وهو مقصرٌ ويجدُّ ثم يحدُّ غير مقصِّر
وقال يزيد بن محمَّد المهلَّبيّ:
وإذ جددت فكلّ شيءٍ نافعٌ وإذا حددت فكلُّ شيءٍ ضائر
وإذا أتاك مهلَّبيٌ في الوغى والسَّيف في يده فنعم النَّاصر
قال أبو يعقوب الخزيمي، وإسمه إسحاق بن حسَّان:
لا تنظرنّ إلى عقلٍ ولا أدب إن الجدود قرينات الحماقات
وقال خراش بن زهير:
وكانت قريشٌ يفلق الصَّخر جدُّها إذا أوهن النَّاس الجدود العواثر
وقال الحارث بن حلِّزة:
عش بخيرٍ لا يضر ك النَّوك ما لاقيت جدَّا
والنَّوك خيرٌ في ظلا ل الرّزق ممَّن عاش كدَّا
وقال آخر:
فعش في ظلّ أنوك حالفته مقاديرٌ يساعدها الصَّواب
ذهاب المال في حمدٍ وأجرٍ ذهابٌ لا يقال له ذهاب
قيل لزياد: ما الحظّ؟ قال: من طال عمره، ورأى في عدوه ما يسره فهو ذو حظ.
وكان يقال لا حظّ إلا ما أشخص عنك ما تكره، وجلب إليك ما تحب.
قال محمد بن أبي حازم الباهلي:
لا تعجبنّ لأحمقٍ نال الغنى من غير كدِّه
ولعاقلٍ ما يستقلّ فكُّلهم يسعى بجدِّه
وقال امرؤ القيس:
وقاهم جدَّهم ببني أبيهم وبالأشقين ما كان العقاب
وقال عبد العزيز بن زرارة الكلابيّ:
وما لبّ الَّلبيب بغير حظٍّ بأغنى في المعيشة من فتيل
رأيت الحظّ يستر عيب قومٍ وهيهات الحظوظ من العقول
ولحسان أو لابنه عبد الرحمن:
وإنَّ امرءًا يمسي ويصبح سالمًا من النَّاس إلاَّ ما جنى لسعيد
وقال أعرابيّ:
وإنّ الَّذي ينجو من النَّار بعدما تزوَّد من أعمالها لسعيد
ولبعض أهل عصرنا:
أرى همم المرء ما لم يكن يساعده السَّعد همًَّا عليه
وقد يعجز المرء ذو الإحتيال إذا الله لم يقض رزقًا إليه
وقال صالح بن عبد القدوس:
وليس رزق الفتى من حسن حيلته لكن جدودٌ بأرزاقٍ وأقسام
كالصَّيد يحرمه الرَّامي المجيد وقد يرمي فيرزقه من ليس بالرَّامي
ولرجل من بني قريع أو للمعلوط، وقيل: إنها لحاتم الطائي:
متى مايرالنَّاس الغنيَّ وجاره فقيرٌ يقولوا عاجزٌ وبليد
وليس الغنى والفقر من حيلة الفتى ولكن أحاظٍ قسِّمت وجدود
وكائن رأينا من غنىٍّ مذمَّمٍ وصعلوك قومٍ باد وهو حميد
ومعطى ثراء المال من غير قوَّةٍ ومحروم جمع المال وهو جليد
ٍوقال حبيب الطائي:
أبا جعفر ٍإنّ الجهالة أمُّها ولودٌ وأمّ العلم جذَّاء حائل
وله أيضًا:
فإنِّي ما حورفت في طلب الغنى ولكنَّكم حورفتم في المكارم
احتاج أبو الأسود الدؤلي إلى جار له يستقرض منه، وكان حسن الظَّنِّ به، فاعتلَّ عليه ودفعه، فقال أبو الأسود:
فلا تطمعن في مال جارٍ لقربه فكلّ قريبٍ لا ينال بعيد
وفوِّض إلى الله الأمور فإنَّما تروح بأرزاقٍ عليك جدود
ولا تشعرنَّ النَّفس يأسًا فإنَّما يعيش بجدٍّ عاجزٌ وبليد
وفي نحو هذا لبعض أهل عصرنا:
[ ٣٧ ]
تجشَّم جسيم الهول في طلب المجد فنيل الغنى بين التَّجشُّم والكدِّ
ودع قول ذي جهلٍ يرى العجز راحةً ذر الكدّ فيما رمته المنع بالجدِّ
وقال آخر:
تطلَّبت حتَّى لم أجد متطلَّبًا وبالجدِّ يسعى المرء لا بالتَّطلُّب
كتب كسرى إلى بزرجمهر وهو في الحبس: جنت لك ثمرة العلم أن صرت به أهلا للقتل. فكتب إليه بزرجمهر: أما ما كان معي الجد فقد كنت أنتفع بثمرة العلم، والآن إذ ولّى عني الجدّ، فقد أنتفع بثمرة الصبر.
