[ ١٠ ]
قال رسول الله ﷺ: " من صمت نجا ".
وروينا عن عقبة بن عامرٍ، أنه قال: يا رسول الله فيم النّجاة؟ فقال: " يا عقبة أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك ".
وروي أنه من كلام لقمان والله أعلم.
وقال رسول الله ﷺ: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت ".
وقال رسول الله ﷺ: " ويلٌ لمن يحدِّث الناس فيكذب ليضحكهم، ويلٌ له، ثم ويلٌ له ".
وعن عيسى ﵇، أنه قال: " لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فتفتنوا قلوبكم ".
وبلغنا أنّ داود ﵇ لقي لقمان بعد ما كبرت سنُّه، فقال: ما بقي من عقلك؟ فقال: لا أنطق فيما لا يعنيني، ولا أتكلَّف ما كفيته.
وقال ابن مسعود: أنذركم فضول الكلام.
وعن ابن مسعود وسلمان الفارسي، قالا:أكثر النّاس وقوفًا يوم القيامة أكثرهم خوضًا في الباطل.
وعن عطاء: فضول الكلام ما عدا تلاوة القرآن، والقول بالسنة عند الحاجة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأن تنطق في أمر لا بدَّ لك منه في معيشتك، أما يستحي أحدكم أن لو نشرت عليه صحيفته التي أملاها صدر نهاره أن يرى أكثر ما فيها ليس من أمر دينه ولا دنياه، ثم تلا: " وإنّ عليكم لحافظين. كرامًا كاتبين " و" عن اليمين وعن الشِّمال قعيدٌ، ما يلفظ من قولٍ إلا لديه رقيبٌ عتيد ".
وعنه ﵇ أنه قال: " البرّ ثلاثةٌ المنطق والنظر والصَّمت، فمن كان منطقه في غير ذكر فقد لغا، ومن كان نظره في غير اعتبارٍ فقد سها، ومن كان صمته في غير تفكّر فقد لها ". قال بعض الشعراء:؟ لست ممّن ليس يدري ما هوانٌ من كرامه
إنّ للنّصح وللغ ش على العين علامه
ليس يخفى الحبُّ والبغ ض وإن رمت اكتتامه
ليس في أخذك بالفض ل وبالحلم ندامه
وجواب الجاهل الصَّم ت وفي الصَّمت سلامه
وعن الأصمعيّ قال، قال أعرابيّ: السّكوت صيانةٌ لّلسان وسترٌ للعيّ.
وقال أعرابيّ في رجل رماه بالعيّ: رأيت عثرات النّاس في أرجلهم، وعثرة فلان بين فكَّيه.
قال رسول الله ﷺ: " إن الرَّجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أنها تبلغ ما بلغت، يكتب الله بها سخطه إلى يوم القيامة ".
وروي عن النبيّ ﷺ أنه قال: " إن الله يكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال وإضاعة المال ".
وذكر الأصمعيّ قال، قال أعرابيٌ: الكلمة أسيرةٌ في وثاق الرَّجل، فإذا تكلّم بها كان أسيرًا في وثاقها.
قيل لبكر بن عبد الله المزنيّ: إنك تطيل الصمت؟ فقال: إن لساني سبعٌ، إن تركته أكلني.
وأنشد الخشنيّ:؟ لسان الفتى سبعٌ عليه مراقبٌ فإنّ لم يزع من غربه فهو آكله وقال الراجز:؟
القول لا تملكه إذا نما كالسَّهم لا يرجعه رامٍ رما
وقال آخر:
فداويته بالحلم والمرء قادرٌ على سهمه ما دام في كفِّه الَّسهم
قال هبيرة بن أبي وهب:
وإنَّ مقال المرء في غير كنهه لكالَّنبل تهوى ليس فيها نصالها
قال أبو العتاهية:؟ من لزم الصَّمت نجا من قال بالخير غنم اجتمع أربعة حكماء، فقال أحدهم: أنا على ردِّ ما لم أقل، أقدر مني على ردّ ما قلت، وقال الآخر: لأن أندم على ما لم أقل، أحبّ إليّ من أن أندم على ما قلت، وقال الثالث: إذا تكلمت بالكلمة ملكتني، فإذا لم أتكلم بها ملكتها، وقال الرابع: عجبت ممن يتكلم بالكلمة، إن ذكرت عنه ضرته، وإن لم تذكر عنه لم تنفعه.
