قال رسول الله ﷺ: من أسّر إلى أخيه سرًّا لم يحلّ له أن يفشيه عليه.
قال عمر بن الخطاب ﵁: من كتم سره كان الخيار بيده، ومن عرّض نفسه للتّهمة فلا يلومنّ من أساء الظنّ به.
قال عباس بن عبد المطلب لابنه عبد الله ﵄: يابنى إن أمير المؤمنين يدنيك - يعنى عمر بن الخطاب - فاحفظ عنى ثلاثًا: لا تفشينّ له سرًا، ولا تغتابن عنده أحدًا، ولا يطّلعنّ منك على كذبة.
[ ٩٩ ]
قال أكثم بن صيفي: إن سرّك من دمك، فانظر أين تريقه.
كان يقال: احفظوا أسراركم كما تحفظون أبصاركم وكان يقال: أكثر ما يتم به التدبير الكتمان.
قال قيس بن الخطيم:
أجود بمضمون التّلاد وإنّنى بسرّك عمنّ سالنى لضنين
وإن ضيّع الإخوان سرًا فإنّنى كتومٌ لأسرار الخليل أمين
يكون له عندى إذا ما ائتمنته مكان بسوداء الفؤاد مكين
إذا جاوز الإثنين سرٌّ فإنّه بنشرٍ وإفشاء الحديث قمين
وفي مثل هذا: إن السرّ لا يسمّى سرًّا حتى يسره رجلٌ واحد إلى رجل آخر.
قال الصّلتان العبدى:
وسرّك ما كان عند امرئ وسرّ الثّلاثة غير الخفى
وقال سابق:
فلا تخبر بسرِّك،كلُّ سرًّ إذا ما جاوز الإثنين فاشى
وقال آخر:
لكلَّ امرىء يا أمّ عمرو طبيعةٌ وتفضيل ما بين الرّجال الطّبائع
فلا يسمعن سرّى وسرّك ثالثٌ ألا كلّ سرًّ جاوز اثنين ضائع
وكيف يشيع القلب سرًّا وفوقه حجابٌ وما فوق الحجابٌ الأضالع
وذهبت طائفة إلى أن السرَّ ما أسررته في نفسك،ولم تبده إلى أحد.
قال عمرو بن العاص: ما استودعت رجلا سرًّا فأفشاه فلمته، لأنى كنت به أضيق صدرًا حين استودعته إياه.
وإلى هذا ذهب القائل حيث قال:
إذا ضاق صدر المرء عن سرّ نفسه فعدر الّذى يستودع السّرّ أضيق
وأنشد الأصمعى قال:أنشدنى أعرابي:
لا أكتم الأسرار لكن أبثّها ولا أدع الأسرار تقتلنى غمّا
وإنّ سخيف الرّأى من بات ليله حريبًا بكتمان كأنّ به حمّى
وفي بثّك الأسرار للقلب راحةٌ وتكشف بالإنشاء عن قلبك الهمّا
وقال سحيم الفقعسىّ:
لا أكتم الأسرار لكن أذيعها ولا أدع الأسرار تغلى على قلبي
وإنّ ضعيف العقل من بات ليله تقلّبه الأسرار جنبًا إلى جنب
ومثله قول الآخر:
لا تفشين سرّك إّلا إليك فإنّ لكلّ نصيح نصيحًا
فإّنى رأيت غواة الرّجال لا يتركون أديمًا صحيحًا
وقال رجل من بني سعد:
إذا ما ضاق صدرك عن حديثٍ فأفشته الرّجال فمن تلوم
إذا عاتبت من أفشى حديثى وسرّى عنده فأنا الظّلوم
وإنّى حين أسأم حمل سرّى وقد ضمّنته صدري سؤوم
ولست محدثًا سرّى خليلًا ولا عرسي إذا خطرت هموم
وأطوى السّرّ دون النّاس إنّي لما استودعت من سرّ كتوم
وقال المتنبي:
رضاك رضاي الذي أوثر وسرّك سرّى فما أظهر
كفتك المروءة ما تتّقى وآمنك الودّ ما تحذر
وسرّكم في الحشا ميّتٌ إذا انتشر السّرّ لا ينشر
وقال حارثة بن بدر الغداني:
خليليّ لولا حب زينب لم أسل أفي اليوم لقّيت المنيّة أم غدا
خليليّ إن أفشيت سرّى إليكما فلا تجعلا سرّى حديثًا مبددّا
فإن أنتما أفشيتماه فلا رأت عيونكما يوم الحساب محمّدا
وقال آخر:
إذا أنت لم تحفظ لنفسك سرّها فسرّك عند النّاس أفشى وأضيع
وقال ابن ميّادة واسمه الرّمّاح:
يا خليليّ هجّرا كي تروحا هجتما للرّواح قلبًا قريحا
إن تروحا لتعلما سرّ سعدي تجداني بسرّ سعدي شحيحًا
إنّ سعدي كمنية التمنّى جمعت عفّةً ووجهًا صبيحا
كلمتني وذاك ما نلت منها إنّ سعدي ترى الكلام ربيحا
قيل لرجل: كيف كتمانك للسر قال: أجحد المخبر. وأحلف للمستخبر.
