قال رسول الله ﷺ: " بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ". ويروى " محاسن الأخلاق ".
أخذه أبو العتاهية فقال
ليس دينا بغير دين وليس الد ين إلاّ مكارم الأخلاق
إنّما المكر والخديعة في النا س هما من فروع أهل النّفاق
ولإبراهيم بن المهدىّ:
لا خير في الدّنيا بلا دين ولا في المال إلاّ منه فيما يبذل
فأصب وأتلف واستفد وأفد وعش فيما اشتهت ممّا يحلّ ويجمل
وقال آخر:
وما المرء إلاّ حيث يجعل نفسه ففي صالح الأخلاق نفسك فاجعل
وقال آخر:
[ ١٣٠ ]
تزين الفتى أخلاقه وتشينه وتذكر أفعال الفتى حيث لا يدري
خطب ثلاثة إخوة من العرب إلى عمّهم ثلاث بنات له، فقال: مرحبًا بكم، لا أذم عهدكم، ولا أستطيع ردّكم، خبّروني عن مكارم الأخلاق. فقال الأكبر: الصّون العرض، والجزاء بالقرض. قال الأوسط: النهوض بالثقل، والأخذ بالفضل. قال الأصغر: الوفاء بالعهد، والإنجاز للوعد. قال: أحسنتم في الجواب، ووفقتم إلى الصواب.
وقال ﷺ: " إن الله يحبّ معالى الأخلاق وأشرفها، ويكره سفسافها " قال الحسن: مكارم الأخلاق للمؤمن: قوة في لين، وحزم في دين، وإيمانٌ في يقين، وحرصٌ على العالم، واقتصاد في النفقة، وبذلٌ في السّعة، وقناعة في الفاقة، ورحمةٌ للمجهود، وإعطاءٌ في حقّ، وبرّ في استقامة.
قالت عائشة ﵂: خلال المكارم عشر، تكون في الرّجل ولا تكون في أبيه ولا في ابنه، وقد تكون في العبد ولا تكون في سيّده، يقسمها الله لمن أحبّ: صدق الحديث، ومداراة النّاس، وصلة الرحم، وحفظ الأمانة، والتذمّم للجار،وإعطاء السّئل،والمكافأة بالصنّائع، وقرى الضّيف،والوفاء بالعهد،ورأسهنّ كلهنّ الحياء.
قيل لبزر جمهر:أي شئ أنت به أسرّ؟ قال:قدرتي على مكافأة من أحسن إلى.
قال مصقلة بن هبيرة الشّبياني:سمعت صعصعة بن صوحان،وقد سأله ابن عباس ما السؤدد فيكم؟ قال:إطعام الطعام،ولين الكلام،وبذل النّوال،وكفّ المرء نفسه عن السؤال،والتودّد للصّغير والكبير،وأن يكون النّاس عندك في الحق شرعا.
سئل عبد الله بن عمر عن السّؤدد،فقال:الحلم والجود.
كان يقال:خير أيام المرء ما أغاث فيه المضطر،واكتسب فيه الأجر،وارتهن فيه الشكر،واسترقّ فيه الحّر.
قال الأحنف بن قيس يومًا لقومه:إنّما أنا رجل منكم ليس لي فضل عليكم،ولكني أبسط لكم وجهي،وأبذل لكم مالي،وأفضى حقوقكم،وأحفظ حرمتكم،فمن فعل مثل فعلي فهو مثلي، ومن زاد علىّ فهو خير مني،ومن زدت عليه فأنا خير منه. قيل له:يا أبا محمد! ما يدعوك إلى هذا الكلام؟ قال:أحضّنهم على مكارم الأخلاق.
وقال عبد الله بن عمر:نحن معشر قريش نعدّ الحلم والجود الؤدد،ونعدّ العفاف وإصلاح المال المروءة.
قال أسد بن عبد الله لرجل من بني شيبان:إن السؤدد فيكم لرخيص.
فقال له:أمّا نحن فما نسّود إلا فتى يوطئنا رحله،ويفرشنا عرضه،وببذل لنا ماله.
قال:أشهد أن السؤود فيكم لغالٍ.
قيل لبعض العرب:من السيد فيكم؟ قال:الأحمق في ماله،الذليل في عرضه، المطّرح لحقده،المعتنى بأمر عامته.
ورويت هذه القصة للأحنف،أنه سئل:من أسود الناس فيكم؟ فقال:الأخرق في ماله ثم ذكر مثله.