قال سابق البربري:
والنَّاس في طلب المعاش وإنَّما بالجدِّ يرزق منهم من يرزق
ولو أنَّهم رزقوا على أقدارهم ألفيت أكثر ما ترى يتصدَّق
ما النَّاس إلاَّ عاملان فعاملٌ قد مات من عطشٍ وآخر يغرق
وقال البحتري:
ألا ليت المقادر لم تقدَّر ولم تكن الأحاظي والجدود
فتعلم أيُّنا يغدو ويمسي له هذي المواكب والعبيد
وقال حبيب الطائي:
ينال الفتى من عيشه وهو جاهل ويكدى الفتى في دهره وهو عالم
وقال ابن دريد:
لا ينفع العلم بلا جدٍّ ولا يحبطك الجهل إذا الجدُّ علا
وقال الحسين بن أحمد:
بالجدِّ أجدى على امرئٍ طلبه ومن يطل حرصه يطل تعبه
وقال آخر:
عش بجدٍّ وكن هبنَّقة القي ي نوكًا أو شيبة بن الوليد
عش بجدٍّ ولا يضرك نوكٌ إنما عيش من ترى بالجدود
هبنقة القيسي اسمه يزيد بن ثروان، وكنيته أبو نافع، أحد بني قيس بن ثعلبة، وهو الذي شرد له بعير فجعل لمن جاء به بعيرين، فقيل له: لم هذا؟ قال: فأين فرحة الوجدان؟ وأنشدني محمد بن نصر الكاتب ﵀ لنفسه:
لا تشرهنّ إلى دنيا تملكها قومٌ كثيرٌ بلا عقلٍ ولا أدب
ولا تقل إنَّني أبصرت ما جهلوا من الإرادة في مرٍّ ومنقلب
فبالجدود هم نالوا الَّذي ملكوا لا بالعقول ولا بالعلم والحسب
وأيسر الجدُّ نحوي كلَّ ممتنعٍ على التَّمكُّن عند البغي والطَّلب
وإن تأمَّلت أحوال الَّذين مضوا رأيت من ذا وهذا أعجب العجب
وقال إبراهيم بن المهدي:
قد يرزق المرء لم تتعب رواحله ويحرم الرِّزق من لم يؤت من تعب
مع أنَّني واجدٌ في النَّاس واحدةً الرِّزق أروغ شيءٍ عن ذوي الأدب
وخلَّةٍ قلّ فيها من يخالفني الرِّزق والنَّوك مقرونان في سبب
يا ثابت العقل كم عانيت ذا حمقٍ الرِّزق أولى به من لازم الجرب
وقال آخر:
ما ازددت في أدبي حرفًا أسر به إلا تزيدت حرفًا فيه لي شوم
إن المقدم في حذف بصنعته أنى توجه فيها فهو محروم
وقال آخر:
كفى حزنًا أنَّ الغنى متعذِّرٌ عليَّ وأنِّي بالمكارم مغرم
فوالله ما قصَّرت في نيل غايةٍ ولكنَّني أسعى إليها فأحرم
وقال آخر:
ليس عن حيلة الرِّجال أصابوا ال مال بل قسمةٌ لهم وجدود
منهم العاجز المرجَّى له الرِّ زق ومنهم محارفٌ مجدود
قال بشار بن برد:
ما ضر أهل النَّوك ضعف الكدِّ صادف حظًا من سعي بجدِّ
وقال البحتري:
وآيسني علمي بألاَّ تقدُّمي مفيدي ولا مزرٍ على تأخُّري
ولو فاتني المقدور ممَّا أرومه بسعيٍ لأدركت الَّذي لم يقدَّر
وقال الصابي:
إذا جمعت بين امرأين صناعةٌ وأحببت أن تدري الَّذي هو أحذق
فلا تتأمَّل منهما غير ما به جرت لهما الأرزاق حين تفرَّق
فحيث يكون النَّوك فالرِّزق واسعٌ وحيث يكون الحذق فالرِّزق ضيِّق