قال رسول الله ﷺ لعبد الله بن عمر: " فكيف بك يا عبد الله إذا بقيت في حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وخفت أمانتهم "؟ قيل لبعض الحكماء: بأي شيء يعرف وفاء الرجل دون تجربة واختبار؟ قال: بحنينه إلى أوطانه، وتلهفه على ما مضى من زمانه.
روى أبو العلاء زكريا بن يحيى بن خلاد، عن الأصمعي، قال: قال أعرابي: إذا أردت أن تعرف وفاء الرجل ودوام عهده فانظر إلى حنينه إلى أوطانه وتشوقه إلى إخوانه، وبكائه على ما مضى من أزمانه.
روى عروة عن عائشة: أنها تمثلت بقول لبيد:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في خلفٍ كجلد الأجرب
يتحدثون ملالة وخيانةً ويعاب قائلهم وإن لم يشغب
ثم قالت: كيف لو أدرك لبيد زماننا هذا؟ قال عروة: كيف لو أدركت عائشة زماننا هذا؟.
بلغ ابن عباس قول عائشة: رحم الله لبيدًا، لو أدرك زماننا هذا؟ فقال ابن عباس: رحم الله لبيدًا ورحم عائشة، لقد أصبت باليمين سهما في خزائن عاد، كأطول ما يكون من رماحكم هذه، مريشٌ مفوق مكتوب عليه:
فهل لي إلى أجبال هند بذي اللوى لوى الرمل من قبل الممات معاد
بلاد بها كنّا ونحن نحبها إذ الناس ناسٌ والبلاد بلاد
قال أبو العتاهية:
لله أزمنة عهدت رجالها في النائبات وإنهم لكرام
ماذا أقول لوافد الزمن الذي هلك الأرامل فيه والأيتام
زمن هوت أعلامه وتقطعت فرقًا فليس لأهله أعلام
زمن مكاسب أهله مدخولةٌ جدًا فروع أصوله الآثام
زمن تحامى المكرمات سراته حتى كأن المكرمات حرام
روينا أن رسول الله ﷺ، دخلت عليه عجوز وهو في بيت عائشة، فأكرمها وقربها ووصلها، فقالت له عائشة: من هذه العجوز؟ فقال: " كانت تأتينا وتزورنا أيام خديجة، وحفظ العهد من الإيمان ".
وقال آخر:
ذهب الزمان برهط حسان الألى كانت مناقبهم حديث الغابر
وبقيت في خلف تحلّ ضيوفهم منهم بمنزلة اللئيم الغادر
سود الوجوه لئيمةٌ أحسابهم فطس الأنوف من الطرز الآخر
وقال آخر:
مضى الذين إذا ما جئت أسألهم قالوا برحبٍ: على العينين والرّاس
وقد بقيت بأوغادٍ أكابرهم ليسوا بناسٍ بلى أشباه نسناس
وقال عتيبة الأعور:
ذهب الذين أحبهم وبقيت فيمن لا أحبه
إذ لا يزال كريم قو مٍ فيهم كلبٌ يسبّه
[ ١٦٨ ]
وقال الحارث بن الوليد:
ذهب الذين إذا رأوني مقبلا هشوا وقالوا مرحبًا بالمقبل
وبقيت في خلف كأنّ حديثهم ولغ الكلاب تهارشت في منهل
وقال الأحوص:
ذهب الذين أحبهم سلفا وبقيت كالمفقود في خلف
من كلّ مطوىّ على حنق متصنعٍ يكفي ولا يكفي
وقال بشار:
فسد الزمان وساد فيه المقرف وجرى مع الطّرف الحمار الموكف
كان سفيان الثوري يقول: ذهب الناس فلا مرتع ولا مفرع ولعبد الله بن المبارك الفقيه، وتروى لغيره:
دهب الرجال المتقدى بفعالهم والمنكرون لكلّ أمرٍ منكر
وبقيت في خلف يزين بعضهم بعضًا ليأخذ معورٌ من معور
ركبوا ثنيات الطريق فأصبحوا متنكبين عن الطريق الأكبر
ما أقرب الأشياء حين يسوقها قدرٌ وأبعدها إذا لم يقدر
العلم زين للرجال مروءةٌ والعلم أنفع من كنوز الجوهر
أأخي إن من الرجال بهيمةً في صورة الرجل السميع المبصر
