قال رسول الله ﷺ: " لا تمنَّوا لقاء العدوّ، وإذا لقيتموهم فاثبتوا " قال أبو بكر الصّدّيق ﵁ في كتابه إلى خالد بن الوليد: احرص على الموت توهب لك الحياة: أخذه الشاعر فقال:
تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد لنفسي حياةً مثل أن أتقدَّما
ومن هذا قول الخنساء:
نهبن النفوس وهون النُّفو س عند الكريهة أوقى لها
قال عمر بن الخطاب ﵁ لبعض بني عبسٍ: كم كنتم في يوم كذا؟ قال: كنا مائه، لم نكثر فنتوا كل ونفشل، ولم نقلَّ فنذلَّ. قال: فيم كنتم تظهرونّ على أعدائكم، ولستم بأكثر منهم؟ قال: كنا نصبر بعض الناس هنيهة.
قال علي بن أبي طالب ﵁، لابنه الحسن، وقد قيل لابنه محمد: يا بني! لاتدعون أحدًا إلى البراز، فإنه بغي، ولا يدعونَّك أحد إله إلا أجبته.
وقد وفد على عمر بن الخطاب بفتح، فقال: متى لقيتم عدوكم؟ قالوا: أول النهار. قال: فمتى انهزموا؟ قالوا: آخر النهار، فقال: إناّ لله! وأقام الشرك للإيمان من أول النهار إلى آخره!! والله إن كان هذا إلاّ عن ذنب بعدى، أو أحدثته بعدكم، ولقد استعملت يعلى بن أميّة على اليمن استنصر لكم بصلاحه.
[ ١٠١ ]
قيل لعنترة: كم كنتم يوم الفروق؟ قال: كنا ألفًا مثل الذهب الخالص، ليس فينا غيرنا، لم نكثر فنفشل، ولم نقل فنذل. لم يكن قبيل في العرب ألف فارس إلا ثلاث قبائل: مرّة وعبس وبنو الحارث بن كعب.
قال عمر بن الخطاب ﵁، لعمرو بن معدى كرب: أخبرنى عن السّلاح. قال: سل عما شئت. قال: الرّمح، قال: أخوك وربما خانك. قال النّبل؟ قال: منايا تخطئ وتصيب. قال: التّرس، قال: ذلك المجنّ وعليه تدور الدوائر. قال: الدّرع، قال: مشغلة للرّاجل متعبةٌ للفارس، وإنها لحصنٌ حصين. قال: السيف؟ قال: قارعتك أمّك على الثّكل. قال عمر: بل أمّك. قال: أخبرني عن الحرب، قال: مرّة المذاق، إذا قلصت عن ساق، من صبر لها عرف، ومن ضعف عنها تلف، وهى كما قال الشاعر:
الحرب أولّ ما تكون فتية تسعى بزينتها لكلّ جهول
حتّى إذا اشتعلت وشبّ ضرامها عادت عجوزًا غير ذات خليل
شمطاء جزّت رأسها وتنكرت مكروهةً للشّمّ والتقبيل
قال حذيفة بن اليمان: الفتنة تلقح بالنجوى، وتنتج بالشكوى. أخذ نصر بن سيار قول حذيفة هذا، والله أعلم، حين قال: إن الحرب أوّلها الكلام وهى أبيات كتبها إلى مروان بن محمد:
أرى خلل الرّماد وميض نار ويوشك أن يكون لها ضرام
فإن النّار بالعودين تذكى وإنّ الحرب أوّلها الكلام
فقلت من التّعجب ليت شعري أأيقاظٌ أميّة أم نيام
بلغ أبا الأغر أن أصحابه، وقع بينهم شر، فوجه ابنه الأغر، وقال له: يا بنى كن يدًا لأصحابك على من قاتلهم، وإياك والسيف، فإنه ظل الموت، واتق الرمح، فإنه رسالة المنية، ولا تقرب السهام، فإنها رسل لا تؤامر من يرسلها، قال: فبم أقاتل؟ قال: بما قال الشاعر:
جلاميد أملاء الأكفّ كأنّها رءوس رجالٍ حلّقت بالمواسم
وهذا الشعر هو:
تغطّى نميرٌ بالعمائم لؤمها وكيف يغطّ اللؤم طىّ العمائم
فإن تضربونا بالسّياط فإنّنا ضربناكم بالمرهفات الصّوارم
وإن تحلقوا منّا الرّءوس فإننا حلقنا رءوسًا باللّحى والغلاصم
وإن تمنوا منّا السّلاح فعندنا سلاحٌ لنا لا يشترى بالدّراهم
