قال رسول الله ﷺ: " الهدية رزقٌ من رزق الله، فمن أهدي إليه شيءٌ فليقبله ولا يردّه، وليكافئ عليه ".
وقال ﷺ: تهادوا فإنّ الهدية تذهب السّخيمة، وتزيل وحر الصدور ولا تحقرن جارة لجارتها، ولو فرسن شاة "، وكان رسول الله ﷺ يقبل الهدية، ويثيب عليها أفضل منها.
وقال رسول الله ﷺ: " لو أهدي إليّ ذراع لقبلت، ولو دعيت لكراع لأجبت ".
قال رجل لأبي ذر: فلان يقرئك السلام. فقال:هدية حسنة، وحمل خفيف.
وقال عليٌّ بن أبي طالب ﵁: نعم الشيء الهدية أمام الحاجة.
[ ٥٨ ]
وقد حدثنا ابن صاعد، قال: حدثنا زياد بن يحيى أبو الخطاب، حدثنا أبو عتّاب الدَّلاَّل، وحدثنا عثمان بن عبد الرحمن، حدثنا الزُّهري، عن عبد الله بن وهب بن زمعه عن أم سلمة، عن النبي ﷺ قال: " الهدية تذهب السّخيمة ". قيل: وماالسَّخيمة؟ قال: " الإحنة تكون في الصُّدور ".
وعن الهيثم بن عديّ، قال: كان يقال: ما ارتضى الغضبان، ولا استعطف السُّلطان، ولا سلبت الشَّحناء، ولا دفعت المغارم ولا توقِّي المحذور، ولا استعمل المهجور بمثل الهدية والبرّ.
قال رسول الله ﷺ: " من أهديت إليه هدية فجلساؤه شركاؤه فيها ".
قال أبو إسحاق الصَّابي:
رويت في السُّنة المشهورة البركه أنّ الهديَّة في الجلاَّس مشتركه
كان يزيد بن قيس الأرحبيّ، واليًا لعلي ﵁، فأهدى إلى الحسن والحسين ﵄ وترك ابن الحنفية، فضرب عليّ ﵀ على جنب ابن الحنفية وقال:
وما شرُّ الثَّلاثة أمَّ عمروٍ بصاحبك الَّذي لم تصبحينا
روي عن النبي ﷺ أنه قال للقرابات: " تزاوروا ولا تجاوروا، وتهادوا فإن الهدّية تثبت المروءة وتستلُّ السّخيمة ".
أصبح عند عليّ بن أبي طالب ﵁ بالكوفة يوم نيروز هدايا كثيرة وتحف، فأنكر ذلك. فقالوا له: إنه يوم نيروز قال: فنيروز لنا إذًا كل يوم.
قال أبو عمر: كان هذا منه ﵁ - إن صحّ - قبل أن يدخل الكوفة، وأن يكون خليفة، لأن المحفوظ عنه من رواية الثقات أنه كان لا يقبل هدية نيروز ولا مهرجان، وأنه كان يأخذ ما أهدى إليه عماله فيضعه في بيت المال - مال المسلمين.
قال يونس بن عبيد: أتيت ابن سيرين يومًا ومعي خبيص، فقلت: قولوا له: يونس بالباب. فقال - وأنا أسمع -:قولوا له: قد نام. فقلت: إن معي خبيصًا. قال: كما أنت حتى أخرج إليك.
قال الشاعر:
هدايا النّاس بعضهم لبعضٍ تولِّد في قلوبهم الوصالا
وتزرع في الضّمير هوىً وودًّا ويكسوهم إذا حضروا جمالا
قال أبو عوانة: قلت للأعمش: ياأبا محمد! إن عندي بطة سمينة، أفتكون عندي في الدار؟ قال: وما تصنع بعنائي؟! ابعث بها إلى الدار.