أسر رجل إلى رجلٍ سرًا، فلما فرغ قال له: حفظت؟ قال: لا. بل نسيت.
قال أبو محجن الثقفي:
قد أركب الهول مسدولا ستائره وأكتم السرَّ فيه ضربة العنق
[ ١٠٠ ]
وقال مسكين الدرامى:
وإني امرؤٌ منّى الحياء الذي ترى أعيش بأخلاق قليلٌ خداعها
أواخى رجالًا لست مطلع بعضهم على سرّ بعض غير أنّى جماعها
يظلّون شتّى في البلاد وسرّهم إلى صخرةٍ أعيا الرّجال انصداعها
وقال آخر:
ولو قدرت على نسيان ما اشتملت منّى الضّلوع من الأسرار والخبر
لكنت أول من ينسى سرائره إذا كنت من نشرها يومًا على خطر
قال أبو الشِّيص:
ضع السِّرَّ في صمَّاء ليست بصخرةٍ صلودٍ كما عاينت من سائر الصَّخر
ولكنَّها قلب امرئٍ حفيظةٍ يرى ضيعة الأسرار شرًا من الشَّرِّ
يموت وما ماتت كرائم فعله فيبلى وما يبلى ثناه على الدَّهر
كان يقال: لا تطلعوا النّساء على سركم، يصلح لكم أمركم قال الشاعر:
ختمت الفؤاد على حبهَّا كختم الصحيفة بالخاتم
هوت بي في حبَّها نظرةٌ هوىَّ الفراشة في الجاحم
وقال آخر:
فإن تلك ليلى حمَّلتني أمانةً فلا وأبي ليلى إذًا لا أخونها
حفظت لها السَّرَّ الّذي الذي كان بيننا ولا يحفظ الأسرار إلا أمنها
كان يقال: كل شئ تكتمه عن عدوك، فلا تظهر عليه صديقك وقال آخر:
إذا كتم الصديق أخاه سرًّا فما فضل الصَّديق على العدوِّ
وقال آخر:
فبثثت عمرًا بعض ما في جوانحي وجرَّعته من مرِّ ما أتجرَّع
ولا بد من شكوى إلى حفيظةٍ إذا جعلت أسرار نفسي تطلَّع
وقال أبو الشص:
لا تأمن على سرِّي وسرَّكم غيري وغيرك أو طيَّ القراطيس
وقال ابن وطيع:
إذا كنت ذا سرًّ تخاف من أعدا عليه ظهورًا فاطوه دون ذي الودَّ
فيا ربَّ خلًّ حال عمَّا عهدته فظل لما قد كنت أودعته يبدي
وقال تشبيب بن البرصاء:
وإني لأكمن السِّرَّ عندي وإن أتى لذلك من عهد الأمانة حين
كمون النوى لايشعر النَّاس أنَّه ثوى في رفاق الأرض وهو دفين
وقال آخر:
تبوح بسرِّك ضيقًا به وتبغي لسرِّك من يكتم
وكتمانك السِّرَّ ممن تخاف ومن لا تخوَّفه أحزم
وقال آخر:
أداري خليلي ما أستقام بودِّه وأمنحه ودي إذا يتحبب
ولست ببادي صاحبي بقطيعةٍ ولا أنا مبدي سرَّه حين أغضب
ومما أنشده الرِّياشي ﵀:
بديهته قبل تدبيره متى رمته فهو مستجمع
وفي كفّه للغنى مطلبٌ وللسِّرَّ في صدره موضع