جلاميد أملاء الأكفّ كأنّها رءوس رجالٍ حلقت بالمواسم
ومن أحسن ما قيل في الصبر على الحرب قول نهشل بن حرّى بن ضمرة:
ويومٍ كأنّ المصطلين بحرّه وإن لم يكن نارٌ قيامٌ على الجمر
صبرنا له حتّى تقضّى وإنّما تفرّج أيام الكريهة بالصّبر
ومثله قول الآخر:
بكى صاحبي لما رأى الموت موقنًا مطّلًا كإطلال السّحاب إذا اكفهرّ
فقلت له: لاتبك عينك إنّما يكون غدًا حسن الثناء لمن صبر
فما أخّر الإحجام يومًا مقدّمًا ولا عجّل الإقدام ما أخّر القدر
ومن أحسن ما قيل في النظم في الصبر على الحرب، قول قطرى بن الفجاءة التميمى الخارجي:
أقول لها وقد طارت شعاعًا من الأبطال ويحك لن تراعى
فإنك لو سألت بقاء يوم على الأجل الذي لك لم تطاعي
فصبرًا في مجال الموت صبرًا فما نيل الخلود بمستطاع
ولا ثوب البقاء بثوب عزّ فيطوي عن أخي الخنع اليراع
سبيل الموت غاية كلّ حيّ وداعيه لأهل الأرض داعي
ومن لم يعتبط يهرم ويسقم وتسلمه المنون إلى انقطاع
وقال أصرم بن حميد:
حرامٌ على أرماحنا طعن مدبرٍ ويندقّ قدمًا في الصّدور صدورها
مسلّمةٌ أعجاز خيلي في الوغى وداميةٌ لبّاتها ونحورها
وقول الآخر:
وقد يلتقى الجمعان والموت فيهما فيقتل من ولى ويسلم من ثبت
وقد ذكرت في " باب الاعتذار " احسن ما قيل في النظم،في الاعتذار
ومن أحسن ما قيل في الإنصاف في صفة الحرب،واللقّاء والصّدق في ذلك،قول عبد الشّارق
[ ١٠٢ ]
بن عبد العزّى الجهنى:
تنادوا يال بهثة يوم صبر فقلنا: أحسني ضربًا جهينا
سمعنا دعوةً عن ظهر غيبٍ فجلنا جولةً ثم ارعوينا
فلما أن تواقفنا قليلًا أنخنا للكلاكل فارتمينا
ولما لم ندع قوسًا وسهمًا مشينا نحوهم ومشوا إلينا
تلألؤ مزنةٍ برقت لأخرى إذا جاءوا بأسيافٍ ردينا
شددنا شدّةً فقتلت منهم ثلاثة فتيةٍ وقتلت قينا
وشدّوا شدّةً أخرى فجروّا بأرجل مثلهم ورموا جوينا
وكان أخي جوينٌ ذا حفاظٍ وكان القتل للفتيان زينا
فآبوا بالرّماح مسكّراتٍ وأبنا بالسّيوف قد انحنينا
فباتوا بالصّعيد لهم أحاحٌ ولو خفّت لنا الكلمى سرينا
وقال العديل العجلى:
إذا ما حملنا حملةً ثبتوا لنا بمرهفةٍ تفرى السّواعد من بعد
وإن نحن نازلناهم بصوارم ردوا في سرابيل الحديد كما نردى
وقال آخر:
نصل السّيوف إذا قصرن بخطونا قدمًا ونلحقها إذا لم تلحق
وقال آخر:
إنّ الرّماح نصيرة بالجاسر
وقال آخر:
وقلت لنفسي إنّما هو عامرٌ فلا ترهبيه وانظري أين يركب
قال قطرىّ بن الفجاءة:
لا يركنن أحدٌ إلى الإحجام يوم الوغى متخوّفًا لحمام
فلقد أراني للّرماح دريئةً من عن يميني مرّة وأمامي
حتى خضبت بما تحدّر من دمى أحناء سرجي بل عنان لجامي
ثم انصرفت وقد أصبت ولم أصب جذع البصيرة قارح الإقدام
قال عمر بن الخطاب:الجرأة والجبن غرائز يضعها الله حيث يشاء،فالجبان يفر عن أهله وولده،والجرئ يقاتل عمن لا يؤؤب به إلى رحله: ومن شعر لأبى يعقوب الخريمى:
يفرّ جبان القوم عن عرس نفسه ويحمى شجاع القوم من لا يناسبه
ويرزق معروف الجواد عدوّه ويحرم معروف البخيل أقاربه
وقال قطرىّ بن الفجاءة:
يا ربّ ظلّ عقاب قد وقيت بها مهري من الشمس والأبطال تجتلد
وربّ بوم حمى أرعيت عقوته خيلى امتسارًا وأطراف القنا قصد