قال الشاعر:
إنّ الهدايا لها حظٌّ إذا وردت أحظى من الإبن عند الوالد الحدب
وقال آخر:
ما من صديقٍ وإن أبدى مودّته يومًا بأنجح في الحاجات من طبق
إذا تلثّم بالمنديل منطلقًا لم يخش صولة بوابٍ ولا غلق
لا تكذبنّ فإنّ النَّاس قد خلقوا لرغبةٍ يكرمون النَّاس أو فرق
أمّا الفعال فعند النَّجم مطلعه والقول يوجد مطروحًا على الطُّرق
وقال آخر:
أهدى إليه حبيبه أترجّةً فبكى وأشفق من عيافة زاجر
خوف التّبدُّل والتَّلوُّن إنَّها لونان باطنها خلاف الظّاهر
بعث أبو العتاهية إلى الفضل بن الربيع بنعل، وكتب معها:
نعلٌ بعثت بها لتلبسها تمشي بها قدمٌ إلى المجد
لو كان يحسن أن أشرِّكها خدّي جعلت شراكها خدِّي
أهدى الطائي إلى الحسن بن وهب قلمًا، وكتب إليه:
قد بعثنا إليك أكرمك الل هـ بشيءٍ فكن له ذا قبول
لا تقسه إلى ندى كفِّك الغم ر ولا نيلك الكثير الجزيل
واغتفر قلَّة الهديَّة منِّي إن جهد المقلِّ غير قليل
أولم إسحاق بن إبراهيم الموصلي وليمة، فأهدى إليه إخوانه هدايا، وأهدى إليه إبراهيم بن المهدي جراب ملح وجراب أشنان مطيب، وكتب إليه رقعة: فداك أخوك عنده، لولا أن البضاعة تقصر لجزت السَّابقين إلى برِّك، وكرهت أن تطوى صحيفة البرّ ولاحظّ لي فيها،فوّجهت إليك بالمبتدأ به ليمنه وبركته، والمختوم به لطيبه ونظافته، جراب ملح وجراب أشنان هدية من يحتشم إلى من لا يغتنم، وكتب أسفل الرقعة:
هديَّتي تقصر عن همّتي وهمّتي تعلو على مالي
وخالص الودِّ ومحض الهوى أحسن ما يهديه أمثالي
بعث رجل إلى دعبل بأضحية، فكتب إليه دعبل:
بعثت إلينا بأضحيَّةٍ وكنت حريًَّا بأن تفعلا
[ ٥٩ ]
ولكنَّها خرجت غثَّةً كأنك أرعيتها حرملا
فإن قبل الله قربانها فسبحان ربِّك ما أعدلا
قال قتادة: يعرف سخف الرجل في سخف هديته. قال ذلك في نعل أهديت إليه.
ولي في هذا:
سخافة المرء تدرى في هديَّته والنَّوك والُّلؤم فيها يظهران معا
إنّ اللئيم إذا أهدى هديّته أبدى نذالته فيها لمن سمعا
ولخلف الأحمر:
سقى حجَّاجنا نوء الثُّريّا على ما كان من بخلٍ ومطل
هم جمعوا النِّعال وأحرزوها وسدُّوا دونها بابًا بقفل
إذا أهديت فاكهةً وشاةً وعشر دجائجٍ بعثوا بنعل
ومسواكين طولهما ذراعٌ وعشرٌ من رديء المقل خشل
فإن أهديت ذاك لتحملوني على نعل فدقّ الله رجلي
أناسٌ يأنفون لهم رواءٌ تغيم سماؤهم من غير وبل
إذا انتسبوا ففرعٌ من قريشٍ ولكنّ الفعال فعال عكل
وقال آخر في جار له أتى من الحج لم يهد إليه شيئًا:
عبّاس ما وجهك بالهشِّ ولا أبرئك من الغشِّ
لم تهد لي نعلًا ولا مقلةً كأنَّما جئت من الحشِّ
