إني أنصح من أراد السلوك إلى الله وهو صادق ألاّ يغتر بكثير من المتأخرين وما يكتبونه وما يقولونه ففي ذلك والله من الآفات والبليات والقواطع عن الطريق مالا يحيط بعلمه إلا الله ﷿، وأن تكون له عناية خاصة بكتب السلف ومعلوم أن الوصية بكتاب الله ﷿ وسنة رسوله - ﷺ - لكن لابد في معرفة ذلك من الاستضاءة بنور العلماء وتأمل الآن هذا الكلام لابن القيم الذي يعرف العلم ويعرف شرفه وقدره ويدلّك عليه لتميز بين العلم الشريف الممدوح وبين ما يُسمى به كذبًا وزروًا ويجعل أهل الوقت له نصيبًا من الشرف والمدح جهالة وضلالة.
قال ﵀: ولما كان كمال الإرادة بحسب كمال مرادها وشرف العلم تابع لشرف معلومه كانت نهاية سعادة العبد الذي لا سعادة له بدونها ولا حياة له إلا بها أن تكون إرادته متعلقة بالمراد الذي لا يبلى ولا يفوت، وعزمات هِمته مسافرة إلى حضرة الحي الذي لا يموت، ولا سبيل له إلى هذا المطلب الأسنى والحظ الأوفى إلا بالعلم الموروث عن عبده ورسوله وخليله وحبيبه الذي بعثه لذلك داعيًا وأقامه على هذا الطريق هاديًا، وجعله واسطة بينه وبين الأنام، وداعيًا له بإذنه
[ ٩٨ ]
إلى دار السلام، وأبى سبحانه أن يفتح لأحد منهم إلا على يديه، أو يقبل من أحد منهم سببًا إلا أن يكون مبتدأ منه ومنتهيًا إليه، فالطرق كلها إلا طريقه - ﷺ - مسدودة، والقلوب بأسرها إلا قلوب أتباعه المنقادة إليه عن الله محبوسة مصدودة، فحق على من كان في سعادة نفسه ساعيًا، وكان قلبه حيًا عن الله واعيًا، أن يجعل على هذين الأَصْلَيْنِ يعني: [العلم والإرادة] مدار أقواله وأعماله وأن يصيرهما آخيّته التي إليها مفزعه في حياته. (١)
انظر كيف جعل شرف العلم تابعًا لشرف معلومه ثم بين لك هذا المعلوم وهو الحي الذي لايموت ثم دلّك على الوسيلة إليه وهو العلم الموروث عن عبده ورسوله فهذا غاية المطالب ونهاية المآرب وهو العلم الذي شمّر له الصادقون وَأَمّهُ المحبون.
وقد ذكر ابن القيم: أنه لابد للنفس من مراد محبوب لذاته لا تصلح إلا به ولا تكمل إلا بحبه وإيثاره وقطع العلائق عن غيره وأن ذلك هو النهاية وغاية مطلوبها ومرادها الذي إليه ينتهي الطلب فليس ذلك إلا الله الذي لا إله إلا هو. ثم قال عن طريق أهل الإيمان الذين عقلوا عن الله أمره ودينه وعرفوا مراده بما أمرهم ونهاهم عنه وهي أن نفس معرفة الله ومحبته وطاعته والتقرب إليه وابتغاء الوسيلة إليه أمر مقصود لذاته وأن الله
_________________
(١) مفتاح دار السعادة ١/ ٤٦.
[ ٩٩ ]
سبحانه يستحقه لذاته وهو سبحانه المحبوب لذاته الذي لا تصلح العبادة والمحبة والذل والخضوع والتألّه إلا له فهو يستحق ذلك لأنه أهل أن يُعبد ولو لم يخلق جنة ولا نارًا ولو لم يضع ثوابًا ولا عقابًا كما جاء في بعض الآثار: (لو لم أخلق جنة ولا نارًا أما كنت أهلًا أن أعبد) فهو سبحانه يستحق غاية الحب والطاعة والثناء والمجد والتعظيم لذاته ولما له من أوصاف الكمال ونعوت الجلال، وحبه الرضى به وعنه والذل له والخضوع والتعبد هو غاية سعادة النفس وكمالها، والنفس إذا فقدت ذلك كانت بمنزلة الجسد الذي فقد روحه وحياته والعين التي فقدت ضوءها ونورها بل أسوأ حالًا من ذلك من وجهين:
أحدهما: أن غاية الجسد إذا فقد روحه أن يصير معطلًا ميتًا وكذلك العين تصير معطلة.
وأما النفس إذا فقدت كمالها المذكور فإنها تبقى معذبة متألمة وكلما اشتد حجابها اشتد عذابها وألمها، وشاهدِ هذا ما يجده المحب الصادق المحبة من العذاب والألم عند احتجاب محبوبة عنه ولا سيما إذا يئس من قربه وحظي غيره بحبه وَوَصْله، هذا مع إمكان التعوّض عنه بمحبوب آخر نظيره أو خير منه فكيف بروح فقدت محبوبها الحق الذي لم تخلق إلا لمحبته ولا كمال لها ولا صلاح أصلًا إلا بأن يكون أحب إليها من كل ما سواه وهو محبوبها الذي لا تعوّض منه سواه بوجه كما قال القائل:
[ ١٠٠ ]
من كل شيء إذا ضيّعته عوضُ وما من الله إن ضيّعته عِوَضُ
إلى آخره. (١)
هل تحتاج الأمة إلى علم نفس ومثل هذا الكلام النفيس من ذخائرها؟
يقال: إذا أعطيت أخاك تمرة فلم يقبلها فأعطه جمرة.
﴿وكذلك نولي بعض الظالمين بعضًا بما كانوا يكسبون﴾.
_________________
(١) مفتاح دار السعادة ٢/ ١٢٣.
[ ١٠١ ]