قال أبو عمرو بن العلاء:كان أهل الجاهلية لا يسوّدون إلاّ من كانت فيه ست خصال وتمامها في الإسلام سابة:السّخاء والنجدة،والصّبر والحلم،البيان والحسب. وفي الإسلام زيادة العفاف.
ذكر لعبد الله بن عمر أبو بكر وعمر وعثمان وعلىّ ومعاوية. فقال:كان معاوية أسود منهم،وكانوا خيرًا منه.
روى عن النّبي ﷺ أنه قال: " من رزقه الله مالًا فبذل معروفه وكفّ أذاه،فذلك السّيد ".
قال رسول الله ﷺ للأنصار يومًا: " من سيّدكم؟ " فقالوا:الجدّ بن قيس على بخل فيه. فقال عليه الّلام: " أيّ داءٍ أدوأ من البخل؟! بل سيّدكم الجعد الأبيض عمرو بن الجموح ".فقال شاعرهم في ذلك:
وقال رسول الله والحقّ قوله لمن قال منا من تسمون سيّدا
فقالوا له الجدّ بن قيس على التي نبخّله فيها وإن كان أسودا
فتىً ما تخطّى خطوةً لدنّيةٍ ولا مدّ في يوم إلى سوءٍة يدًا
فسوّد عمر بن الجموح بجوده وحق لعمر بالندى أن يسوّدا
قال بكر بن وائل:ما كان فينا أسود من ثعلبة بن أوس،كان يحلم عن جاهلنا ويعطى سائلنا.
كان سالم بن نوفل سيد بني كنانة في زمانه، فوثب رجل على ابنه وابن أخيه فجرحهما، فأتى به سالم، فقال له: ما أمنك من انتقامي؟ قال: فلم سوّدناك إذًا؟ إلا لتكظم الغيظ وتحلم عن الجاهل، وتحتمل المكروه. وفي سالم هذا يقول الشاعر:
[ ١٣١ ]
نسود أقوامًا وليسوا بسارة بل السيّد المعلوم سلم بن نوفل
أنشد ابن عائشة:
لا يبلغ المجد أقوامٌ وإن كرموا حتى يذلوا وإن عزوا لأقوام
ويشتموا فترى الألوان مسفرةً لا عفو ذلّ ولكن عفو أحلام
وإن دعا الجار لبوا عند دعوته في النائبات بإسراج وإلجام
مستلئمين، لهم عند الوغى زجلٌ كأن أسيافهم أغرين بالهام
قال الأصمعي: كان يقال: لا يجتمع عشرة إلاّ وفيهم مقاتل أو أكثر، ويجتمع ألف ليس فيهم حليم.
كان يقال: ثلاثة لا ينتصفون من ثلاثة حليم من سفيه، وبر من فاجر، وشريف من دنئ.
قال الأحنف بن قيس: ما نازعني أحد إلا أخذت في أمره بإحدى ثلاث خصال، إن كان فوقي عرفت له قدره، وإن كان دوني أكرمت نفسي عنه، وإن كان مثلي تفضلت عليه. أخذ هذا المعنى محمود الوراق فقال:
سألزم نفسي الصفح عن كلّ مذنب وإن كثرت منه علىّ الجرائم
وما الناس إلا واحد من ثلاثةٍ شريفٌ ومثلى مقاوم
فأما الذي فوقي فأعرف فضله وألزم فيه الحقّ والحقّ لازم
وأما الذي دوني فإن قال صنت عن مقالته نفسى وإن لام لائم
وأما الذي مثلى فإن زلّ أو هفا تفضّلت إن الفضل للحرّ حاكم
وقال آخر:
لقد أسمع القول الذّي كاد كلّما تذكرّنيه النفس قلبي يصدّع
فأبدي لمن أبداه منّي بشاشةً كأنّي مسرورٌ بما منه أسمع
وما ذاك من عجبٍ به غير أنّني أرى أن ترك الشرّ للشرّ أقطع
قال الحسن البصرّى: ما سمعت الله ﷿ نحل عباده شيئًا أقل من الحلم، فقال ﷿: " إن إبراهيم لأوّاه حليمٌ "، قال: " فبشرناه بغلام حليم ".