فطن لكلّ مصيبة في ماله وإذا يصاب بدينه لم يشعر
ولأبي حفص عمرو بن علىّ بن بحر الفلاس، وكان أحد أئمة أهل الحديث الحفاظ الجلية:
ألا ذهب التّكرم والوفاء وباد رجاله وبقى الغثاء
وأسلمي الزمان إلى رجالٍ كأمثال الذئاب لهم عواء
صديق كلما استغنيت عنهم وأعداء إذا نزل البلاء
وقال منصور الفقيه:
يا زمانًا أورث الأح رار دلاّ ومهانه
لست عندي بزمانٍ إنما أنت زمانه
كيف نرجو منك خيرًا والعلا فيك مهانه
أجنونًا ما نراه منك يبدو أم مجانه
وقال آخر:
كنا نعيّر من يأتي بفاحشةٍ والناس يرعون حقّ الدين والحسب
فالناس قد تركوا التعيير كلهم لما استوى النّاس في الفحشاء والكذب
وقال آخر:
ذهب الوفاء ذهاب أمس الذّاهب فالناس بين مجاملٍ وموارب
وقال آخر:
ذهب التكرم والوفاء من الورى وتقّرضا إلاّ من الأشمار
وفشت خيانات الثقات وغيرهم حتى اتّهمنا رؤية الأبصار
ولعبد الله بن عبد العزيز بن ثعلبة اليعقوبي الشّذني:
مضى دهر السّماح فلا سماح ولا يرجى لدي أحدٍ فلاح
رأيت الناس قد مسخوا كلابا فليس لديهم إلاّ النّباح
وأضحى الظّرف عندهم قبيحا ولا والله إنّهم القباح
سلام أهل إبليس عليكم فإن البين أوشكله الرّواح
نروح فنستريح اليوم منكم ومن أمثالكم قد يستراح
إذا ما الحرّ هان بأرض قومٍ فليس عليه في هرب جناح
وقال آخر:؟ مضى الجود والإحسان واجتثّ أصله وأخمد نيران النّدى والمكارم
وصرت إلى ضرب من الناس آخر يرون العلا والمجد جمع الدّراهم
كأنهم كانوا جميعًا تعاقدوا على اللؤم والإمساك في صلب آدم
كان بلال لما قدم المدينة ينشد تشوقا إلى المكة، ويرفع عقيرته:؟ ألا ليت شعرى هل أبيتّن ليلةً بوادٍ وحولى إذخر وجليل
وهل أردن يومًا مياه مجنّةٍ وهل يبدون لى شامةٌ وطفيل
ولا بن ميادة واسمه الرّمّاح:؟ ألا ليت شعرى هل أبيتن ليلةً بحرة ليلى حيث ربيّننى أهلى
بلادٌ بها نيطت على تمائمي وقطعن عني حين أدركني عقلي
وقال آخر:؟ أحبّ بلاد الله ما بين منعجٍ إلى وسلمى أن يصوب سحابها
بلادٌ بها عقٌ الشباب تمائمي وأول أرض مسّ جلدي ترابها
وقال آخر:؟ أحنّ إلى دهرٍ مضى بغضارةٍ إذا العيش رطبٌ والزمان مواتي
وأبكى زمانًا صالحا قد فقدته يقطع قلبي ذكره حسرات
تمطّى علينا الدّهر في متن قوسه ففرقنا منه بنبل شتات
وقال متمم بن نويرة:
[ ١٦٩ ]
؟؟ وكنا كندماني جذيمة حقبةً من الدّهر حتى قبل لن يتصدعا
فلما تفرّقنا كأني ومالكا لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
وقال آخر:
خمسون عامًا تولت من تصرّفها عسرٌ ويسرٌ على الحالين أشهده
لم أبك من زمن صعب لشدته إلا بكيت عليه حين أفقده
وما جزعت على ميتٍ فجعت به إلاّ ظللت لستر القبر أحسده
وما ذممت زمانا في تقلّبه إلاّ وفي زمني قد صرت أحمده
ولأبي عبد الرحمن العطوى، واسمه محمد بن عطية:
سألت عن سبب الإقتار والعدم وعن زوال النّدى في العرب والعجم
نودى: هوت أنجم الإفضال واشتملت أم التواصل في الدنيا على عقم
أنعمى إليك مواساة الصديق وما قد كان يرعى من الأخلاق والذمم
