قال الله ﷿: " وقد خاب من حمل ظلمًا ".
وقال عزوجل: " ومن يظلم منكم نذقه عذابًا كبيرًا ".
وفي صحف إبراهيم ﵇: اتق دعوة المظلوم، فإني لا أردّها، ولو كانت من كافر أقول: وعزتي وجلالي لأنصرنّك ولو بعد حين.
قال رسول الله ﷺ: " ليس منَّا من ظلم مسلمًا أو ضرَّه أو عزَّه أو ناكره ". وروي عنه ﵇ أنه قال: " ما تبالي حسَّنت جورًا أو دخلت فيه، وفتحت عدلا، أو خرجت منه ". وقد روي هذا من كلام علي ﵁ فالله أعلم.
لمرة بن محكان في الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي:
؟؟ أحار تبيَّن في الأمور فإنَّه إذا الأمير عدا في الحكم أو فسدا
فإنَّك محلولٌ عليك وظاعنٌ فمهما تصبه اليوم تدرك به غدا
وقال آخر:
نخاف على حاكمٍ عادلٍ ونرجو، فكيف لمن يظلم
إذا جار حكم امرئٍ ملحدٍ على مسلمٍ هلك المسلم
الظلم في وضع كلام العرب: وضع الشيء في غير موضعه، وأخذ المرء ما ليس له، ومن ذلك قولهم: من أشبه أباه فما ظلم، أي ما وضع الشبه في غير موضعه.
فكل مسيءٍ ظالم، تقول العرب للمسيء المفرط في الإساءة: هذا أظلم من حية، وأظلم من ذئب، قال عمرو بن بحر: لأن الحية لا تتخذ لنفسها بيتًا، وهي تقصد كل بيت يصلح لها من بيوت الخشاش والهوامِّ فيهرب أهله عنه ويخلّونه لها خوفا منها.
قال مضرّس بن لقيط الفقعسي:
إذا قلت الداء بيني وبينهم أتى حاطبٌ منهم لآخر يقبس
لعمرك لو أنّي أخاصم حيّةً إلى فقعسٍ ما أنصفتني فقعس
فما لكم إليَّ كأنَّكم ذئاب الغضا والذئب بالَّليل أطلس
ويقولون أيضًا: هو أظلم من ذئب، وأظلم من ورل، كما يقولون: أظلم من حية، وذلك أن الورل يقوى على الحيات كلها، ويأكلها أكلا ذريعًا، وكل شدة يلقاها ذو جحر من الحية تلقى مثل ذلك من الورل، والورل ألطف بدنًا من الضب، ولكنه أشد من الضب وأجود سلاحًا، وله شحمة والأعراب يستطيبون لحم ذنبه، والورل دابة خفيفة الرأس والحركات ذاهبًا وجائيًا، ويمينًا وشمالًا، وليس شيء بعد العظاء شيء أكثر تلفتًا منه، وبراشن الورل أقوى من براشن الضب، حكى ذلك كله عمرو بن بحر.
قال: ومن أمثال العرب: من استرعى الذئب ظلم، وأنشد لبعض بني جعفر ابن كلاب يضرب المثل بجور الحية والذئب:
كأنَّني حين أحبو جعفرًا مدحي أسقيهم طرق ماءٍ غير مشروب
ولو أخاصم أفعى نابها لثقٌ أو الأساود من صمِّ الأهاضيب
لكنتم معها إلبًا وكان لها نابٌ بأسفل ساقٍ أو بعرقوب
ولو أخاصم ذئبًا في أكيلته لجاءني كلُّهم يسعى مع الذيب
قال بعض الحكماء: أعجل الأمور عقوبة وأسرعها لصاحبها: سرعة ظلم من لا ناصر له إلا الله، ومجاورة النعم بالتقصير، واستطالة الغنيّ على الفقير.
روي عن مجاهد أنه قال: المعلم إذا لم يعدل بين الصبيان كتب من الظلمة.
[ ٧٨ ]
إنما شهد رسول الله ﷺ في الجاهلية حرب الفجار، وظهرت العرب على الفرس يوم ذي قار، فسر بذلك رسول الله ﷺ لأنهم كانوا فيها مظلومين.
فأما حرب الفجار فكانت بين بني عامر بن صعصعة وبين قريش، وذلك أن بني عامر بن صعصعة طالبوا أهل الحرم من قريش وكنانة، بجريرة البرَّاض بن قيس في قتله عروة الرجال، وكان البراض خليعًا فاتكًا، فأقامهم إلى حربهم، فألزموهم ذنب غيرهم ظالمين لهم، فلذلك شهدها رسول الله ﷺ، لأنهم دافعوا عن أنفسهم وديارهم وأموالهم، ونصروا بحضور النبي ﷺ، وكذلك نصرت العرب على فارس يوم ذي قار برسول الله ﷺ.
قال أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي: كانت وقعة ذي قار قبل وقعة بدر بأشهر، والنبي ﷺ بالمدينة، فلما بلغه ذلك، قال: " هذا أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم ".
قال هشام: حدثني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس، قال: ذكرت وقعة ذي قار عند النبيّ ﷺ فقال: " ذلك أوّل يومٍ انتصفت فيه العرب من العجم ".