ولمنصور الفقيه - يداعب صديقًا يكنى أبا النصر ويسمى فتحًا، قدم من الحج - شعرٌ حسن النظم مليح المعنى، رأيت إيراده لحسنه:
سألت الحجيج وقد أقبلوا يؤمُّون مصر من أرض الحرم
فقلت لهم بعد إيناسهم: أفتحٌ بمكَّة أم قد قدم؟
فقالوا: ترحَّل من قبلنا لعشر ليالٍ توالت حرم
فقلت بحرمة من زرتم؟ أحقًّا تقولون؟ قالوا: نعم
فأقبلت في صرخةٍ منهم وقلبي ممّا به يضطرم
أعدِّد آلاءه والجفون مسافيح بالدَّمع والدَّمع دم
فصادفني صالحٌ عبده فقال: فديتك لم تلتدم؟
وماذا دعاك إلى ما أرى فقلت: الحذار على ذي الكرم
أبى نصرٍ البحر من جوده إذا المزن ضنّت بصوب الدِّيم
فقال: ألم يأت من جمعةٍ فقلت كذبت فأين الأدم؟
وأين القفاف الحسان القدود وأقداح جيشان تلك السُّلم
وأين النِّعال وأين الفراء وأين البرود وأين البرم
وأين القديد قديد الظِّباء وأين الملوَّز مثل العنم
فقال: وحقّك ما جاءنا بشيءٍ سوى نفسه فاغتنم
قدوم صديقك واستهده حديث الوفود وفود الأمم
إلى البيت يشهدك أخباره عجائب عربهم والعجم
فقلت: ألا ليت أخباره وناقلها خلف قافٍ ولم
ولخلف بن خليفة الأقطع من بني قيس بن ثعلبة في جار له غاب ثم قدم، ولم يهد له، وكانت بينهما مصافاة:
أتانا أخٌ من غيبةٍ غاب أشهرًا وكنت إذا ما غاب أنشده الرَّكبا
فجاء بمعروفٍ كثيرٍ فدسَّه كما دسَّ راعي السُّوء في حضنه الوطبا
فقلت له: هل جئتني بهديَّةٍ فقال: بنفسي. قلت: آثر بها الكلبا
هي الَّنفس لا آسى عليها وإن نأت ولا أتمنّى الدَّهر يومًا لها قربا
إذا هي أوفت من ثمانين قامةً فلا السَّهل لقَّاها الإله ولا الرَّحبا
أهدى أبو أسامة الكاتب إلى بعض إخوانه في يوم نيروز وسهمًا ودينارًا ودرهمًا، وكتب إليه:
لا زلت كالورد نضير الميسم ونافذًا مثل نفوذ الأسهم
في عزّ دينارٍ ونجح درهم
أهدى أبو إسحاق بن هلال الصابي إلى عضد الدولة في يوم مهرجان اصطرلابًا على قدر الدرهم محكم الصنعة وكتب إليه:
أهدى إليك بنو الحاجات واحتشدوا في مهرجانٍ عظيمٍ أنت تعليه
لكنّ عبدك إبراهيم حين رأى سموّ قدرك عن شيءٍ تساميه
لم يرض بالأرض يهديها إليك فقد أهدى لك الفلك الأعلى بما فيه
[ ٦٠ ]
وأهدى شمس المعالي إلى عضد الدولة سبعة أقلام، وكتب إليه:
قد بعثنا إليك سبعة أقلا م لها في البهاء حظٌ عظيم
مرهفاتٍ كأنّها ألسن الحيَّ ات قد جاز حدَّها التّقويم
وتفاءلت أن ستحوى الأقالي م بها كلُّ واحدٍ إقليم
وقال عمر بن عبد العزيز ﵀: كانت الهدية فيما مضى هدية، أما اليوم فهي رشوة. وقال كعب الأحبار: قرأت في ما أنزل الله على بعض أنبيائه: الهدية تفقأ عين الحكيم.
وقال الشاعر:
إذا أتت الهدية باب قومٍ تطايرت الأمانة من كواها