أنعمى إليك خلال الفضل قاطبةً لم يبق منهنّ إلا دارس العلم
أين الوفاء الذي قد كان يعرفه قومٌ لقومٍ وأين الحفظ للحرم
أين الجميل الذي قد كان ملتبسا أهل الوغاء وأهل الفضل والكرم
أيسر أنت صديق الناس كلّهم ثم ابل سرهم في حالة العدم
فإن وجدت صديقا عند نائبةٍ فلست من طرقات الخبير في أمم
لما أناخ علىّ الدهر كلكله وخاننى كلّ ذي ودٍّ وذي رحم
ناديت ما فعل الأحرار كلهم أهل الندى والهدى والبعد في الهمم
قالوا: حدا بهم ريب الزّمان فسل أحداثه عنهم تخبرك عن رمم
روينا عن عبد الله بن مصعب الزبيري أنه قال: خرجنا إلى الغزو زمن مروان بن محمد حتى إذا كنّا ببعض الطّريق أصابنا مطرٌ وابل، قملنا إلى قصر رفع لنا فصرنا إلى فنائه، إذ خرجت وليدة فقالت: بأبي وأمي! من أين أنتم فقلنا: من مكة. فتنفست الصّعداء، وأنشأت تقول:
من كان ذا سكن بالشام يألفه فإن في غيره أمسى لى السّكن
وإنّ ذا القصر حىّ مابه وطنى لكن بمكة أمسى الأهل والوطن
من ذا يسائل عنّا أين منزلنا فالأقحوانة منّا منزلٌ قمن
إذ نلبس العيش صفوًا ما يكدره ضغن الوشاة ولا ينبوبنا الزّمن
قال: فمضينا في غزونا حتى إذا قضينا شأننا وقفلنا راجعين، أخذنا المساء عند ذلك القصر، فأضافنا صاحبه وأحسن ضيافتنا، فقلت له: ثمّ حاجة. فقال: وما هي؟ قلت: وليدة صفتها كذا، إما أن تبيع وإما أن تهب، فقال: ما شاء الله كان، والله لو كانت حية ما مضيت إلاّ بها، ولكنها ماتت منذ أيام تلهفًا على مفارقة من نشأت معه.
روينا من وجوه أن أبا خالد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج فقيه مكة ﵁، خرج إلى اليمن إلى معن بن زائدة في دين ركبه، قال: فلما نزلت عليه رحبّ بي وسهّل، وقال: ما أقدمك هذه المدرة؟ فقلت: دينٌ ركبني لم تف به جائزة أمير المؤمنين، فضاق ذرعي فلم أر له سواك، فخرجت إليك. فقال: قدمت خير مقدم، يقضي دينك وتنصرف محبورًا إلى وطنك. قال: فأقمت عنده شهورًا في أحسن مثوى وأكرم ضيافة، فإني لخارج من عنده يومًا إذ رأيت الناس يتأهبون إلى الحج، فأدركتني وحشة، ولم أملك العبرة، وحنّت نفسي إلى الوطن، فرجعت إليه وقد اغرورقت عيناي بالدموع، فقال لي: مالك؟ قلت: رأيت الناس في أهبة الحج والخروج إلى مكة فذكرت أبياتًا لعمر بن أبي ربيعة حملتني على ما ترى قال: وأى أبيات عمر هي؟ فقلت: قوله:
هيهات من أمة الوهّاب منزلنا إذا نزلنا بسيف البحر من عدن
واحتّل أهلك أجيادا فليس لنا إلا التذكر أو خظٌ من الحزن
بل ما نسيت غداة الخفيف موقفها وموقفي، وكلانا ثمّ ذو شجن
وقولها للثريّا وهي باكية والدمع منها على الخدين ذو سنن
بالله قولى له في غير معتبةٍ ماذا أردت بطول المكث في اليمن
إن كنت حاولت دنيا أو رضيت بها فما أخذت بترك الحجّ من ثمن
[ ١٧٠ ]
فقال: أتعزم على الرحيل والرجوع إلى وطنك؟ قلت: نعم. قال: صحبتك السلامة، ورزقت العافية. وخرجت من عنده فما وصلت إلى موضعي، حتى سبقني خمسة عشر بغلا عليها عصب اليمن، ودراهم، وضروب من الخير، فقضيت ديني وتأثّلت منه كنزًا مما بيدي اليوم.