خرج الأضبط بن قريع السعدي من بني سعد، فجاور ناسًا، فلما رأى مذهبهم وظلمهم لم يحمدهم ورجع إلى قومه، وقال: بكل واد بني سعد، فأرسلها مثلا.
وقال الأشعر الرَّقبان الأسدي في قصيدة له:
وأنت مليخٌ كلحم الحوار فلا أنت حلوٌ ولا أنت مرّ
وحسبك في النَّاس أن يعلموا بأنَّك فيهم غنيٌّ مضرّ
ومن أمثالهم: من لم يكن ذئبًا أكلته الذئاب، وكان الشعبي إذا تمثل بذلك يقول ومن ذا الذي يرضى أن تأكله الذئاب.
ولعبيد بن أيوب وكان قد تاب فظلم، فهم بمراجعة الضلال، فقال:
ظلمت الناس فاعترفوا بظلمي فتبت فأزمعوا أن يظلموني
فلست بصابرٍ إلا قليلًا فإن لم يرعووا راجعت ديني
قال زهير:
..ومن لا يظلم النَّاس يظلم
أخذه ابن دريد فقال:
من ظلم النَّاس تحاموا ظلمه وعزَّ عنه جانباه واحتمى
وقال المتنبي:
والظُّلم من شيم النُّفوس فإن تجد ذا عفَّةٍ فلعلَّةٍ لا يظلم
وله أيضًا:؟
ومن عرف الأياَّم معرفتي بها وبالنَّاس روَّى رمحه غير راحم
وهذه الأخلاق أخلاق الفسّاق، ومن لم يتأدب بأدب القرآن، ولا استن بسنن الإسلام في الأخذ بالعفو والصفح والرحمة والرأفة، وأين قول المتنبي من قول محمود الوراق:
إنِّي وهبت لظالمي ظلمي وغفرت ذاك له على علمي
ورأيته أسدى إليَّ يدًا فأبان منه بجهله حلمي
رجعت إساءته عليَّ له حسنًا فعاد مضاعف الجرم
وغدوت ذا أجرٍ ومحمدةٍ وغدا بكسب الذَّمِّ والإثم
فكأنَّما الإحسان كان له وأنا المسيء إليه في الحكم
مازال يظلمني وأرحمه حتَّى بكيت له من الظُّلم
وله أيضًا:
اصبر على الظُّلم ولا تنتصر فالظُّلم مردودٌ على الظَّالم
وكل إلى الله ظلمومًا فما ربِّي عن الظَّالم بالنَّائم
وقال آخر:
نامت جفونك والمظلوم منتبهٌ يدعو عليك وعين الله لم تنم
وقال آخر:
ومامن يدٍ إلاَّ الله فوقها ولا ظالمٌ إلاَّ سيبلى بظالم
وقال آخر:
فإن قلتم إنَّا ظلمنا فلم نكن ظلمنا ولكنَّا أسأنا التَّقاضيا
وقال آخر:
تأنَّ ولا تعجل وكن مترفِّقا؟ ً وكن راحمًا بالنَّاس تبلى براحم
كان يقال: إذا دعتك الضرورة إلى ظلم من هو دونك فاذكر قدرة الله تعالى على عقوبتك، فأنقص الناس عقلا من ظلم من هو دونه.
قال الشاعر:؟ ونستعدي الأمير إذا ظلمنا فمن يعدي إذا ظلم الأمير
إذا كان الأمير عليك خصمًا فلا تكثر فقد غلب الأمير
وقال آخر:
والخصم لا يرتجى النَّجاح له يومًا إذا كان خصمه القاضي
وقال آخر:
من يكن القاضي أباه فليبت في راحةٍ من خصمه لا يلتفت
[ ٧٩ ]
قال كعب لعمر بن الخطاب ﵄: ويل لسلطان الأرض من سلطان السماء، فقال عمر: إلا من حاسب نفسه، قال كعب: والذي نفسي بيده إنها لكذلك إلا من حاسب نفسه ما بينهما حرف. يعني في التوراة.
خرج عمر بن عبد العزيز يومًا، فقال: ما شاء الله! كان الوليد بن عتبة بالشام، والحجاج بالعراق وقرَّة بن شريك بمصر، وعثمان بن حيَّان بالحجاز، ومحمّد بن يوسف باليمن، امتلأت الأرض ظلمًا وجورا.
ولعون بن عبيد الله بن عتبة بن مسعود:؟؟ وأوَّل ما نفارق غير شكٍّ نفارق ما يقول المارقونا
وقالوا: مؤمنٌ دمه حلالٌ وقد حرمت دماء المؤمنينا
وقالوا: مؤمنٌ من أهل جورٍ وليس المؤمنون بجائرينا
وقال أبو العتاهية:
أماوالله إنَّ الظُّلم لؤمٌ وما زال المسيء هو الظَّلوم
إلى دياَّن يوم الدّين نمضي وعند الله تجتمع الخصوم
ستعلم في الحساب إذا التقينا غدًا عند الإله من الملوم
وكتب بها مع يحيى بن خالد بن برمك.
قال الشاعر:
إذا جار الأمير وكاتباه وقاضي الأرض داهن في القضاء
فويلٌ ثمَّ ويلٌ ثمَّ ويلٌ لقاضي الأرض من قاضي السماء