مع القيام بالدعوة على الكمال
والفرقة الناجية هي ما كان عليه النبي - ﷺ - وصحابته الأخيار ومعلوم ما كانوا عليه من المباعدة عما يدنس والنفرة والوحشة من المبطلين مع القيام بالدعوة على الكمال، وقل نقل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قصة جرت في ولاية أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵁ حيث أُتيَ إليه بقوم شربوا الخمر ومعهم رجل صائم لم يشرب معهم فأمر بإقامة الحد عليهم مستدلًا بقوله تعالى: ﴿وقدنزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذًا مثلهم﴾. (١)
فالصائم لم ينج من شؤم المنكر حيث أمر عمر بالبدء به بالجلد (٢) فإذا قال لك: الصائم لم ينكر ونحن ننكر، قل له: يشترط زوال المنكر أو المفارقة وهل ضرب الله قلوب بني إسرائيل بعضهم ببعض إلا بمثل هذا، ومعلوم أن منكرات طريقكم ثابتة لا تزول بل تزيد، لا ينكر هذا إلا
_________________
(١) سورة النساء، آية: ١٤٠.
(٢) الفتاوى، ج٣٢، ص٢٥٤.
[ ١٢١ ]
مكابر لكن مما يغركم أشياء قليلة من الإصلاح ظاهرة إما إعفاء لحية أو تقصير ثياب ونحو ذلك فيعميكم ذلك عن الدواهي، وأهل البصائر يقارنون بين المصالح والمفاسد ولا نسبة لهذه المصالح بجانب المفاسد العظيمة في طريقكم والمسألة كما يقال:
يُعَمَّرُ واحد فَيغُرُّ الفًا ويُنْسَى من يموت من الصغار
حيث تشيعون مثل هذه الأمور الصغيرة التي تحصل وتتعامون عن الطامات ومثلكم في ذلك مثل من يداوي شخصًا فيه علتين واحدة بسيطة مثل الزكام ونحوه والثانية سرطان أو ما يشبهه فجعل همته في معالجة الزكام وقد يبرأ المصاب من ذلك ولكن ترك الداء العضال على حاله بل زاده حيث لا هو أخبره أن به داءٌ خطيرٌ ولا هو يدعه لو أراد الشفاء والعافية بالتخلص من دائه، إنهم كمن يُطبُّ زكامًا فيُورث جذامًا فتأمل هذا فهو مطابق للحال الواقعة، وقل له: هل تقول لله يوم القيامة: لا أقدر على العلم الذي أعبدك به إلا هكذا؟ هذا كذب.
وهل تقول: ما استطيع أطلب الرزق إلا هكذا؟ هذا كذب، فأنت محجوج بحال الآخرين حيث يَسّر الله لهم علمًا ورزقًا وكثير منهم أحسن حالًا منك وممن على نحلتك.
[ ١٢٢ ]