وقل له: أنت محجوب بالعلم عن المعلوم.
قال شيخ الإسلام ﵀: فالسعادة هو أن يكون العلم المطلوب هو العلم بالله وما يقرب إليه ويعلم أن السعادة في أن يكون الله هو المحبوب المراد المقصود ولا يحتجب بالعلم عن المعلوم، كما قال ذلك الشيخ العارف للغزالي لما قال له: أخلصت أربعين صباحًا فلم يتفجر لي شيء، فقال له: يابني أنت أخلصت للحكمة لم يكن الله هو مرادك.
والإخلاص لله هو أن يكون الله هو مقصود المرء ومراده فحينئذٍ تتفجر ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه كما في حديث مكحول عن النبي - ﷺ -: (من أخلص لله أربعين صباحًا تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه). (١) [انتهى ص١٤٧ النبوات].
فيه من الفوائد:
١ - أن السعادة هي العلم بالله وما يقرب إليه.
٢ - أن السعادة هي أن يكون الله هو المحبوب المراد المقصود.
_________________
(١) رواه أبو نعيم بسند ضعيف ولفظه: (من أخلص لله أربعين يومًا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه).
[ ١٢٧ ]
٣ - أن العلم إذا لم تخلص فيه النية - وذلك بأن يكون الله هو المحبوب والمراد المقصود - فإنه يكون حجابًا عن المعلوم وهو الحق سبحانه.
تأمل كيف يكون العلم إذا أريد به الدنيا والرئاسة ونحو ذلك كيف يكون حجابًا عن الله لأن العلم وسيلة فهو كالطريق الموصلة إلى بلد معين، فالمخلص السائر إلى الله مثل من سلك هذا الطريق وَجَدّ في سيره فهو يصل وإن صادفته بعض العوائق والعثرات نهض وأسرع ومثل المحتجب بالعلم عن المعلوم مثل من هو على طريق البلد المقصود لكنه يدور في الطريق وإذا تقدم خطوة رجع خطوتين وجلس فكيف يصل هذا ومتى يصل لأنه استخدم الوسيلة لغير غايتها فاحذر من الاغترار بأن تظن أن العلم مقصود لذاته فتطمئن إليه وتركن إليه فتحجبك الوسيلة عن الغاية وتذكر حديث: (ماذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه). (١)
معنى الحديث أنك إذا طلبت العلم للدنيا والرئاسة كنت كمثل من أدخل غنمًا في زريبة ثم أدخل عليها ذئبين جائعين.
تأمل كيف يكون إفسادهما للغنم، فالغنم هي علمك النافع وأعمالك الصالحة، والذئبان هما القصود والنيات التي تفسد ذلك وما يتفرع منها من الأعمال.
_________________
(١) قال الترمذي: حسن صحيح.
[ ١٢٨ ]
ولما عُرِّبت كتب اليونان صار ما مُدِح من الكتاب والسنة من مسمى الحكمة حتى ظنَّ كثير من الناس أنه حكمة هذه الأمة [يعني اليونان] أونحوها من الأمم كالهند. (١)
تأمل المطابقة لما نحن فيه حيث أنه لما عُرِّبَتْ علوم الغربيين صار ما مُدح من الكتاب والسنة من مسمى العلم يظن كثير من الناس أنه علمهم.
_________________
(١) ذكره شيخ الإسلام في نقض التأسيس، ص٣٢٣.
[ ١٢٩ ]