قال العتابيّ:
إذا سرّني دهري قبلت وإن أبي أبيت عليه أن أضيق له صدرًا
فكم من مسئٍ قد لقيت ومحسن فأوسعت ذا حلمًا وأوسعت ذا شكرًا
قال عمر بن أبي طالب رضى الله: إنّ السّفيه إذا أعرضت عنه اغتمّ، فزده إعراضًا.
كان يقال: يحسن السّيرة يقهر المناوئ، وبالحلم عن السّفيه يكثر أنصارك عليه.
قال الشاعر:
سكت عن السّفيه فظن أبي عييت وما عييت عن الجواب
متاركة السّفيه بلا جوابٍ أشدّ على السّفيه من العذاب
ولا شئ أحبّ إلى سفيه إذا وقع الكريم من السّباب
سبّ الشعبيّ رجل،فقال له:إن كنت كاذبًا يغفر الله لك،وإن كنت صادقًا يغفر الله لي.
قال الشعبيّ:الغضب غول الحلم.
قال خالد بن صفوان:شهدت عمرو بن عبيد ورجل يشتمه،فقال:آجرك الله على ما ذكرت من صواب،وغفر لك على ما ذكرت من خطأ، قال:فما حسدت أحدًا حسدي عمرو بن عبيد على هاتين الكلمتين.
مرّ الشّعبي بقوم ينتقصونه،فأنشد:
هنيئًا مريئًا غير داءٍ مخامرٍ لعزّة من أعراضنا ما استحلت
قال النّابنة الجعديّ:
ولا خير في حلمٍ إذا لم تكن له بوادر تحمي صفوه أن يكدّرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له حليمٌ إذا ما أورد الأمر أصدرا
وقال آخر:
وفي الحلم والإسلام للمرء وازع وفي ترك أهواء الفؤاد المتيمّ
بصائر يرشدن الفتى مستبينةٌ وأخلاق صدق علمها بالتعلم
قيل للحصين بن المنذر:بم سدت قومك؟ قال:بحسب لا يطمع فيه،ورأى لا يستغنى عنه.
وذكر السّؤدد عند معاوية بن أبي سفيان،فقال:إنّه لينتقل في اليّ كما ينتقل الظلّ.
قال إياس بن قتادة:
وإن من السّادات من لو أطعته دعاك إلى نار يفور سعيرها
قال:كان سفيان بن عيينة يتمثل:
خلت الديار فسدت غير مسوّد ومن الشّقاء تفرّدى بالسّؤدد
قال:قال عمر بن عبد العزيز لرجل:من سيّد قومك؟ قال:أنا. قال:لو كنته لم تقله.
قال الشاعر:
وإنّ بقوم سوّدوك لفاقةً إلى سيدّ لو يظفرون بسيّد
[ ١٣٢ ]
قيل للملهب:ما السّؤدد؟ قال: أن يركب الرجل في منزله وحده،ويرجع إلى منزله في جماعة.
قيل لبعض العرب:ما علامة السيّد قيكم؟ قال: هو الذّي إذا أقبل هبناه،وإذا أدبر عبناه،ويروى اغتبناه.
قال عبيد بن الأبرص:
إذا أنت لم تعمل برأىٍ ولم تطع أولى الرّأي لم تركن إلى أمر مرشد
ولم تجتنب ذمّ العشيرة كلهّا وتدفع عنها باللسّان وباليد
وتحلم عن جهّالها وتحوطها وتقمع عنها نخوة المتهدّد
فلست ولو عللت نفسك بالمنى بذي سؤدد باد ولا قرب سؤدد
قال أنس بن مدرك:
عزمت على إقامة ذي صلاح لأمر ما يسوّد من يسود
وقال أبو الحسن الموسوى:
ما السّؤدد المكسوب إلاّ دون ما يومي إليه السّؤدد المولود
فإذا هما اتفقا تكسّرت القنا إن غولبا وتضعضع الجلمود
كان يقال:خصلتان لا يسود صاحبهما:الاستطالة في الأقرباء،والبطر في الأغنياء.
