قال رسول الله ﷺ: " ليلة الضّيف حقٌ واجب ".
وقد أوضحنا في كتاب " التمهيد " معنى هذا الحديث وغيره في الضيافة، وذكرنا قول من أوجبها ومن ندب إليها؟ ووجوه أقوالهم واعتلالهم والحمد لله وحده.
قال رسول الله ﷺ: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، جائزته يوم وليلة، والضيافة ثلاثة أيام، وما زاد فهو صدقة، ولا يحل أن يثوي غيره حتى يحرجه ". قيل للأوزاعي: رجل قدِّم إلى ضيفه الكامخ والزيتون، وعنده اللحم والعسل والسمن؟ فقال: هذا لا يؤمن بالله واليوم الآخر.
قال أبو ذؤيب:
لا درَّ درِّى إن أطعمت نازلهم خبز الشَّعير وعندي البرُّ مكنوز
قال نافع: كان ابن عمر إذا نزل على قوم لا يأكل لهم شيئًا فوق ثلاث، ويقول بعد الثلاث: أمسكوا عنا صدقتكم، ويقول لي: أنفق من عندك.
ذكر أبو عبيدة أن معاوية قال يومًا لجلسائه: أي أبيات العرب في الضيافة أحسن؟ فاختلفوا وأكثروا، فقال معاوية: قاتل الله أبا النجم حيث يقول:
لقد علمت عرسي فلانة أنَّنى طويلٌ سنا ناري بعيدٌ خمودها
إذا حلَّ ضيفي با لفلاة ولم أجد سوى منبت الأطناب شبَّ وقودها
وقالوا: أحسن شيء في الضيافة قول مسكين الدارميّ:
طعامي طعام الضَّيف والرَّحل رحله ولم يلهني عنه غزالٌ مقنَّع
أحدِّاثه إنّ الحديث من القرى وتعلم نفسي أنّه سوف يهجع
وقال العلوي صاحب الزنج:
يستأنس الضَّيف في أبياتنا أبدًا فليس يعلم خلقٌ أيُّنا الضَّيف
ولخالد عينين، وإنما قيل له خالد عينين لأنه كان ينزل أرضا بالبحرين: يقال لها عينين:
أيها الموقدان شبَّا سناها إنّ للضَّيف طارفي وتلادي
وقال عوف بن الأحوص.
ومستنبحٌ يغشى الغداة ودونه من الَّليل بابا ظلمةٍ وستورها
رفعت له ناري فلمّا اهتدى لها زجرت كلابي أن يهرَّ عقورها
فلا تسأليني واسألي عن خليقتي إذا ردَّ عافي القدر من يستعيرها
ترى أن قدري لا تزال كأنَّها لدى الغرث المقرور أمٌ يزورها
وقال حسان بن ثابت:
يغشون حتّى ما تهرُّ كلابهم لا يسألون عن السَّواد المقبل
وقال أبو الطحان القيني
[ ٦٢ ]
وقد عرفت كلابهم ثيابي كأنّي منهم ونسيت أهلي
وقال المَّرار الحملي:
ألف النَّاس فما يهجمهم من عسيف يبتغي الخير وحرّ
وقال امرؤ القيس:
أعرف الحقّ ولا أجهله وكلابي أنسٌ غير عقر
ما يرى كلبي إلا آيسًا إن رأي خابط ليلٍ لم يهر
وقال حاتم الطائي:
إذا ما بخيل النّاس هَّرت كلابه وشقّ على الضَّيف الغريب عقورها
فإن كلابي قد أقرَّت وعوِّدت قليلٌ على من يعتريها هريرها
وقال يعقوب الخريمي:
أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله ويخضب عندي والمحلُّ جديب
وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى ولكنَّما وجه الكريم خصيب
وللشماخ في عبد الله بن جعفر بن أبي طالب:
إنك يا ابن جعفر خير الفتى وخيرهم لطارقٍ إذا أتى
وربَّ نضوٍ طرق الحيّ سرىً صادف زادًا وحديثًا ما اشتهى
إنّ الحديث جانبٌ من القرى
وقال سهل الوراق:
وضيفك قابله بِّبرك وليكن له منك أبكار الحديث وعونه
وقال آخر:
سلي الطارق المعترَّ ياأمّ مالكٍ إذا ما أتاني بين ناري ومجزري
أأبسط وجهي؟ إنَّه أوّل القرى وأبذل معروفي له دون منكري
تمثل بهذين البيتين عبد الله بن جعفر بن أبي طالب في جوابه معاوية.
أما قول الشاعر:
بئس عمر الله قومًا طرقوا فقروا أضيافهم لحمًا وحر
فإنه أراد لحمًا دبت عليه الوحرة، وهي دويبَّة كالعظاية خضراء إذااجتمعت تلتصق بالأرض: الجمع: وحر، ومنه قيل وحر الصدر، كما قيل للحقد ضبّ، ذهبوا به إلى لزوقه بالصَّدر التزاق الوحرة بالأرض، يقال: لحم وحر، إذا دبّت عليه الوحرة. ولبن فئر إذا وقعت فيه الفأرة.
وقال رجل من بني فقعس، وهو الحارث بن يزيد، يمتدح نفسه بخدمة الضيف:
لعمر أبيك الخير إني لخادمٌ لضيفي وإني إن ركبت لفارس
وقال المقنّع الكندي:
وإني لعبد الضِّيف مادام نازلًا وما شيمةٌ لي غيرها تشبه العبدا
وما امتدح به ذم بضده، قال الشاعر:
تراهم خشية الأضياف خرسًا يصلُّون الصَّلاة بلا أذان
وقال حمّاد عجرد:
وجدت أبا الصَّلت ذا خبرةٍ بما يصلح المعدة الفاسده
تخوّف تخمة أضيافه فعلّمهم أكلة واحده
وقال عمرو بن الأهتم التَّميمي المنقري من أشرافهم، وكان شاعرًا محسنًا، يقال: كأن شعره حللٌ منشَّرة، وله صحبة:
ذريني فإنَّ الشُّحَّ يا أم مالكٍ لصالح أخلاق الرِّجال سروق
ذريني وحظِّي في هواي فإنَّني على الحسب العالي الرفيع شفيق
ومستنبحٍ بعد الهدوء أجبته وقد حان من ساري الشتاء طروق
فقلت له: أهلًا وسهلًا ومرحبًا فهذا مبيتٌ صالحٌ وصديق
أضفت ولم أفحش عليه، ولم أقل: للأحرمهإنَّ الفناء يضيق
لعمرك ما ضاقت بلادٌ بأهلها ولكن أخلاق الرجال تضيق
وقال آخر:
وطريد ليل ساقه سغبٌ وهنًا إليَّ وقاده برد
أوسعت جهد بشاشةٍ وقرىً وعلى الكيم لضيفه الجهد
ثم اغتدى ورداؤه نعمٌ أسديتها وردائي الحمد
وقال القاسم بن أميَّة بن أبي الصّلت:
قومٌ إذا نزل الغريب بأرضهم ردُّوه ربَّ صواهل وقيان