قال طرفة بن العبد:
؟ وإنّ لسان المرء ما لم تكن له حصاةٌ على عوراته لدليل
وقال منصور الفقيه:
عليك السُّكوت فإن لم يكن من القول بدٌّ فقل أحسنه
فرَّبتما فارقت بالّذي تقول أماكنها الألسنة
وقال آخر:
؟ أيُّها المرء لا تقولنّ قولًا لست تدري ماذا يجيئك منه
واخزن القول، إنّ الصَّمت حكما وإذا أنت قلت قولًا فزنه
وإذا النَّاس أكثروا في حديثٍ ليس ممّا يزينهم فاله عنه
وقال أحيحة بن الجلاح:؟ الصَّمت أكرم بالفتى ما لم يكن عيٌّ يشينه
[ ١١ ]
والقول ذو خطلٍ إذا ما لم يكن لبٌّ يعينه
قال ابن مقسم، سمعت جحظة يقول: سمعت المأمون يقول: السخافة كثرة الكلام، وصحبة الأنذال.
أنشد ابن المبارك أخًا له كان يصحبه:
واغتنم ركعتين زلفى إلى الل هـ إذا كنت فارغًا مستريحا
وإذا ما هممت بالمنطق البا طل فاجعل مكانه تسبيحا
إنّ بعض السكوت خيرٌ من النط ق وإن كنت بالكلام فصيحا
وقال أبو العتاهية:
؟ ألا إنّ بعد الذخر ذخرًا تنيله وشرُّ كلام القائلين فضوله
عليك بما يعنيك من كلّ ما ترى وبالصَّمت إلاّ عن جميلٍ تقوله
وله:
وحسبك مَّمن إن نوى الخير قاله وإن قال خيرًا لم يكذِّبه فعله
كان يقال: العافية عشرة أجزاء، تسعةٌ منها في الصمت، وجزء في الهرب من النّاس.
كان يقال: من طوَّل صمته، اجتلب من الهيبة ما ينفعه، ومن الوحشة مالا يضرّه. وقال رسول الله ﷺ: " إن من شرار النَّاس الذين يكرمون اتّقاء ألسنتهم ".
وقال الشاعر:
صمتُّ على أشياء لو شئت قلتها ولو قلتها لم أبق للصُّلح موضعا
وقال منصور الفقيه:
خرسٌ إذا سألوا وإن قالوا: عييٌّ أو جبان
فالعيّ ليس بقاتل ولربّما قتل اللّسان
كان يقال: اخزن لسانك كما تخزن مالك.
قال امرؤ القيس:
إذا المرء لم يخزن عليه لسانه فليس على شيءٍ سواه بخزَّان
وقال آخر:؟ لعمرك إنّ صمتك ألف عامٍ لأصلح من كلامك بالفضول
فأمسك أو ترى للقول وجهًا يبين صوابه لذوي العقول
روينا أن أبا بكر الصديق ﵁، أخذ يومًا بطرف لسانه وقال: ها إنّ ذا أوردني الموارد.
وقال ابن مسعود ﵀: إن كان الشُّؤم ففي اللّسان، ووالله ما على وجه الأرض شيءٌ أحقّ بطول سجن من اللسان.
أخذه الشاعر فقال:
؟ وما شيءٌ إذا فكَّرت فيه أحقّ بطول سجنٍ من لسان
كان يقال اللّسان سبع عقور.
قال الشاعر:
؟ رأيت اللسان على أهله إذا ساسه الجهل ليثًا مغيرا
قال رسول الله ﷺ: " وهل يكبّ النّاس في النّار على وجوههم إلاّ حصائد ألسنتهم ".
قال الله ﷿: " ما يلفظ من قولٍ إلاّ لديه رقيبٌ عتيدٌ "، وقال: " وإنّ عليكم لحافظين كرامًا كاتبين، يعلمون ما تفعلون ".
وروي عن النبيّ ﷺ أنّه قال: " إن الله عند لسان كلّ قائل، فلينظر كلُّ امرئ ما يقول ".
قال عمَّار الكلبي:؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ وقل الحقّ وإلاّ فاصمتن إنَّه من لزم الصَّمت سلم
إنّ طول الصّمت زينٌ للفتى من مقالٍ فيه عيٌ وبكم
قال النبي ﷺ: " رحم الله امرءًا أمسك فضل لسانه، وبذل فضل ماله، وعلم أن كلامه محصيٌ عليه ".
قال الأصبحيُّ: من كثر كلامه كثرت خطاياه.
وقال أبو الدَّرداء: من فقه الرَّجل قلَّة كلامه فيما لا يعنيه.
وقال مالك بن دينار: لو كانت الصُّحف من عندنا، لأقللنا الكلام.
قال الشاعر:
؟ في نبوة الدَّهر لي عذرٌ فلا تلم من أقعدته صروف الدّهر لم يقم
حصرٌ يقصّر بي عن كلِّ مرتبةٍ وما تقصّر عن نيلٍ لها هممي
إن عابني عائبٌ بالصمت قلت له حبس الفتى نطقه خيرٌ من النَّدم
وقال معقر بن حمارٍ البارقي:؟؟ الشِّعر لبّ المرء يعرضه والقول مثل مواقع النَّبل وقال آخر:
والقول ينفذ مالا تنفذ الإبر
لما خرج يونس ﵇ من بطن الحوت، أطال الصمت، فقيل له: ألا تتكلم؟ فقال: الكلام صيَّرني في بطن الحوت.