قال المرّار بن سعيد:
إذا شئت يومًا أن تسود قبيلة فبا لحلم سد لا بالسّفاهة والشّتم
وقال بعض أهل العلم:لا سؤدد إلاّ بالبخت والجدّ والسعّد،وذلك أنا قد رأيناهم يقولون:الأفعال المحمودة والأخلاق الجميلة توجب السؤدد والرياسة،والأفعال المذمومة والأخلاق الدنّية تمنع من السّؤود،ثم رأينا قومًا سادوا بأخلاق لا تحمد،وبأفعال لا ترضى،فمن ذلك:أن الحمق يمنع من السّؤدد،وقد ساد عيينة ابن حصن،وكان محمّقًا،وساد أبو سفيان وكان بخيلا،والبخيل يمنع من السّؤدد،وساد عامر بن الطّفيل،وكان عاهرًا،ولا سؤدد مع العهر،وساد أبو جهل وما طرّ شاربه،ودخل دار النّدوة وما استوت لحيته،والحداثة تمنع من السؤدد،وساد شبل بن معبد البجلى،وما بالبصرة بجلىّ غيره، وهم يقولون:لا سؤود إلاّ بالعدد،ولما قال قومٌ للأحنف:لولا أنا سوّدناك ما سدت. قال فمن سودّ شبل بن معبد البجلى،وليس بالبصرة بجليّان.
وساد عتبة بن ربيعة وكان فقيرًا إلى أن مات،حتى قيل:إنه لم يشبع قطّ،ولم يفضل عن قوت أهله قوت ضيفٍ واحد،وهم يقولون إنّ الفقر يمنع من السؤدد.
هذا كلّه يدلّك على أن السّؤدد بالبخت.
وقال غيره:أسباب السّؤدد سبعة:العقل والعلم والصيانة وأداء الأمانة والحذق والحلم والسخاء.
أبو سلمى:
لا بدّ للسّؤدد من أرماح ومن سفيهٍ دائم النّباح
ومن عديد يتّقى بالرّاح
أي لا يتقى بالدّعاء.
وقال غيلان بن سلمة الثقفيّ:
لا بدّ للسّؤدد من عديد
قال النابغة الذبيانيّ:
تعدو الذئاب على من لا كلاب له وتتّقى صولة المستنفر الحامي
قال الحسن بن سهل يومًا: الشّرف في السّرف،فقيل له: لا خير في السّرف،فقال: لا سرف في الخير، فردّ اللّفظة واستوفى المعنى.
قال إسماعيل بن جعفر بن سليمان الهاشمي: عجبت لمن لا يكتب العلم كيف تدعوه نفسه إلى مكرمة.
ابن بشّار:
وإذا جزيت أخًا بذنب كان منه لم تسده
ولقلّما طلب الفتى لأخيه عيبا لم يجده
الهذلي:
وإنّ سيادة الأقوام فاعلم لها صعداء مطلبها طويل
لما توفى عبد الله بن طاهر،صلىّ عليه ابنه طاهر بن عبد الله ودفنه،وأعتق عند كل زاوية من زوايا قبره رقبةً من غلمانه،وفعل ذلك إخوته،ودفع كل نجلٍ منهم إلى كلّ غلام خمس مائة درهم،وكان عبد الله بن طاهر قد خلف أربعين ولدًا ذكرًا،فقال أبو العميثل الشاعر لمصعب بن عبد الله وكان يختص بطاهر وينادمه:ألا أدلّك على شئ تفعله فتقدم به سائر إخوتك عند الأمير طاهر؟ قال: بلى. فأنشده هذه الأبيات وقال:اكتب بها إلى الأمير،وهي:
يا من يحاول أن تكون خلاله كخلال عبد الله أنصت واسمع
فلأقصدنّك بالنصيحة والذّي حجّ الحجيج إليه فاقبل أو دع
إن كنت تطمع أن تحلّ محلّه في المجد والشّرف الأشم الأرفع
فاصدق وعفّ وبرّ وارفق واتئّد واحلم ودار وكاف واصبر واشجع
[ ١٣٣ ]
والطف ولن وتأنّ وانصر واحتمل واحزم وجدّ وحام واحمل وادفع
هذا الطريق إلى المكارم مهيعًا فاسلك فقد أبصرت قصد المهيع
فاستحسن طاهرٌ الأبيات،وقال:والله لقد أفدتني ما يجب به شكرك،فقلده نيسابور وأعمالها ثلاث سنين،وأكسبه ألف ألف درهم.
وقال آخر:
إذ هلكت أسد العرين ولم يكن لها خلفٌ في الغيل ساد الثعالب
كذا القمر السّاري إذا غاب لم يكن له خلفٌ في الجو إلاّ الكواكب
قال بعض الحكماء:من ابتغى المكارم فليجتنب المحارم.