ويوم لهو لأهل الخفض ظلّ به لهوى اصطلاء الوغى أو ناره تقد
مشهرًّا موقفي والحرب كاشفةٌ عنها القناع وبحر الموت مطرّد
وربّ هاجرةٍ تغلى مراجلها مخرتها بمطايا غارةٍ تخد
تجتاب أودية الأفزاع آمنةً كأنّها أسدٌ يقتادها أسد
فإن أمت حتف أنفي لا أمت كمدًا على الطّعان وقصر العاجز الكمد
قالت الخنساء:
ومن ظنّ مّمن يلاقى الحروب بألا ّيصاب فقد ظنّ عجزا
وقال حبيب الطائى:
ودنونا ودنوا حتّى إذا أمكن الضّرب فمن شاء ضرب
تركوا القاع لنا إذ كرهوا غمرات الموت واختاروا الهرب
وقال دريد بن الصّمة، ويقال: إنها لعمرو بن معدى كرب:
أعاذل إنَّما أفنى شبابي ركوبي في الصّريخ إلى المنادى
مع الفتيان حتّى سلّ جسمي وأقرح عاتقي حبل النّجاد
وقال آخر:
قوم إذا اشتجر القنا جعلوا القلوب لها مسالك
الّلابسين قلوبهم فوق الدّروع لدفع ذلك
ومن أحسن ما قيل في صفة الطعن،قول الحارث بن حلّزة:
فرددناهم بضربٍ كما يخ رج من جرية المزاد الماء
وفعلنا بهم كما علم الل هـ وما إن للخائنين ذماء
وقال الفند الزّمّاني:
وطعن كفم الزّقّ إذا والزّق ملآنّ
وقال آخر:
ومثلك قد كسرت الرّمح فيه فآب بدائه وشفيت دائى
وقالت بنت المنذر بن ماء السماء:
وقالوا: فارس الهيجاء،قلنا: كذاك الرّمح يكلف بالكريم
وقال آخر:
[ ١٠٣ ]
ضممت إليه بالقناة قميصه فخرّ صريعًا لليدين وللفم
وقال عنترة:
فشككت بالرّمح الطويل ثيابه ليس الكريم على القنا بمحرمّ
وقال آخر:
صراعنا طريفًا بأرماحنا ولا تأكل الحرب إلاّ السّمينا
وقال عليّ بن محمد العلوى، المعروف بالمبرقع، صاحب الزّنج:
ينثني الصّارم المهنّد والرّم ح الرّد ينيّ والشجاع الجرىّ
حيث لا أنثني ولا يتثنّى بيدى صارمٌ ولا سمهرىّ
من رآني فقد رأى مشرفيًّا ماضيًا في يمينه مشرفيّ
شأني الفارس المدجّج في النّق ع إذا نازل الكمىّ الكمىّ
ورأيت الفضاء أضيق ما يس ى به حتى كأنّه مطوىّ
ياابنة العمّ أوقدي النّار في الليّ ل فإنّي لكل آتٍ أتىّ
أكرم الضيف ما أستطعت لآنّ مطعمي حاضرٌ وكأسي روئ
كيف لا تزهق النفوس لشخصي حين أغشى الوغى وجدّي على
ذو التقى والنبل وذو العلم والحل م ومن خير طينة والوصي
والّذي قال إنّه البوم منى مثل هارون منه أخيه النبيّ
وقال عبيدة بن هلال:
يهوى وترفعه الرماح كأنه شلوٌ تنشّب في مخالب ضار
فيرى صريعًا والرّماح وتنوشه إن السّراة قصيرة الأعمار
وقال مهلهل:
لم يطيقوا أن ينزلوا ونزلنا وأخو الحرب من أطاق النزول
وقال ابن مقوم الضبى:
ودعوا نزال فكنت أول نازل وعلام أركبه إذا لم أنزل
وقال أعشى همدان:
أبلغ يزيد بنى شيبان مالكه أنّ الكتائب لا يهزمن بالكتب
إنّ الوعيد بظهر الغيب معجزةٌ فإن أردت قتال القوم فاقترب
من ها هنا والله أعلم أخذ حبيب:
السيف أصدق أنباء من الكتب في حدّه الحدّ بين الجدّ واللّعب
وقال آخر:
وخارج أخرجه حبّ الطّمع فرّ من الموت وفي الموت وقع
من كان يهوى أهله فلا رجع قال السموءل بن مادياء اليهودى:
يقرّب حبّ الموت آجالنا لنا وتكرهه آجالهم فتطول
كان معاوية ﵁ يتمثل بهذين البيتين:
كأنّ الجبان يى أنه سيقتل قبل انقضاء الأجل
وقد تدرك الحادثات الجبان ويسلم منها الشّجاع البطل