قال عمر بن عبد العزيز: المحظوظ التَّقّي يلجم لسانه، أخذه الحسن بن هانئ فقال:
إنَّما العاقل من أل جم فاه بلجام
مت بداء الصَّمت خيرٌ لك من داء الكلام
سئل عمر بن عبد العزيز - ﵀ - عن قتلة عثمان، فقال: تلك دماء كفّ الله عنها يدي، فأنا أكره أن أغمس فيها لساني.
[ ١٢ ]
وقال يزيد بن أبي خبيب المتكلم ينتظر اللعنة، والمتصنَّت ينتظر الرحمة. ويقال: شر ما طبع الله عليه المرء، خلق دنيّ، ولسان بذيّ. وقالوا البذاء من النفاق.
وقال ابن القاسم: سمعت مالكًا يقول: لا خير في كثرة الكلام، واعتبر ذلك بالنساء والصبيان. إنما هم أبدًا يتكلمون، لا يصمتون.
وقال الحسن لسان العاقل من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلَّم فكَّر، فإن كان له قال، وإن كان عليه سكت، وقلب الجاهل من وراء لسانه.
قال نصر بن أحمد:
لسان الفتى حتف الفتى حين يجهل وكلّ امرئ ما بين فكَّيه مقتل
وكم فاتحٍ أبواب شرٍّ لنفسه إذا لم يكن قفلٌ على فيه مقفل
إذا ما لسان المرء أكثر هذره فذاك لسانٌ بالبلاء موكّل
إذا شئت أن تحيا سعيدًا مسلَّمًا فدبّر وميّز ما تقول وتفعل
قال صالح بن جناح:
أقلل كلامك واستعذ من شرّه إنّ البلاء ببعضه مقرون
واحفظ لسانك واحتفظ من غيّه حتّى يكون كأنَّه مسجون
وكِّل فؤادك باللِّسان وقل له إنّ الكلام عليكما موزون
فزناه وليك محكمًا في قلّةٍ إنّ البلاغة في القليل تكون
قال الّلاحقي:
اخفض الصَّوت إن نطقت بليلٍ والتفت بالنَّهار قبل الكلام
قال آخر:
أرى الصَّمت خيرًا من كلامٍ بمأثمٍ فكن صامتًا تسلم وإن قلت فاعدل
ولا تك في حقّ الإخاء مفرّطًا وإن أنت أبغضت البغيض فأجمل
ولا تعجلن يومًا بشرٍّ تريده وإذ ما هممت الدَّهر بالخير فاعجل
ألا إنّ تقوى الله خير مغبّةٍ وأفضل زاد الظَّاعن المتحّمل
وقال آخر:
عوّد لسانك قول الصِّدق تحظ به إنّ الِّلسان لما عوّدت معتاد
وقال الحكماء: إذا تمَّ العقل نقص الكلام، فضل العقل على المنطق حكمة، وفضل المنطق على العقل هجنة.
وقال عمرو بن العاص: زلّة الرجل عظم يجبر، وزلّة اللسان لا تبقي ولا تذر وقال أعرابي:
عثرات الِّلسان لا تستقال وبأيدي الرِّجال تجزي الرِّجال
فاجعل العقل للِّسان عقالًا فشراد اللِّسان داءٌ عضال
إنَّ ذمَّ اللِّسان مبقٍ على العر ض وبالقول تستبان الفعال
وقال غيره:
يموت الفتى من عثرةٍ بلسانه وليس يموت الرَّجل من عثرة الرِّجل
فعثرته من فيه ترمي برأسه وعثرته بالرِّجل تبرا على مهل
وقال منصور الفقيه:
واخرس إذا خفيت أمو ر الحقّ عنك عن الإجابة
فأقلّ ما يجزي الفتى بسكوته عزّ المهابة
وقال محمود الوراق:
ولفظك حين تلفظ في جميعٍ ولا تكذب مقدّمةٌ لفعلك
فزنه إن أردت القول وزنًا وإلاَّ هدّ من أركان نبلك
وقال آخر:؟
ومن لاَّ يملك الشَّفتين يسخو بسوء الَّلفظ من قيلٍ وقال
كان يونس بن عبد الأعلى ينشد هذه الأبيات:
قد أفلح السَّاكت الصَّموت كلام واعي الكلام قوت
ما كلّ قولٍ له جوابٌ جواب ما تكره السكوت
ياعجبًا لامرئ ظلومٍ مستيقنٍ أنّه يموت