الحرص على أكل الشجرة أخرج آدم من الجنة.
كان يقال: شدة الحرص من سبل المتالف.
وقال الأحنف: آفة الحرص الحرمان، ولا ينال الحريص إلاّحظّه.
كان الحسن البصريّ يقول: ما بعد أملٌ إلاّ ملَّ عمل.
كان يقال: من أطال الأمل أمات العمل.
قال بعض الحكماء: الإنسان لا ينفكُّ من الأمل، فإن فاته الأمل قوي على المنى.
قال: والأمل يقع بسبب، وباب المنى مفتوح لمن أراد الدخول فيه.
من كلام الحكماء: الرزق مقسوم، والحريص محرومٌ، والحسود مغمومٌ، والبخيل مذموم.
قال الخليل بن أحمد:؟ الحرص من شرّ أذاة الفتى لا خير في الحرص على حال
من بات محتاجًا إلى أهله هان على ابن العمِّ والخال
وقال غيره: الحرص مفسدة، والبخل مبغضة، والعجلة خطأ، والرفق يمن، والبذاء شؤم.
وقال آخر:
أيُّها الدَّائب الحريص المعنَّى لك رزقٌ وسوف تستوفيه
فاسأل الله وحده ودع النّا س وأسخطهم بما يرضيه
[ ٢٨ ]
لا ينال الحريص شيئًا فيكفي هـ وإن كان فوق ما يكفيه
وقال محمود الوراق:
غنى النَّفس يغنيها إذا كنت قانعًا وليس بمغنيك الكثير مع الحرص
وإن اعتقاد الهمِّ للخير جامعٌ وقلَّة همِّ المرء تدعو إلى النغص
وقال أيضًا:
لا تحمدنَّ أخا حرصٍ على سعةٍ وانظر إليه بعين الماقت القالي
إنّ الحريص لمشغول بشوقته عن السُّرور بما يحوي من المال
وقال محمود الوراق أيضًا:
علام يشقى الحريص في طلب الرِّز ق بطول الرَّواح والدَّلج
يا قارع الباب ربّ مجتهدٍ قد أدمن القرع ثم لم يلج
وربّ مستولجٍ على مهلٍ لم يشق من قرعه ولم يهج
فاطو على الهمِّ كشح مصطبرٍ فآخر الهمِّ أول الفرج
وقال آخر:
يا أيها النَّاس كان لي أملٌ أعجلني عن بلوغه الأجل
فليتَّق الله ربَّه رجلٌ أمكنه في حياته العمل
كان عمر بن الخطاب ﵁ يتمثل:
وبالغ أمر كان يأمل دونه ومختلجٍ من دون ما كان يأمل
وكان يتمثل أيضا:
لا يغرَّنك عشاءٌ ساكنٌ قد يوافى بالمنيَّات السَّحر
كان المأمون يعجبه قول أبي العتاهية:
تعالى الله يا سلم بن عمرٍو أذلَّ الحرص أعناق الرِّجال
أخذه أبو الفتح الملقب بكشاجم فقال:
بالحرص في الرِّزق يذّل الفتى وفي القنوع الشَّرف الشَّامخ
قال أبو عمر: وشعر أبي العتاهية الذي فيه هذا البيت الذي أعجب المأمون:
نعى نفسي إليّ من الَّليالي تصرُّفهنَّ حالًا بعد حال
فما لي لست مشغولًا بنفسي ومالي لا أخاف الموت مالي
لقد أيقنت أنِّي غير باقٍ ولكنِّي أراني لا أبالي
تعالى الله يا سلم بن عمرٍو أذلّ الحرص أعناق الرِّجال
هب الدُّنيا تساق إليك عفوًا أليس مصير ذاك إلى زوال
فما ترجو بشيءٍ ليس يبقى وشيكًا ما تغيِّره الَّليالي
قال: فلما بلغ سلمًا الخاسر قول أبي العتاهية، قال:
ماأقبح التَّزهيد من واعظٍ يزهِّد النَّاس ولا يزهد
لو كان في تزهيده صادقًا أصحى وأمسى بيته المسجد
إن رفض الدنيا فما باله يكتنز المال ويسترفد
يخاف أن تنفد أرزاقه والرزق عند الله لا تنفد
الرزق مقسومٌ على من ترى يسعى له الأبيض والأسود
ولأبي العتاهية شعر في عروض شعره هذا وقافيته أوله:
أتدري أيّ ذلٍّ في السُّؤال وفي بذل الوجوه إلى الرِّجال
شعر حسن جيد في معناه قد ذكرته في باب القناعة من هذا الكتاب.
قال زياد بن أبي سفيان: اثنان يتعجلان النَّصب ولا يظفران بالبغية: الحريص في حرصه، ومعلِّم البليد ينبو عنه فهمه.
قال داود الطائي: يا ابن آدم ارتحلك الحرص فأنساك أجلك، ونصب لك أملك ورب حريص محروم، وواجد مذموم.
قال مسلم بن قتيبة: في إفراط الحرص مذلّة قبل إدراك الطلبة.
كانوا يقولون: أول دناءة الحرص، تأميل البخل.
قال محمود الوراق:؟ أراك يزيدك الإثراء حرصًا على الدُّنيا كأنَّك لا تموت
فهل لك غايةٌ إن صرت يومًا إليها قلت حسبي قد رضيت
وقال آخر:
الحرص داءٌ قد أضرَّ بمن ترى إلاَّ قليلا
كم من عزيز قد رأي ت الحرص صيَّره ذليلا
فتجنَّب الشَّهوات واح ذر أن تكون لها قتيلا
فلربّ شهوة ساعةٍ قد أورثت حزنًا طويلا
وقال آخر:
كم إلى كم انت للحر ص وللآمال عبد
ليس يجدي الحرص والشُّغ ل إذا لم يك جدُّ
ما لما قد قدّر الَّل هـ من الأمر مردّ
وقال محمود الوراق:
لا ينفع الجدّ والتَّشمير والحذر خطّ الكتاب فلا ورد ولا صدر
[ ٢٩ ]
تستعجل النَّفس آمالًا لتبلغها كأنَّها لا ترى ما يصنع القدر
وقال آخر:؟؟
كلُّنا نأمل مدًا في الأجل والمنايا هنَّ آفات الأمل
وقال آخر:
لقد غرَّت الدُّنيا رجالًا فأصبحوا بمنزلةٍ ما بعدها متحوَّل
فساخط أمرٍ لا يبدَّل غيره وراضٍ بعيشٍ غيره سيبدَّل
وبالغ أمرٍ كان يأمل غيره ومختلجٍ من دون ما كان يأمل
وقال محمود الوراق:
الحرص عونٌ للزّمان على الفتى والصَّبر نعم العون للأزمان
لا تخضعنَّ فإنّ دهرك إن رأى منك الخضوع أمدَّه بهوان
قال رسول الله ﷺ: " احرص على ما ينفعك ولا تعجز، فإن غلبك أمر فقل: قدر الله وما شاء فعل، وإياك واللّو، فإن الَّلوَّ يفتح عمل الشيطان ".
ولأبي عبد الله الصُّوري:
لمَّا رأيت النَّاس قد أصبحوا وهمَّة الإنسان ما يجمع
قنعت بالقوت فنلت المنى والفاضل العاقل من يقنع
ولم أنافس في طلاب الغنى علمًا بأنَّ الحرص لا ينفع
ولبكر بن حمَّاد:
الناس حرصى على الدُّنيا وقد فسدت فصفوها لك ممزوج بتكدير
في أبيات ذكرتها في باب " ذكر الدُّنيا " من هذا الكتاب.